الإله الشعبي الذي صنعته الإمبراطورية الأمريكية: سوبرمان

ما من شعب أو أمة ترتقي حضاريا إلا وتبني لها قصصا أو أساطير شعبية؛ لتنسج حولها شعورا رابطا بين أفرادها وجماعاتها. وهذا ينطبق على الشعب الأمريكي – أو على وجه التحديد الشعوب التي كوّنت ما يسمى اليوم “الولايات المتحدة”. ومن أغرب أساطيرهم -التي قد ينظر لها كثيرون باستخفاف، مع أنها تستأهل دراسات جادة- قصة “سوبرمان”، أو “الرجل الخارق” أو “الرجل الفولاذي”.
قبل التطرق إلى هذا الموضوع المتشابك، أود الإشارة إلى أنني هممت بكتابته قبل ما يربو على أربعة أعوام، لكنني لو فعلت حينها لوقعتُ ربما بخطأ نسبي، وقد يكون مؤثرا. إذ ثمة اختلاف جوهري بين الفكر الصهيو-أمريكي، وبين الفكر اليهودي الأصلي في هذه المسألة المؤسِّسة لماهية “أمريكا” وطبيعتها الأصلية، التي يكاد يتفق المؤرخون والمثقفون الأمريكان على أنها “طبيعة ازدواجية معقدة” Complex Dual Nature، وهي الظاهرة التي عجزت كثير من العقول العربية عن إدراكها بدقة. وتكمن الازدواجية في الطبيعتين الدينية (البروتستانتية الجديدة) والمدنية الدنيوية (العلمانية غير المتشددة). فكل شيء في أمريكا يكاد يكون مزدوجا: المزج بين اليهودية والمسيحية، والاشتراكية والرأسمالية، والتناقض بين الحرية والعبودية (وهو ما قامت بسببه الحرب الأهلية 1861-1865)، والتداخل بين الدين والدولة. غير أن قصة “سوبرمان” تجسد بالضبط حالة المزج بين اليهودية والمسيحية الأمريكية الجديدة، على أنها محاولة مزج غير منضبطة، وتشوبها التعديلات المنحرفة، والتأويلات الجارفة، ورمزية “تأليه” الأمة. ولذلك تخرج لنا قصة أسطورية مشوهة بتشويه الصهيونية ذاتها لأي شيء جميل.
بادئ ذي بدء، فكرة أو مصطلح “الرجل الأعلى” Super-man ابتكرها أصلا في أواخر القرن التاسع عشر المفكر الألماني، غريب الأطوار، فريدريش نيتشه، وهي فكرة فلسفة محضة تقوم على “الفرد الذي يتجاوز القيود والتعاليم التقليدية، ويتحمّل مسؤولية تكوين قيمه التي يؤمن بها، والسيطرة على مصيره بإرادة حرة وقوية”، كما يرد في كتاب نيتشه “هكذا تكلم زرادشت”. لكن في أحد أيام عام 1933 افترش شابان يهوديان أرصفة أحد شوارع نيويورك بلا عمل أو أمل، فقد بلغتهما الأنباء المفزعة من اضطهاد قادم سوف يقع تحت نيرانه أبناء جلدتهم على إثر صعود نجم الأحزب القومية اليمينية المتطرفة في أوروبا مثل الحزب النازي في ألمانيا، والحزب الفاشي في إيطاليا. فقررا أن يعملا أي شيء ردا على ذلك، فلم يكن بحيلتهما سوى سرد قصة مصورة (أو ما يطلق عليه “القصص الهزلية” Comics)، شريطة أن تجذب الكبير قبل الصغير. أما الشابان فهما بطبيعة الحال حسب اسمي الشهرة الأمريكي لهما: جيري سبيغل Jerry Siegel وجو شوستر Joe Shuster. ولنا أن نتخيل الحوار الطريف الذي جرى بينهما قبيل إنجاز عملهما، وهما في وضع معنوي بائس وسط ظروف “الكساد الكبير”، فيقول الأول لصاحبه:


-سبيغل: كما ترى يا جيري، الحال واقف، وقاعدين في الرصيف القذر نننش الذبان. هل عندك حلول؟
-شوستر: عندي حلول؟ ألست أنت اللي عاملي فيها أبو العرّيف؟ خل التفكير يأتي منك!
-سبيغل: مع إن دمك بارد، بس شوف، عندي فكرة إما أن تصعدنا إلى سابع سما، أو تخسف بنا إلى الهاوية.
-شوستر: “يا ما جاب الغراب لأمه”، بس قول، سامعك.
