هدية جديدة من الموساد إلى الأنظمة العربية: ثلاثة جواسيس في حرب واحدة، وقصة الجاسوس الثاني في حرب أكتوبر 1973 | تقرير حديث ترجمه: فيصل كريم الظفيري

رأي المترجم: هذه الترجمة في حقيقتها بلاغ للرأي العام العربي وضميره الذي يغط في سبات عميق. وتأتي في سياق مسلسلات الخزي والعار التي تعرضها الأنظمة العربية المخترَقة والتي لا أمل في إصلاحها. الموساد وضباطه يتحدثون الآن عن جاسوس من العيار الثقيل وضابط (يبدو أنه كبير) خدم في الجيش المصري أثناء حرب أكتوبر/تشرين 1973 وقبلها وأفشى معلومات عسكرية خطيرة وحاسمة منها (كما يقول الصهاينة) موعد تطوير الهجوم الذي شنته القوات المسلحة المصرية في يوم الرابع عشر من أكتوبر بغرض أساسي ألا وهو تخفيف الضغط عن الجبهة السورية في الجولان بعد تكبد القوات السورية خسائر فادحة ووصول القوات الصهيونية إلى مشارف دمشق. بيد أن نتيجة تطوير الهجوم كانت كارثية على القوات المصرية، إذ تحول مسار الحرب لصالح الصهاينة وعبرت قواتهم قناة السويس عبورا معاكسا والتفوا على الجيش الميداني الثالث وحاصروه وحاولوا اقتحام مدينة الإسماعيلية وفشلوا في ذلك، لكن عبور القوات الصهيونية بقيادة الهالك بإذن الله إرئيل شارون جعل من طريق الزحف نحو احتلال القاهرة ذاتها ممكنا. لا أود الآن الدخول في متاهات حرب 1973، لكن ما يفاجئنا به هذا التقرير الصحفي الذي نشرته جريدة إسرائيل حايوم (مع أنها أصبحت مفاجآت معتادة) أن ضابطا مصريا كبيرا في الجيش أبلغ بتلك المعلومات الحساسة وأنقذ الجيش الصهيوني وجعلهم يتفادون الهزيمة المنكرة في سيناء. كما أن التقرير يشير إلى نجاح الموساد بتجنيد ثلاثة جواسيس مصريين من العيار الثقيل، أصبحنا نعرف أولهم ألا وهم أشرف مروان الذي كشف الكنيست عنه ربما في عام 2002، ثم أُغتيل (كالعادة) اغتيالا غامضا، لكن التقرير يميط اللثام عن قصة هذا الجاسوس العسكري الثاني الذي يبدو أنه تبوأ رتبة عسكرية لا بأس بها (وإلا كيف علم بأمر تطوير الهجوم السري للغاية) دون الكشف عن اسمه، وهو على كل حال مات بعد بضع سنوات من الحرب كما يذكر التقرير (وأنبه هنا إلى احتمال أن تكون هذه خدعة صهيونية موسادية أخرى، فربما ما يزال حيا لا رزقه الله)، ويتشدق ضباط الموساد هنا بوجود جاسوس ثالث كبير لم يتحدثوا عن قصته، ولعلهم يذكرونها لاحقا عندما يناسبهم ذلك.

الجانب الإيجابي الذي نستشفه من كل هذه القصة السمجة والمخزية أن الجيش الصهيوني قابل للهزيمة جدا جدا، وأن أسطورة قواته أوهن من شباك العنكبوت، وهو ما يعترف به ضباط الموساد في ثنايا هذا التقرير سواء تصريحا أو تلميحا، وأنهم بحاجة دائمة إلى خونة وعملاء من الوزن الثقيل حتى يستمروا في بقائهم السرطاني الخبيث، ومن ثم فهم لا يمتلكون عوامل البقاء والدوام الذاتي، وهم يدركون ذلك جيدا ويشكل لهم هاجسا وكابوسا دائما.

يؤكد هذا التقرير ما ذهب إليه مفكرون كثيرون بارتباط الأنظمة العربية -التي أنشأتها بريطانيا وفرنسا وصادق على إنشائها ما يسمى “المجتمع الدولي” سواء في مظهره الأول “عصبة الأمم” أو مظهره الآخر “الأمم المتحدة”- مع الكائن الجديد الذي ظهر في منتصف القرن العشرين “الكيان الصهيوني” وأطلقوا عليه اسم “دولة إسرائيل” وهذا الارتباط غير مباشر وقد يتسم بالتشابك المعقد، لكنه واضح لكل ذي بصيرة، والغاية منه استكمال السيطرة على الأمة العربية التي تكوّن قلب العالم الإسلامي. ويفسر هذا الارتباط، الذي يشبه الحبل السري، نجاح عمليات الاختراق الجاسوسي التي قامت بها أجهزة الصهيوني في أوج الأصوات الحنجورية التي تزعم المواجهة مع الصهاينة، فهي عمليات تجسس نافذة ووصلت إلى مراكز عليا في هذه الأنظمة، منها مثلا الجاسوس الشهير الهالك إيلي كوهين الذي وصل إلى مراكز حساسة في الحكومة السورية ولم ينفضح أمره إلا بمحض الصدفة. ولدينا كذلك أشرف مروان صهر الرئيس المصري جمال عبد الناصر والسكرتير المقرب للرئيس أنور السادات، مع أن هناك من يشيع أنه كان جاسوسا مزدوجا لصالح مصر، وليقدم من يزعم ذلك إلى الرأي العام العربي ما يدعم تبرئة ساحة أشرف مروان إن كانوا صادقين، والحقيقة أن الدلائل على ضلوعه بهذه الطامة كثيرة ويصعب تفنيدها. وعلى أية حال، يبقى هذا النزيف مستمرا بوجود هذه الأنظمة غير الخاضعة للرقابة أو المحاسبة

