رئيس الأركان يتكلّم: الحرب التي ما تكلّم فيها أحد

اطلعتُ -أخيرا- على كتاب رئيس هيئة الأركان العراقية الأسبق الفريق ركن نزار عبد الكريم الخزرجي:

( مذكرات مقاتل: الحرب العراقية-الإيرانية )

غلاف كتاب نزار عبد الكريم الخزرجي، الحرب العراقية الايرانية- مذكرات مقاتل


والحقيقة أنني سعيتُ إلى الحصول على هذه المذكرات منذ مدة طويلة، وخصوصا النسخة الإليكترونية منها، فلم أفلح. غير أن نشرةً إعلاميةً وردت إلى بريدي الإليكتروني تذكرني بالكتاب في هذه الأيام التي تصادف الذكرى السادسة والثلاثين لنهاية الحرب العراقية الإيرانية، أو ما أُطلق عليه حينئذ (القادسية الثانية)، وذلك حسب تاريخها المميز 1988/8/8.
ولعل من أهم الأسباب الدافعة لإعادة قراءة تفاصيل تلك الحرب المضنية… محاولة فهم كيفية اندفاع القوات العراقية في العامين الأولين للحرب، واحتلالها أراض إيرانية شاسعة، و”تحريرها” المحمّرة (الإمارة العربية التي ضمتها بريطانيا لإيران بُعيد الحرب العالمية الأولى)، وتحقيق سيطرة العراق الكاملة على شط العرب بدلا من تناصفه معها حسب اتفاقية الجزائر في عام 1975، ثم بعد ذلك العناء كله تراجع الجيش العراقي إلى ما دون الحدود الدولية، وتخليه عن كل ما أنجزه في بدايات الحرب. إذ تبيّن بما لا يدع مجالا للشك أن هذا الانسحاب -غير المنطقي- إنما جاء بقرار سياسي صدر من القيادة العراقية (أي من الرئيس صدام نفسه)، ولم يحدث إثر ضغط عسكري إيراني ناجع، وهذه لعمري خطيئة سياسية تكشف عن هشاشة الأنظمة العربية القومية، وكيف أنها -مهما علا صراخها- إنما تخضع في نهاية المطاف إلى إرادة القوى الغربية -التي صنعتها أصلا- وليس لها حظ أو نصيب في إنجاز استقلال وسيادة حقيقيين ينفعان شعوبها. واللافت هنا استشراء هذه الحقيقة على الأنظمة العربية كلها، لا النظام العراقي وحده، الذي يعد وحسب من ضمن هذا القطيع. ويكاد هذا المسلك أن يكون نمطية لا تخرج عليها الأنظمة العربية قيد أنملة. فهي نمطية سار على حذافيرها النظامان المصري والسوري -مثلا- في حروبهما الفاشلة مع الكيان الصهيوني، فهما يلتزمان بالحدود (المصطنعة أصلا)، أما الكيان فله أن يتوغل ويحتل حتى العواصم، ولا عليه أن يبالي “بقانون دولي”، أو خطوط حمراء. ولو قلبنا الصورة في الحرب العراقية الإيرانية؛ ليكون الإيرانيون هم المهاجمون والمتوغلون في أرض العراق، لأكاد أقسم غير حانث أنهم لن ينسحبوا عن شبر واحد، وهي العبارة التي جزمت بها غولدا مائير قبيل حرب 1973، وختمت بها حديثها مع الأمريكان وغيرهم، “واللي مش عاجبه يشرب من البحر”، كما صرّحت بهذا المعنى.
عزيزي الذي ما زال ينتمي لحزب البعث ويفتخر به، القرار السياسي الذي صدر في عام 1982 بالانسحاب من الأراضي الإيرانية يُعد في عرف الدول التي تحترم نفسها من قبيل “الخيانة العظمى”، وهو ما تؤكده النتائج الكارثية الناجمة عنه، والتي وقعت على مدار الحرب لاحقا، وسنذكر شيئا منها أدناه. لكنك إذا ما زلت تقدّس “الزعيم الأوحد بالضرورة” فمن هو يا تُرى القادر على محاسبته، ومنع الانحدار الذي سوف يُسقط البلاد والعباد في غياهب التهلكة -وهو ما فصّل الفريق الخرجي فيه بثنايا كتابه الذي نخضعه للنقاش- بسبب خطاياه التي لن ينجو منها أحد، ولن ألومك بعد ذلك كله؛ لأن “فاقد الشيء، لا يعطيه”.


