دعاني أحد الأصدقاء “السينمائيين” لمشاهدة فيلم كلاسيكي وتقييم فكرته، فوجدت العمل وموضوعه مثيران للتأمل والتمحيص، كما أن وجود ممثل مميز مثل سبنسر تريسي شجعني على ذلك، نظرا إلى “فصاحته” الإنكليزية [إن جاز التعبير
] وصدق أدائه.
أما الفيلم فعنوانه Inherit the Wind وأنتج عام 1960 وأخرجه المخرج المعروف ستانلي كريمر، وأتذكر أنني ترجمت لهذين الرجلين فيلمهما الأهم Judgement at Nuremberg بالمشاركة مع الزميل سيد العطار.
وعبارة Inherit the Wind مقتبسة من مقولة وردت في الإصحاح 29، سفر الأمثال في العهد القديم، تقول:
“مَنْ يُكَدِّرُ بَيْتَهُ يَرِثِ الرِّيحَ، وَالْغَبِيُّ خَادِمٌ لِحَكِيمِ الْقَلْبِ”
والعبارة ذات معنى غامض وغير واضح، ولعل هذا مستمد من السفر بأكمله الذي يبدأ جليا ومفهوما، ثم ما يلبث يتشح بالإبهام وذلك في نصه العربي (وأظن المشكلة تتعلق كالعادة بـ #الترجمة).
أما حول موضوع الفيلم، وهو المهم، فيشير إلى مشكلة تقع في إحدى البلدات الأمريكية المحافظة حيث يجري تدريس التلاميذ نظرية “التطور والنشوء والارتقاء” لتشارلز دارون في حصص مادة العلوم. فتضجّ البلدة وتضطرب أحوالها، ويطالب مجموعة من أولياء الأمور عدم تعليم أبنائهم مثل هذا “الكفر الصريح بالكتاب المقدس” وإن الإنسان “لم يتطور من نسل القردة” كما يزعم أهل البلدة أن هذه النظرية العلمية تلقنها. فيحدث الهرج والمرج ما يستدعي اللجوء إلى القضاء والاستماع لكلا الطرفين، وليأت كل فريق بأحسن محامييه والمنافحين عن قضيته.
حذرني صديقي من أن الفيلم يعارض “الدين”، فقلت له “أي دين تقصد؟ إن كان المقصود ما ورد في نصوص التوراة والإنجيل (أو ما يطلق عليه “الكتاب المقدس”) فلا شك أن نتائج النظرية لا تسير على ما ورد فيه، أما من ناحية الدين الإسلامي، وكتابه الكريم القرآن، فما من مظهر يدلل على تدخل النظرية بالعقيدة الإسلامية.
كنت في السابق قد أشرت إلى آية كريمة تقدّم لنا حكما قاطعا تحل هذه المشكلة المصطنعة بيسر وسهول؛ إذ تدلل الآية الكريمة على وجود كائن بشري قبل آدم، والآية كما يلي:
{وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} الأنعام: 133.
(والقول بإن المقصود “بذرية قوم آخرين” هم نوح عليه السلام ومن نجا معه من الطوفان، إنما هو قول باطل ويخالف المنهج القرآني).
إذن تقدم هذه الآية حلا للمعضلة التي اختلقها كثيرون دون مبرر. فالدراسات العلمية التي تقدمها النظرية تعالج نماذج لكائنات حية عبر مدة موغلة في القدم تمتد لمئات ملايين السنين، أي ربما أقدم بكثير من ظهور الكائن البشري نفسه الذي بدوره يسبق الحدث الهائل المتمثل بهبوط آدم على الأرض. لكن في المقابل على “نظرية التطور” والمشتغلين بها، ألا تتحول إلى ما يشبه “آيديولوجيا” وعقيدة بحد ذاتها، فينبغي أن تظل في دائرة الملاحظة العلمية والأثرية والمخبرية التي لا تحتمل تعدد الآراء أو الصبغة القيمية، بل تنحصر مهمتها في الاستنتاجات العلمية الرصينة والمجرّدة. ولعل دارون نفسه أخطأ كثيرا حين حوّل اكتشافاته إلى ما يشبه “العقيدة” في كتاباته المتأخرة (ربما بسبب شدة الهجوم الذي واجهه من كل حدب وصوب)، مما تمخض عنه إثارة الشكوك بمقاصد صاحب النظرية حتى في الأوساط العلمية. لكن هذا لا يقلل من أهمية هذه النقلة النوعية في العلوم الحيوية، التي ساعدت (على سبيل المثال) على فهم الأعضاء الجسمانية البشرية والحيوانية، ومن ثم إيجاد حلول طبية، واكتشاف علاجات لكثير من الأمراض المستعصية.
فيلم “من يرث الريح” Inherit the Wind يناقش ظاهرة الجمود المجتمعي حين ترفض كثير من الجماعات، التي تظن أن قوامها مبني على “دين قويم”، ما يعرضه تطور البحث العلمي والاكتشافات الجديدة، وتظل هذه الجماعات بحالة من التزمّت اللامعقول، بالرغم من الفائدة التي تسديها هذه الاكتشافات في حياة الإنسان. والتزمّت والغلو ليس منهجا إسلاميا البتة، بل يعشقه أصحاب مناهج الاحتلال والحلولية، وهذا إن شاء الله إلى زوال.