-سبيغل: ما ألومك، ما عليك شرهة؛ لأنك كندي ودمك يلطش! بس في البداية اسألك سؤال: ألست يهودي وابن ستين يهودية؟ وأنا معك بالأصل نفسه؟
-شوستر: بقولك إيه… ما تحترم نفسك! اختصر ما الذي تريد قوله، وبلاش هرتله!
-سبيغل: شوف، لمَ لا نستفيد من تراثنا اليهودي لنحيك منها قصة شعبية مصورة، ومنها كذلك نملأ فراغ هذا البلد الممل من المحتوى الأسطوري؟
-شوستر: يخرب بيتك! تريد أن تلقي بنا إلى التهلكة؟! ألم يبلغك أن معاداة السامية وكراهية قومنا وصلت إلى مستويات خطيرة حاليا؟
-سبيغل: بلغني، بلغني. لكن لأنك أحمق بلا ذاكرة، نسيت أن هذا البلد تأسس أصلا حسب الجذور الإسرائيلية، وبالتالي هم بحاجة إلى كلامنا ومنطقنا كذلك.
شوستر: يا عزيزي أنت تعلم أن اليهودية الأمريكانية لا علاقة لها بيهوديتنا التي نؤمن بها. دعك من ذلك، ما هي فكرتك من غير دوشة دماغ؟
-سبيغل: وصلت خيرا، ما في رأسي هو خلطة عالية المزاج لتكوين شخصية منقذ لا يشق له غبار…
-شوستر: تقصد كالمشيح بتاعنا؟
-سبيغل: ها؟ حاجة زي كده. لكن لا بد من أمركة هذه الشخصية وعدم إظهار يهوديتها قدر المستطاع…
-شوستر: أيوه، هنا كلامك يعجبني، كيف؟
-سبيغل: هو شخصية قوية ماديا، ويستطيع عمل كل شيء: يطير فوق الأرض وخارجها، لا يتأثر بالرصاص أو حتى القصف، وقادر على حمل الأطنان والجبال، ويرى الأشياء وما وراءها وبأبعد المسافات…
-شوستر: حيلك، حيلك، حيلك! من أين أتيت بكل هذه الخزعبلات والتهبيلات؟
-سبيغل: خزعبلات؟ ألم أقل لك أنك جاهل، وتورنتو تشهد على ضحالتك! يا ابني هذه القوى الأسطورية مستمدة من ثلاثة مصادر يهودية بحتة:
التراث الذي تركه لنا نبينا موسى صاحب القوى الإعجازية في مصر
أسطورة “غولم” الحامي لليهود التي ابتكرها الحاخام يهودا لوف بن بيتسلئيل في القرن السادس عشر
وثالثة الأثافي من المشيح الذي ننتظره، ويحمل بجعبته كثير من هذه القوى
-شوستر: همممم، عجيب! لكن إذا عملنا هذه القصة المصورة، ما هو الشكل المفترض لهذه الشخصية؟ يعني كيف هو وجهه مثلا؟
-سبيغل: اتفقنا في البداية على عدم الجهر بيهودية الشخصية، وهذا ينطبق على اسماء الشخصيات. أي لا بد من التلاعب واللعب بين تسميات أمريكية ظاهرية خالصة (حتى تعجب الأمريكيين أنفسهم)، وبين تسميات عبرانية حقيقية لبطل القصة وسلالته التي لا بد أن تكون من خارج الأرض (ولهذا دلالة معينة). أما وجهه، فلمَ لا يكون وجهي أنا؟!
-شوستر: آه، جيري. شوف، أنت كصديق لك معزّة خاصة، لكن يبدو أنك لم تنظر جيدا لوجهك بالمرآة… فوجهك يقطع الخميرة من العيش…

ثم سرعان ما أنجز هذان الشابان اليائسان القصة التي ستجلب لهما الأمل والألم في آن واحد. فابتكرا قصة شاب أمريكي الاسم والمظهر “كلارك كينت”، صحفي انطوائي وغريب الأطوار يعيش في مدينة كبيرة اسمها “ميتروبوليس”، وله زميلة لا تبالي به اسمها “لويس لاين”، لكنها تعشق “سوبرمان” إذا ظهر في الأجواء، ولا تعلم أنه هو نفسه زميلها القريب منها الذي تستخف به كثيرا. لكن على القارئ أن ينتبه للدلالة الذكية في الاسمين الذين اختارهما المؤلف بدقة، فهما يعودان إلى ما يُطلق عليه في التاريخ الأمريكي “حملة لويس وكلارك الاستكشافية”، وهي الحملة التي أمر الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون بانطلاقها في عام 1804 لاستكشاف الأراضي الوسطى “لويزيانا” التي اشترتها الولايات المتحدة من الجمهورية الفرنسية الأولى (النظام الذي نشأ في فرنسا بعد الثورة، وكان حليفا للولايات المتحدة)، وهما القبطان ميرويثر لويس وساعده الأيمن الضابط وليام كلارك. وهذا ربط بالغ الذكاء من المؤلفين بالتاريخ الأمريكي الوليد، مع أنه ينطوي على إيحاء شاذ -كالعادة، لكن يهودية القصة تبرز من أعماقها، ولا تخفى على كل ذي لب.