عودا على بدء، الفريق نزار الخزرجي ينتمي لعائلة عسكرية محترفة حتى النخاع. فوالده عبد الكريم فيصل الخزرجي، يُعد من أهم آمري عديد من الأفواج العسكرية في العراق في حقبة الأربعينيات، وأحد الضباط العسكريين المشاركين في ثورة “مايس 1941” (الشهيرة باسم “ثورة رشيد عالي الكيلاني”) ضد الوجود البريطاني في البلاد. أما عمه فهو إبراهيم فيصل الأنصاري، القائد العسكري الذي شغل مركز رئيس هيئة أركان القوات المسلحة في العراق عام 1968. تبوأ الفريق نزار الخزرجي عدة مواقع عسكرية بعدما تدرج في عمله العسكري إلى أن بلغ أعلى مراتب الجيش الاحترافية في لحظةٍ كان العراق يئن فيها من احتلال عدد المناطق التي احتلها الإيرانيون أثناء الحرب الطويلة، وأهمها منطقة شبه جزيرة الفاو في أقصى جنوب البلاد؛ بغرض عزل العراق تماما عن منطقة الخليج العربي، وحرمانه بذلك من تصدير نفطه إلى العالم. وكانت طامة احتلال الفاو قد وقعت في بدايات فبراير/شباط 1986 على إثر قيام القوات الإيرانية على هجوم برمائي مباغت أطلقت عليه اسم عملية”الفجر 8″. كما أن موقف القوات العراقية كان عصيبا في الجبهة الشمالية (محور حلبجة – كركوك – السليمانية)؛ بسبب تحالف بعض المليشيات الكردية (سواء التابعة لمصطفى برزاني، أو جلال الطالباني) مع القوات الإيرانية. فيتبين أن الموقف العام منذ بداية عام 1986 إلى منتصف العام 1987 كان يميل لصالح الإيرانيين الذين طبقوا تكتيكات مفاجئة مثل الموجات البشرية المتتالية لفتح الثغرات العريضة، وأيضا الهجمات البرمائية العابرة للموانع البحرية الطبيعية.


اقتضى الموقف بناءً على ذلك اتباع أساليب “غير تقليدية” من الناحية الدفاعية، وبغرض تحرير الأراضي المحتلة، وهو ما طالب به بقوة القائد العام (الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين). فلم يكن لذلك سوى القائد المحترف البارز الفريق نزار الخزرجي، الذي أعرب عن اندهاشه في صفحات الكتاب من عدم الانفتاح على تلك الأساليب منذ بدايات الحرب، وعدم كفاءة بعض من أهم فرقاء الجيش؛ بسبب تعيينهم عبر الولاء الحزبي، لا الاتقان القيادي الاحترافي. فانبرى هذا القائد لتكوين خطة هجوم شامل وصفها بـ “الذراع الطويلة”؛ بهدف طرد القوات الإيرانية من الأراضي العراقية التي تحتلها لا سيما في الجنوب، وهي أربع عمليات هجومية أُطلق على كل منها وصف “توكلنا على الله”، نتج عنها طرد القوات الإيرانية من مناطق شبه جزيرة الفاو (التي استهدف الإيرانيون منها خنق العراق اقتصاديا وعزله عن الخليج تماما كما ذكرنا آنفا) وجزر مجنون إلى أن أكملت هذه العمليات زخمها عند أطراف محافظة ميسان الشرقية، واصطياد القوات الإيرانية، التي انهارت تماما بفعل هذه العمليات الضاربة، في منطقة خانقين (التي ابتدأت منها الحرب، وفيها انتهت) ثم بتوغل القوات العراقية نحو مدينة دهلران وقصر شيرين في عمق الأراضي الإيرانية. ولم ينفع الإيرانيون وقتئذ تعيين هاشمي رفسنجاني قائدا أعلى للقوات الإيرانية، إذ حاول عبثا في ذلك الصيف من عام 1988 شن هجوم على أحد قصور صدام حسين؛ لتقليل زخم الهجوم العراقي، لكن الأوان كان قد فات، وانهارت جبهات إيرانية كاملة وتفككت الخطوط، وصار الطريق إلى طهران ذاتها مفتوحا على مصراعيه، لولا أن القيادة العراقية خشيت ردود الفعل الدولية، وهذا دليل متجدد على انقياد الأنظمة العربية للقوى الدولية مهما صدرت منها جعجعة مزعجة حول استقلالها و”سيادتها”، وقارن ذلك بموقف النظامين المصري والسوري قبيل اندلاع حرب يونيو/حزيران 1967. فهي أنظمة جاءت لتمتثل لإرادة القوى الغربية تحديدا، لا تحقيق نصر شامل ومؤزر، أو رفعة شعوبها، التي ليس لها إلا القمع والسقوط نحو هاوية التدمير والفقر. كما أشرنا في بداية مقالنا، وهذا موضوع يستحق بحثا آخر.


