دبلوماسية الولايات المتحدة يتجاذبها طرفان: هواة السياسة والبيروقراطيين المتشددين. فإذا ما نظرنا إلى ما بعد الحقبة الكيسنجرية وما سبقها من إنجازات دبلوماسية توجت في منتصف القرن العشرين بإنشاء الأمم المتحدة بصفتها تطويرا معدلا لمنظمة القوى العظمى الأوروبية السالفة “عصبة الأمم”، فإن النظرة المعاصرة للدبلوماسية تشي بعدم احترام الأمريكان لها؛ كونها في نظرهم عامل ضعف يثقل كاهل الإمبراطورية، لا وسيلة لحل الأزمات والتعقيدات الدولية.
أنهيتُ أواخر العام الماضي ترجمة كتاب
The Practise of Diplomacy

لمؤلفيه الدبلوماسيين البريطانيين والخبيرين في العلوم السياسية كيث هاملتون ورتشارد لانغهورن (ونأمل أن تتاح له فرصة النشر قريبا)، وهو كتاب نزعم أن له أهمية تفوق أهمية كتاب كيسنجر “الدبلوماسية” لأسباب عديدة ليس هنا مجال ذكرها. لكن هذه المعضلة التي يطرحها الأستاذ السراج (في الفيديو أدناه) يستعرضها الكتاب الذي ينضح بالألم من جراء تنحية السياسيين لخبراء الدبلوماسية، ويعدد حالات الصراع بينهما على مر التاريخ. والعجيب أن الأخطاء ذاتها تتكرر على يد السياسيين المكابرين، وممن تهيمن عليهم الإيديولوجيا، أو مغريات القوة، لنعود دائما إلى نقطة الصفر بالوقوع بحالات صراع أمكن دائما الخروج من نفقها المظلم عبر الدبلوماسية والحلول الوسط. ولعل من أفضل الأمثلة التاريخية على ذلك دبلوماسية صلاح الدين الأيوبي الصبورة والوقورة وذات النفس الطويل.
الآن، يعتمد ترمب على الثلاثي فانس وكوشنر ووتكوف. فإذا تناولنا الرجلين الأخيرين سنجد أنهما، بحسب مقال جواد ظريف المنشور في فورين أفيرز، فشلا فشلا ذريعا في فهم أبسط الأمور الفنية على صعيد مسألة تخصيب اليورانيوم، التي يقول ظريف إن ما عرضه الإيرانيون حولها يُعد فرصة تاريخية للإمريكيين، بيد أن كوشنر ووتكوف لم يفهما أبجديات الفكرة الإيرانية – والكلام لظريف – فذهبا لترمب بإجابة سلبية، فتسببا بإشعال الحرب مجددا. فإن صح كلام جواد ظريف، فالأمر إذن يقع بين أيدي هواة سياسة ومبتدئين ومقاولين لا يعرفون من أمرهم شيئا.
وإذا انتقلنا إلى نائب الرئيس الأمريكي جيمس ديفيد فانس (وهو اسمه الكامل)، نرى أيضا أنه مبتدئ سياسة ولا خبرة له بالتفاوض الدبلوماسي الاحترافي، مع أنه قابل لأن يتعلم شيئا، ومنفتح على الخبراء. لكن إذا لاحظنا ما جرى أثناء قيادته المفاوضات في إسلام أباد، وكيف تحركت في هذه الأثناء بالذات سفن عسكرية أمريكية دونما داع يذكر، وكأن هناك من يريد تخريب مهمته وإفشالها بهذا الاستعراض للقوة في غير أوانه، سندرك هنا أن وزير الحرب هيغسيث طعن فانس من الخلف وغدر به، وأظهره بمظهر الفاشل الذي عاد من باكستان بخفي حنين، ولا نستثني أن هذا حصل بأمر من ترمب نفسه. وربما لو لاحظنا تعابير وجه فانس وحركات جسده وهو عائد من مطار إسلام أباد، للاحظنا شعوره الواضح بالمرارة.
يغلب على الظن أن التيار اليميني في الغرب على وجه العموم، ليس فقط لا يؤمن بالدبلوماسية، بل لا يعرف أصلا كيف يتصرف بها، ناهيك عن أن يستفيد منها، وهو ما شدد عليه هاملتون ولانغهورن في كتابهما الذي أشرنا إليه آنفا.