“سوبرمان” أو الرجل الخارق، لا بد أن يأتي من مكان خارجي بعيد، وهذا تجسيد لكل من قصة النبي موسى عليه السلام، الذي جاء من خارج قصر فرعون ليربيه فرعون نفسه، وكذلك قصة المهاجرين اليهود “المتأخرين” الذين قَدِموا على أرض بعيدة عنهم، ألا وهي الولايات المتحدة في فترات متقطعة من أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين. بيد أن اللبس يكمن في وجود جماعات يهودية أقدم من هؤلاء كان لهم موطئ قدم في الولايات المتحدة المطلة على سواحل شرق المحيط الأطلسي ليلحقوا بهؤلاء اليهود المزعومين. وهؤلاء يختلفون تماما عن الجماعات اليهودية القادمة من شرق أوروبا المذكورة آنفا، إذ يبدو أن هؤلاء اليهود القدماء (أو فلنقل المتهودين) أسهموا -بصحبة المهاجرين الإنكليز والأوروبيين- بتأسيس كثير من مدن وبلدات تلك المستعمرات مثل “نيو أمستردام” التي تحولت إلى نيويورك الحالية، وبوسطن، ونيوجيرسي، وفيلادلفيا (وهو الاسم القديم لمدينة “عمّان”)، وتشارلستون، وسافاناه، وغيرها.
مهما يكن من أمر، يعود أصل بطل القصة إلى كوكب بعيد اسمه “كريبتون”، واجه مشاكل مناخية أو اضطرابات فلكية أدت إلى تدميره (لاحظ قصد المؤلف الاضطرابات التي واجهها قوم موسى، أو الاضطرابات التي عاناها اليهود الشرقيون)، لكن والداه تمكنا بأعجوبة من إنقاذه بمركبة صغيرة تقل هذا الرضيع (ولاحظ المقارنة مع ما فعلته أم موسى بإلقائها طفلها الرضيع في قارب قش صغير على اليم) وبرمجوها لتصل إلى الأرض.
أما الاسم الحقيقي لبطل القصة فدلالته اليهودية أو العبرية ساطعة سطوع الشمس، فهو كال-إيل ابن جور-إيل (وكأني به قريب للغاية من اسم “خليل!!!”). وكال-إيل يعني، حسب العبرية، “صوت الرب”، كما تذكر أحد المصادر. وعلى هذا المنوال تسير الأسماء ذات المعاني والدلالات العبرية: جور-إيل، وزور-إيل، وكارا-إيل… إلخ. غير أن الواضح في مسألة “كريبتون” أنه يشير إشارة خفية إلى الإمبراطورية الروسية بقيادة القياصرة من آل رومانوف التي تدمّرت فعليا (كالكوكب) على يد اليهود البلاشفة ومن لفّ لفّهم. ويقود هؤلاء القادمين إلى الأرض الجديدة (أمريكا) هذا الإنسان الخارق، وهذا ما يعكس حالة انبثاق وتجلّي تشبه ما ترويه النصوص التوراتية عن بروز “المساياه” أو المشيح، كما يسميه المفكر الراحل المسيري. أي أن المؤلف خلق تناصاً يقرب إلى التناص الديني الموارب، واربط هذا أيضا بالفكرة الأمريكية “القدر المتجلي” Manifest Destiny. وهذا التناص تستخدمه المرويات الشعبية الأمريكية كثيرا في قصصها الشعبية والهزلية، بل وحتى الدرامي على مدار القرن العشرين. منها على سبيل المثال القصة التي نجحت نسبيا في نهاية القرن العشرين “المصفوفة” (ماتريكس) التي تتحدث عن مشيح (أمريكي الطابع) منتظر كذلك. وكذلك الرواية التي نجحت في الستينيات والسبعينيات وتجسدت في أفلام ومسلسلات كثيرة مثل “الكثبان” Dune التي تعرض مشيحا في زمن ما. واللافت في هذه القصص أنها توظف عنصر الخيال والفانتازيا إلى حد بعيد، وكأن القوم متفقون على توظيف الرؤية الدينية (الضيقة) لاستشراف المستقبل وتبيان ملامحه القيامية. والفكرة الأخيرة “القيامة الأمريكية” Apocalypse جرى توظيفها كثيرا في الثقافة الشعبية الهزلية، وأعمالها أكثر من أن تحصر، لكنها تعكس هزلية فكرة القيامة في المخيال الأمريكي على وجه العموم.