الفريق نزار الخزرجي متوسطا بعض القادة والألوية مرتديا قبعته الحمراء


الفريق نزار الخزرجي، على الرغم مما يتسم به من كفاءة عسكرية واضحة، نراه يوقع نفسه في مغالطة غير منطقية. إذ يؤكد في مذكراته على عدم امتلاك القوات العراقية ذلك النوع من الأسلحة الكيماوية التي قُصفت بها منطقة حلبجة في شمال العراق أواخر الحرب. ويذكر أن ما أُطلق عليه عمليات “الأنفال” كان الغرض الواضح منها طرد القوات الإيرانية وحلفائها من قوات التمرد الكردي (ويقصد بها أساسا قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مصطفى برزاني، وقوات الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطالباني)، ولم يشر الخزرجي فيما نقله (وهو أحد قادة الفيلق الأول السابقين المكلف لهذه المنطقة) إلى أي استخدام للسلاح الكيماوي. غير أنه ألمح في لقاءات إعلامية لاحقة إلى احتمال إصدار علي حسين المجيد أوامر بهذا الشأن، بغير علم قادة الفرق العسكرية. والخزرجي لا ينفي في صفحات مذكراته بغضه الشديد للمجيد الذي يتصف “بالقسوة والغطرسة والتهور”، على حد وصفه. على أن الحقيقة تمسي صعبة المنال حين نعلم عن تحسّن علاقة الخزرجي بالطالباني بعد فرار السابق من جحيم طاغوت صدام حسين، الذي ما انفك يجثم على البلاد حتى بعد كارثة تدمير القوات العراقية، على إثر هروبها غير المنظم من الكويت. فخصما الأمس وصديقا اليوم لا بد أن يراعي كل منهما أحوال الآخر بعد الحقبة الصدامية، وهنا تضيع الحقيقة وسط تعتيم الصداقة الجديدة. غير أن العراقيين، لحظة وقوع كارثة حلبجة، ظلوا يؤكدون عدم امتلاكهم لنوع السلاح الكيماوي الذي أُطلق تحديدا على تلك المدينة في منتصف شهر مارس/آذار عام 1988، وأغلب الظن أنه نوع من غاز السارين القاتل، أو غاز (في إكس)، الذي تمتلكه إيران آنذاك، في حين امتلك الجيش العراقي في ذلك الوقت مخزونات من غاز الخردل أو “الغاز المزدوج” المطوّر لاحقا. وما يظهر جليا من سياقات ذلك الزمن، اعتماد الإعلام الغربي على الرواية الإيرانية حصرا، ومن البديهي أنها رواية كاذبة صنعتها السلطة الإيرانية لتغطي خيباتها العسكرية المتتالية، وتداريها بالتباكي على ضحايا حلبجة. ولا أجزم هنا أن الرواية العراقية حول الواقعة هي الصحيحة، لكن ثمة شواهد تدلل عدم منطقية انضمام عموم الأكراد للصف الإيراني، منها أن قتال القوات الشعبية الكردية إلى جانب الجيش العراقي في فصول كثيرة من الحرب، ثم أن الإيرانيين إذا هم يحبون الخير للإكراد حقا، لمَ لم يمنحونهم (حتى يومنا هذا) حكما ذاتيا كالمعمول فيه بالعراق؟ الرواية الإيرانية لا يصدقها العقل المنطقي البسيط، بيد أن ما يقصم ظهرنا سلوك النظام البعثي الذي استبد في العراق، فهو سلوك قمعي طاغوتي لا يؤمن إلا بالعنف والسحق، ولن يصدقه أحد حتى لو صدق. ومهما يكن من أمر، لعل الخزرجي قد وقع في هذه الانتهازية السياسية، ومال حيث يميل أكثر الناس إلى إلقاء تبعة الجريمة على نظام إجرامي طوته صفحات التاريخ، وهذا مما له تكلفة سياسية وأخلاقية أقل بطبيعة الحال، أما الحقيقة فهي ضائعة كضياع الحرية والكرامة في هذا الوطن العربي الكبير، أو قل: “السجن العربي الكبير”.


