الشياطين وأمريكا، و”فرضية الجن”

في مسألة الفضائيين الغرباء Aliens، والأجسام المجهولة الطائرة UFOs، والأجسام الغوّاصة غير المعلومة USOs، والظواهر الغريبة المجهولة UAP، والكائن الرمادي Grey alien… في هذه المسألة التي اعتاشها الأمريكان، ولاكوها، وتصارعوا حولها منذ ما يربو على نصف قرن… أقول إن فيها ما وراء الأكمة ما وراءها.
طفت هذه المسألة المثيرة للجدل المرير على السطح منذ خمسينيات القرن الماضي (وهذا التوقيت بحد ذاته مشبوه بالنسبة إلى الولايات المتحدة؛ لأنه يأتي بعد خروجها منتصرة في الحرب العالمية الثانية، وتسعى بقوة نحو الظفر بأدوات الهيمنة وتوظيف التقدم العلمي لصالح تفوقها العسكري على العالم)، إذ وقعت أحداث غريبة عاينها الناس بأمهات أعينهم: مركبات طائرة مجهولة، وحالات خطف متزامنة، ووقائع مس شيطاني كثيفة إلى حد تأليف كتب شخصية كثيرة حول ذلك، والأدهى من هذا وذاك حالة إنكار حكومي وتعتيم رسمي مستمر ومُلحّ منذ ذلك الزمن. تطور هذا الواقع إلى أدب شعبي عبر كتب وأفلام ومسلسلات تكشف هذه الحالات من المشاهدات والمواجهات مع هذه الظواهر. وكنا (نحن ممن نتابع هذه الأعمال السينمية والتلفزية) نظن أنها من قبيل الخيال الأمريكي الخصب، غير أن كشف الحكومة الأمريكية مؤخرا بعضا من الأسرار التي بجعبتها حول هذه المسألة المبهمة جعلها مطروحة على الطاولة بكل عجرها وبجرها، وثمة من يزعم إدراكه بعد هذا الكشف سبب التعتيم الحكومي منذ عقود طويلة!
مهما يكن من أمر، حكومة ترمب يبدو أنها أوفت شيئا من وعودها للتواقين من جمهور ترمب بنزع النقاب عن أسرار هذه القضية، فخصصت في أواخر شهر فبراير/شباط المنصرم موقعا ضمن مواقع وزارة الحرب الأمريكية فيها عرض لبعض الصور والوثائق التي كانت تصنفها على أنها سرية، ثم أفرجت عنها في الشهر المذكور آنفا
https://www.war.gov/ufo/
ويتصدر هذا الموقع أو الرابط أمر رئاسي من ترمب بالإفراج عن هذه الملفات والوثائق والصور التي بحوزة الإدارة الأمريكية. لكن كثير من الأمريكيين يشددون على أن هذا الإفراج ليس سوى نذرات بسيطة مما تملكه الحكومة الأمريكية، وهم -كما يؤكدون- ليسوا بحاجة لهذه الوثائق؛ لأن ما كشفه المواجهون لهذه الظواهر كثير للغاية كما ذكرنا آنفا. وللتدليل على ذلك، عرض المخرج ستيفن سبيلبيرغ ملامح شكل الكائن في فيلمه الشهير E. T (كائن من الفضاء)، وهو الشكل الذي رسمه أناس كثيرون بعد مشاهدتهم لهذا المخلوق، وعاد مؤخرا في فيلمه الجديد Disclosure Day (يوم الانكشاف) ولكنه هنا جعل شكل الكائن أضخم وأطول بعض الشيء. الحكومة الأمريكية لم تخفِ هذه الاستكشافات عبثا، بل تطمح إلى شيء من ورائها، أو ربما كانت كذلك وأدركت أنها لن تطال منها شيئا، أو لعلها أيقنت أن آخرين سيزاحمونها على هذه اللعبة.
الظريف في هذه المسألة برمتها، ومن ألفها إلى يائها، أنه ما من كائنات فضائية ولا هم يحزنون! فالمسألة وما فيها أنه مجرد تواصل مع أنواع من الجن تستخدم أدوات تقنية متطورة؛ لتوهم هذا الإنسان بتطورها الخارق، وقدومها من عوالم بعيدة وشاسعة في الفضاء. هذا ما ينقله لنا عمران حسين وفاروق مكدورمت في كتابهما الجديد
The Jinn Hypothesis: An Islamic Framework for Interpreting the Modern UFO Phenomena
(وتفضلوا بتقديم نسخة إليكترونية منه هنا https://www.sapienceinstitute.org/the-jinn-hypothesis/)
الذي يعرض مجموعة من أوجه الشبه بين حوادث المواجهات مع الأجسام الطائرة المجهولة وبين الروايات التي يقدمها التراث الإسلامي، سواء أكان من آيات القرآن الكريم، أم نصوص الحديث الشريف، أم آثار الصحابة ورواياتهم. كما يستعرض هذا الكتاب الصغير في حجمه والمفيد في دلالاته، عددا من الشواهد والاقتباسات من كتب صدر بعضها حديثا لعلماء بارزين، أهمها كتاب عالمة تاريخ الأديان ديانا وولش بازولكا Encounters: Experiences with Non-Human Intelligences وكتاب قديم لأهم علماء هذا المجال UFO جاك فاليه بعنوان Passport to Magonia: from Folklore to Flying Saucers، وكتاب آخر للعالم النفساني الراحل جون إدوارد ماك Abduction: Human Encounters with Aliens، وغيرهم من المفكرين الجادين، إذ يظهر في أعمالهم مدى التطابق مع الحالات التي ذكرها التراث الإسلامي، مثل بناء الأشياء الحديثة (مع أن الجن يواكب التطور التقني لدى البشر ولا يتفوق عليه إلا بدرجة أو درجتين)، والإقامة على المياه وتحتها (وهو ما يفسر ظاهرة USO)، والاختطاف، والسكون في البشر أو منازلهم Haunting، والمس، والفصام، والتلبس والعشق… إلخ.
إن ثبت هذا الأمر، ستكون بلا شك فضيحة العصر. فهم لم يأتوا بجديد، وكم من حكام على مر التاريخ البشري حاولوا تطويع عالم الجن لصالحهم؟! لم ينجح منهم إلا حاكم واحد، سليمان عليه السلام، وكان ذلك بأمر الله سبحانه الذي سخّر له هذا العالم؛ لحكمة أرادها الباري عز وجل.
الطريف في هذه المسألة -كما يبدو لنا منها- أن الجن نجحوا بخداع الأمريكان عن طريق إقناعهم بأنهم قادمون من حضارات من كواكب بعيدة، ويريدون للبشرية خيرا. في حين أن من يعرفهم على حقيقتهم (ولن يعرفهم أحد حق المعرفة إلا المسلمون، نظرا إلى النصوص الدينية الكثيرة التي تحذر منهم ومن شياطينهم) يعلم يقينا أنه لا يحق لهم الدخول إلى عالم الإنس بهذه الطريقة المزيفة، وإن فعلوا فإنما هم شياطين وأتباع لإبليس، هدفهم صدّ الناس عن عبادة المعبود. وهذا دأب الشياطين منذ أبد الآبدين، فنعوذ منهم بالرحمن الرحيم.

أضف تعليق