رحم الله أستاذنا الدكتور طارق عبد الله فخر الدين… فقدنا بوفاة هذا الرجل الكريم والمعلم الجليل رمزا من رموز العلم والمعرفة، وحب الخير والإحسان.
كان شخصية من أهل العلم، وعلى وجه الخصوص فن الترجمة… لم يتوقف يوما عن إطلاق شعاع علمه ومعارفه على كل تطلّع إلى النهل من سلسبيله. وزكاته عن هذا العلم لا يكاد يحدّها، أو يوقفها شيء. زاد على فضيلته هذه ببشاشته وابتسامته التي لم تفارق محياه، وكأنه يؤكد على هذا النور الذي شعّ على كل من دنا من بريقه، وكأني به نجم لا يأفل، ولا يتوانى عن إنتاج مسارات ضوئية يهتدي بها كل راغب في سلك دروب المعرفة.
بدأت معرفتي بشخصه الكريم في صيف عام 1998، وذلك بُعيد تخرجي من قسم اللغة الإنجليزية -الذي سبق أن ترأسه في منتصف الثمانينيات فترةً من الزمن- في كلية الآداب. كان ذلك عقب قدومي من رحلة علاج مع والدي رحمه الله. وكان من أقدار الله أن رأيتُ إعلانا عن حاجة إحدى الشركات إلى مترجم، فذهبتُ إلى المكان المقصود، ثم قابلت شخصيا الدكتور طارق رحمه الله. فسألني بعض الأسئلة التقليدية، غير أن الابتسامة والبشاشة لم تفارق وجهه السمح، مما ساعدني على قول ما أريد دون التوتر المعتاد في مقابلات التوظيف، ولم يبدر منه ما يثير الشعور بالتخلّص من هذا الشاب القادم على كرسي متحرك ومن ذوي الهمم، كما يقال، (وصدقني حين أقول إن غيره ممن يتولون مسؤوليات أكبر ليس فقط ينزعجون من التعامل مع هكذا حالات، بل يصل بهم الأمر إلى الاستياء). لم يكن الدكتور طارق من هذا الصنف، فهو إنسان من أعماقه، وكان متصالحا مع ذاته بهذا المبدأ. لم أحمل خبرات عريضة حين تقدمتُ للوظيفة في “شركة الأبراج للترجمة”، لكنه رحمه الله أصرّ على أن أخطو هذه الخطوة الكبيرة في حياتي العملية؛ لأعرف المعنى الحقيقي للترجمة.
ومع أن عملي لم يستمر طويلا في “الأبراج”، إلا إنه كان كافيا للتعرف على صعوبات هذا المجال، لكن الأهم من ذلك بناء علاقة احترام لهذه القامة الشامخة في العلم. عدتُ للأبراج بعد بضع سنين عقب زواجي، فوجدتُ صعوبة في الاستقرار بوظيفة ثابتة نظرا لظروفي الخاصة. يبدو أن الدكتور طارق غفر الله حاول في تلك الأثناء إيجاد معادلة توفق بين مجال الترجمة وسوق العمل في الكويت. لم أعلم بعدها ما حصل؛ لأنني انتقلت إلى منطقة بعيدة صعُب خلالها التواصل مع من عملت معهم. ثم مضت السنون لأجد الدكتور طارق مرة أخرى لحسن الحظ في صفحات الفيسبوك، فراسلته لأتأكد من هويته، فتذكرني مباشرة رحمه الله. ثم كان أن اشتركت مع مجموعة سينمائية اسمها “استديو الأربعاء” بقيادة الأستاذين علاء الدين البربري وسعيد المحاميد، وحدث أن ترجمتُ فيلما وثائقيا لأحدى فعاليات الاستديو، فدعوت الدكتور طارق -أسكنه الله فسيح جناته- لهذه الفعالية، فتكرّم بالحضور متأبطا معه ملفا فيه إهداء رقيق لأحدث كتاب ترجمه، فسعدتُ بحضوره للغاية.
وتوالت الأحداث والندوات والمناسبات التي تكرّم الدكتور طارق عبد الله بدعوتي إليها من جانبه، ومن أهمها احتفالية “يوم المترجم” في سبتمبر 2017 في رابطة الأدباء (الصورة)، بتنظيم من لجنة “ملتقى المثقفين” التي يديرها الأخ الدكتور عايد الجريد. ومنها كذلك ندوة بعنوان “اللغة العربية والترجمة” بمكتبة الكويت الوطنية في شتاء عام 2019 (الصورة رفقة الدكتورة ضياء بورسلي حاملة كتاب “عاصفة في كوب شاي” الذي أهديته لهما بالإضافة إلى الأخ الفاضل دكتور محمد بن ناصر الذي تكرّم بالتصوير). ثم أنني حللتُ ضيفا على إحدى المجموعات التي تقدم المميزين من ذوي الهمم، فدعوت لهذه المناسبة الدكتور طارق رحمه الله وكذلك الأخ العزيز الأستاذ بدر الفيلكاوي (أستاذ اللغة اليابانية والدراسات الشرقية)، فحضرا مشكورين هذا اللقاء اللطيف، الذي حدث فيه موقف ظريف لم يتفاعل معه بقوة إلا الدكتور طارق. إذ رويت مشهدا كوميديا بأحد الأفلام اليابانية، وكان المشهد يحتوي على نكتة صعب نقلها للعربية، لكنني ذكرت محاولتي التعريبية، ففهمها الدكتور طارق وضحك عليها معي كثيرا، وصفّق تعبيرا عن شعوره بظرافة المحاولة، فحمدت الله تعالى على ذلك. جرت هذه المناسبة في بداية شهر “هلا فبراير” من عام 2020، ولم يطل بنا السرور حتى أطلّت الجائحة برأسها القبيح، ولعلها كانت من أسوأ أوقات الفقيد رحمه الله، إذ تحتم على كثير من الناس البقاء في منازلهم، وأظنه رجلا اعتاد على الندوات العامة والمناسبات والأحداث العلمية، فصعب عليه هذا الوضع الشبيه بالحبس مثلما صعب على أمثاله من النوابغ.
الدكتور طارق عبد الله فخر الدين رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، من العقول الأكاديمية المميزة التي افتخرت بها البلاد. فهو من خريجي الدفعة الأولى لجامعة الكويت في عام 1970، وترأس قسم اللغة الإنجليزية الذي دَرَس فيه، كما ذكرنا آنفا، بعد حصوله على شهادتي الماجستير والدكتوراة في خارج البلاد. كما ترأس الجامعة العربية المفتوحة في الكويت، وله مسيرة حافلة في المجال الأكاديمي والقطاع الخاص. وتولى في الأعوام العشر المنصرمة مسؤولية بناء جمعية الترجمة الكويتية، ووضع لبناتها الأولى وقانونها التأسيسي، وبمشيئة الله تعالى يسير أبناؤه الأكاديميون والمترجمون على نهجه من أجل بناء هذا الصرح الكبير، وترسيخ جذوره خدمةً المجتمع ولغته وثقافته.
لقد أفنى هذا الإنسان الكريم عمره في خدمة العلم والعرفة مرضاةً لله، وسائرا على صراطه، وها نحن أبناؤه وتلاميذه نقول له رحمه الله تعالى: نشهد أمام الباري عز وجل أنك “ما قصرت”، ونسأله تعالى أن يصبّ ذلك كله في ميزان حسنات عبده طارق عبد الله فخر الله، رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته.
وداعا أيها المعلم الجليل