نزيهة الدليمي


اختم هنا بموقف طريف ذكره الخزرجي في الفصول الأولى من كتابه يستعرض فيه لحظات عصيبة من حكم أول زعيم للجمهورية العراقية عقب القضاء على الحكم الملكي في عام 1958، ألا وهو عبد الكريم قاسم. إذ يبدو أن الأخير وقع في أزمة سياسية أجبرته على الرضوخ لمطالب التيارات الشيوعية، التي اشترطت طلبات كثيرة لدعمه في مواجهة التيارات القومية والبعثية، ومنها اشتراط تعيين السيدة نزيهة الدليمي وزيرةً في الحكومة، وهي من كبار القيادات الحزبية الشيوعية في الخمسينيات، ولعلها أول وزيرة في حكومات الدول العربية على الإطلاق. وما إن جرى تعيينها في الحكومة حتى خرجت مظاهرات شيوعية في شوارع بغداد تهتف بأعلى الصوت أهزوجة: “نزيهة صارت بالحكم، موتوا يا بعثية!”🤭 ويبدو أن “البعثية” بعد ذلك لم يغفروا قط لعبد الكريم قاسم أو الشيوعيين هذا الأمر، فكان منهم في انقلاب عام 1963 ما كان من ويل وثبور على قاسم وحلفائه من الشيوعيين. على أن القول بشيوعية عبد الكريم قاسم من الإجحاف وانعدام الدقة. فتحالفه مع الشيوعيين واليساريين، على وجه العموم، لا يعني بالضرورة أنه منهم. في حين بدا من أمر هذا الرجل تشككه بأمر جمال عبد الناصر، وعدم ارتياحه للارتماء بالحضن الناصري. فظهر لاحقا صدق احساس قاسم، الذي يبدو أنه تابع بدقة خلفيات “زعيم القومية الأوحد” المريبة، وربما أصوله الغريبة والخفية التي تنتهي -كما يؤكد بعض من مؤرخي الصحافة المستقلين المصريين- إلى ارتباطات عائلية يهودية. أي أن عبد الكريم قاسم لم يستسلم لموجة الجنون التي هلّلت لعبد الناصر وأوصلته إلى مصاف التقديس. غير أن هذا المسلك جعله في مواجهة مباشرة مع التيارات القومية التي جعلت عبد الناصر بمنزلة الصنم الجديد في القرن العشرين، وأخطر هذه التيارات: حزب البعث. فنجح الأخير في قيادة انقلاب دموي أدى إلى الإمساك بعبد الكريم قاسم وإهانته وتعذيبه، ثم إعدامه على الطريقة البعثية.


كتاب: “مذكرات مقاتل: الحرب العراقية-الإيرانية” هو الجزء الأول من مذكرات رئيس هيئة الأركان العراقية الفريق نزار عبد الكريم الخزرجي، الذي يُعد من أهم القادة العسكريين في تاريخ العراق الحديث. أما الجزء الثاني من مذكراته فصدر لاحقا بعنوان “الأزمة”، ويروي فيه قصة عدم تأييده لغزو الكويت، وتدبره أمر الانسحاب الكارثي للقوات العراقية من الكويت، ثم استقالته، وعزمه على الهروب من البلاد بعد تيقنه أن السلطة تريد رأسه ورؤوس أبناءه معه، وانضمامه اللاحق لفسيفساء المعارضة العراقية المتنافر، وهو ما أدى إلى اتهامه بالخيانة وعدم الولاء على الرغم مما أنجزه للبلاد من الاقتراب من تحقيق نصر حاسم، وهو ما كبّلت يداه من نيله السلطة السياسية الاستبدادية القمعية؛ ليكافؤه المستأخذين بها مكافأة: جزاء سنمار.

أضف تعليق