لكن إذا حصرنا أنظارنا في فكرة “السوبرمان” باعتبارها تجسيدا لاندماج الهويتين التوراتية القديمة والمسيحة البروتستانتية المبتكرة في الأرض الجديدة (أمريكا)، سنلحظ طابعها الليبرالي الذي يميل لليسار، إذ من المعلوم تقليديا اتجاه كثير من اليهود إلى اليسار والنموذج الليبرالي. فالشخصية “الشريرة” التي يواجهها دائما سوبرمان هو ليكس لوثر، الذي يجسد شخصية يمينية أهلانية متطرفة يرى في سوبرمان كائنا أجنبيا غريبا لا بد من مكافحته بأي وسيلة. ويبدو أنه لا يختلف عن دونالد ترمب كثيرا، وهذا الأخير نجح في تبوأ منصب الرئاسة، ولعل إحدى حلقات القصص السوبرمانية أن ليكس لوثر سيتبوأ المنصب نفسه. ومن دلالات ليبرالية “سوبرمان” ويساريته تصريحه المتكرر بأنه يسعى إلى “الحقيقة والعدالة والأسلوب الأمريكي في الحياة”، وهذا تناص آخر مع القيم المشيحانية المزعومة: “الحق والعدل والسلام”. ومن جهة أخرى، تُعلي القصة من مظاهر القوة المادية والجسمانية، وهذا تجسيد آخر لقوة الولايات المتحدة المادية. فسوبرمان يطير (الولايات المتحدة لها تفوق جوي على الجميع)، ولا يخترقه الرصاص (وهذا يعادل القوة المدرعة لأمريكا وجيوشها)، وعيونه ترى من خلال الأشياء (وهذا كناية عن قدرة أمريكا التجسسية).
وأخيرا، يجوز لي القول إن الخطأ بتناول الفكرة، لو كتبت المقال في صيف عام 2022، يتلخص بحصر هذا الشكل أو الفكرة الفنية الهزلية والرمزية في آن، على الطابع اليهودي، أو مجرد ارتباطها بشابين ابتكرا قصة مصورة في بداية زخم المجلات الهزلية في العشرينيات والثلاثينيات وما تلاها. فيبدو أن المسألة أعقد من ذلك بكثير. ولعلنا نستطيع الشعور بذلك عبر الطعنة التي تلقاها مؤلفي القصة جيري شوستر وجو سيغل باستيلاء الشركة المنتجة (دي سي كوميكس) على حقوقهما، وتحقيقها أرباحا طائلة دون أن ينالا منها شيئا ذي بال، على الرغم من لجوئهما للقضاء الذي قضيا في قاعاته وردهاته زمنا طويلا دون أن يأتي لهما بشيء من حقوقهما، فأصابهما اليأس وحاصرتهما الأمراض، إلى أن هلكا والغصة قد خنقتهما. يشي لنا هذا السلوك بأن ثمة من أُعجب بالفكرة لكنه لم يُعجب بأصحابها؛ فأمريكا للإمريكيين أصلا وفصلا، مع أن ما من أصل لهذه الولايات التي اتحدت لغزو العالم.
النسخة المعتادة لأفلام سوبرمان لا تذكر شيئا عن هويته المقصودة، لكن يبدو أن المخرج الثاني للجزء الثاني من الفيلم الصادر في عام 1980 وهو تشارلز دونر، احتفظ بنسخة تصيح فيها مبتهجة إحدى المتفرجات على إنقاذ سوبرمان لطفل: “لا بد أنه يهودي!”، وهي بطبيعة الحال تقصد سوبرمان (خليل بن جوريل😁) لا الطفل. وهذه اللقطة النادرة سجلتها ووضعتها في رابط المقال نفسه على منصة إكس، يرجى مشاهدتها من هنا
.


مصادر المقال:
https://anfieldindex.com/geek/comics/superman-jewish-hero#:~:text=Superman%27s%20real%20name%20is%20Kal,he%20landed%20safely%20on%20Earth.
https://en.wikipedia.org/wiki/Jerry_Siegel
https://en.wikipedia.org/wiki/Joe_Shuster
https://en.wikipedia.org/wiki/Lewis_and_Clark_Expedition
https://ahmedkanoreadings.substack.com/p/aa2
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%85_(%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9)
https://www.seenandunseen.com/old-stories-shaped-superman-we-know-today
https://www.imdb.com/title/tt0081573/

أضف تعليق