أترك للقارئ العربي الحكم على هذه المسألة ويبقى البلاغ قائما حتى نتخلص من شر هذا الكيان السرطاني المغتصب لأرضنا وعقر دارنا.

فيصل كريم


هذه ترجمة أمينة لتقرير نُشر في جريدة Israel Hayom بعنوان

كشف النقاب عن قصة الضابط المصري الذي ساعد إسرائيل على تجنب الهزيمة في حرب أكتوبر/تشرين 1973

جنّده ضابط مخابرات (إسرائيلي) وتبيّن لاحقا أنه قدّم إلى الموساد أهم “المعلومات الذهبية” على الإطلاق في الحرب. تظل هويته تحت أقصى آيات السرية، لكن مصادر استخباراتية إسرائيلية كبرى تقول إن مساهمته في نصر إسرائيل بالحرب لا يمكن غض الطرف عنها

تقرير بقلم آهارون فايسبيرغ – نُشر في السابع والعشرين من سبتمبر/أيلول، 2020

في يوم الجمعة الثاني عشر من أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، عقدت رئيسة الوزراء غولدا مائير في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر اجتماع أعضاء حكومتها الذي كانت تطلق عليه “حكومة المطبخ” – وهو كالمنتدى المصغر الذي تصدر منه القرارات العسكرية الكبرى للحكومة الإسرائيلية. كانت حرب يوم الغفران (1973) قد بلغت حينئذ يومها السابع، وتمحورت القرارات حول مسألة مصيرية واحدة لا ثاني لها: هل يتوجب على الجيش الإسرائيلي عبور قناة السويس الليلة التالية؟

لقد تحول مركز ثقل الحرب إلى الجبهة الجنوبية المصرية عقب نجاح الجيش الإسرائيلي بصد الجيش السوري ودفعه بعيدا عن مرتفعات الجولان مخترقا بذلك الحدود السورية. كانت هذه اللحظات هي أكثر اللحظات حسما على الجبهة المصرية. إذ انعقد ذلك الاجتماع الحاسم في غرفة غولدا مائيير وضم كلا من مدير الموساد تسفي زامير والقائد الأعلى للقيادة الجنوبية الجنرال حاييم بارليف وقائد سلاح الطيران الجنرال بيني بيليد.

اتسمت تقارير الموقف المعروضة في الاجتماع بالصرامة والقسوة، إذ أطلق رئيس الأركان ديفيد إليعازر تحذيرا مفاده أنه إذا لم يتحقق انتصار حاسم فإن القوات الإسرائيلية ستتعرض للإنهاك، واقترح طلب وقف لإطلاق النار. أما الجنرال بيني بيليد فذكر أن سلاح الجو فقد أعدادا كبيرة من الطائرات وأنها على أعتاب أن يصبح عددها 220 طائرة فقط – ما يعني أنها لن تصبح قادرة على مساعدة القوات على الأرض.

ظلت التجهيزات الدفاعية الإسرائيلية تنتظر بفارغ الصبر تحرك الفرقتين المدرعيتين المصريتين الثانية والرابعة المنتشرتين غرب القناة إلى شرقها؛ غير أن عدم إقدامهما على ذلك كان يعني تقليل احتمالات نجاح أي محاولة عبور إسرائيلي إلى غرب القناة. لكن بارليف وبيليد أعربا عن دعمهما لهذه العملية. ثم نادى أحدهم زامير أثناء الاجتماع ليرد على مكالمة هاتفية عاجلة من مدير مكتبه فريدي عايني ورئيس قسم التقنيات في الموساد يوعيل سالومون، وكان ذلك قبل أن أن يتسنى لنائب رئيس الأركان الجنرال يسرائيل طال إجراء تلخيص للاجتماع.

فلما عاد زامير إلى غرفة الاجتماع، قال إنه تلقى “معلومة ذهبية” مفادها أن الجيش المصري يتأهب لهجوم بالقوات المظلية على ممري متلة والجدي في غضون يوم أو اثنين. وافترض الاستنتاج العملياتي إلى أن هجوما بفرق مدرعة سيتلو ذلك الهجوم المظلي.

قالت مائير: “أدرك الآن أن زامير قد أنهى نقاشنا،” فجرى اتخاذ القرار بناء على ذلك ويقضي بتعليق عبور الجيش الإسرائيلي للقناة؛ وعلى جيش الدفاع إجراء تنظيم لمعركة دفاعية، والتربص بالقوات المصرية وانتظارها، واحتواء هجومها – ثم نشرع بعد ذلك بالعبور.

جرى نشر وصول تلك المعلومة “الذهبية” في السنين القليلة الماضية، لكن تفاصيل هوية الشخص المسؤول عن إفشائها بقيت شحيحة للغاية: فهو ضابط في الجيش المصري نجح الموساد بتجنيده جاسوسا، وعمل على نقل المعلومات لجهاز المخابرات الإسرائيلي. وما زالت وحدة الرقابة العسكرية الإسرائيلية التابعة لشعبة الاستخبارات تحرص إلى يومنا الراهن، وحتى بعد مضي 47 عاما على انقضاء أوزار الحرب، على عدم كشف النقاب عن تفاصيل كثيرة بشأنه، بل وتمتنع حتى نشر اسمه الرمزي.

أدت المعلومات التي أفشاها المصدر المصري إلى قلب مجريات الحرب رأسا على عقب، فالجيش الإسرائيلي الذي كان حتى حين تلقي تلك المعلومة يتكبد خسائر فادحة في الجبهة الجنوبية، أضحى بعدها قادرا على الأخذ بزمام المبادرة.

يستحضر العميد في جهاز المخابرات آهارون ليفران، الذي كان يشغل آنذاك منصب معاون رئيس إدارة بحوث العمليات، بذاكرته تلك الأيام فيقول: “بعد أن غادر إليعازر الاجتماع ذهب إلى غرفة العمليات الحربية للجيش الإسرائيلي، وأتذكر أنه مسح عن حاجبه العرق بإصبعه وقال: الآن أعرف ما سأفعل، سنعمل عليهم خدعة ثم نعبر القناة.”

لقد طوى النسيان مساهمة ذلك “المصدر الذهبي” ولم يطرِ عليها الرأي العام والصحافة بالثناء والعرفان، على خلاف أشرف مروان العميل المصري الشهير والملقب بـ”الملاك”. إذ يصرح موشيه شافريدي، أحد الباحثين في حرب يوم الغفران، قائلا: “يتحدث الناس جميعا عن أشرف مروان ولا يشير أحد إلى “المصدر الذهبي”” ويردف شافريدي “لم يكتفِ هذا الرجل بنقل “معلومة ذهبية” من العيار الثقيل قبل اندلاع الحرب وأثناء أصعب لحظاتها الحرجة، بل زادها بمعلومة ذهبية أخرى أثقل عيارا، وحدث هذا في مرات عديدة.”

يشير شيفاردي إلى أن الرسالة الحاسمة وبالغة الأهمية التي نقلها المصدر في الثاني عشر من أكتوبر/تشرين لم تكن هي الأولى من نوعها. فقد أبلغ مشرفيه قبل أسبوعين من ذلك أي في الثلاثين من سبتمبر/أيلول أن مصر وسوريا على وشك شن هجوم مشترك على إسرائيل. بيد أن رؤساء الجهاز الأمني لم يتعاملوا مع معلومته التعامل المناسب. ويقول العقيد حجّاي مان (83 عاما) الذي كان وقتذاك ضابطا استخباراتيا في القيادة الشمالية: “كانت تلك المعلومة تحتل المكانة المطلقة والقصوى من بين المعلومات الاستخباراتية الأخرى.”

من نجح بتجنيد ذلك الضابط المصري ليمسي جاسوسا إسرائيليا هو ليفران الذي يبلغ من العمر الآن 88 عاما، ويكشف لتقريرنا الآتي: “لقد صنعتُه وجلبتُه إلى الوجود،” ويردف قائلا: “عندما قابلته أول مرة لم أكن على تمام الثقة بموافقته العمل لصالح إسرائيل نظرا لمركزه في الجيش، بل أردت منه فقط أن يكون صديقا لي لأطلب مساعدته بفهم الجانب المصري. فذكرت له أننا في جهاز الاستخبارات على الرغم من إجرائنا لتقديرات موقف فيما يتعلق بالعرب واستنباط استنتاجات بشأنهم، لكننا في نهاية المطاف نبقى إسرائيليين ونحمل مفاهيم وأساليب تفكير غربية. غلب على ظني أنه سيساعدني بإدراك طريقة التعاطي العربي مع الأمور وفهم العقلية العربية من خلال عيون مصرية وأنه سيزودني بمنظوره حسب المواقف المختلفة.

“على أنني نجحت بمخادعته بطريقة لن أسهب في تفاصيلها، فتطوّع بكل سرور ليؤدي مهمة المصدر لنا. وجهته لعدد من السنين ومضت علاقتنا على النمط نفسه الذي سارت عليه حالة إيلي كوهين في سوريا قبل ذلك بعقد من الزمان، وأمكنني الاتصال به وكان يرسل إليّ المواد بين الفينة والأخرى.”

أُجبر كل من ليفران والعميل في عام 1970 على الافتراق بعد إلحاح من الموساد الذي طالب بنقل الجاسوس المصري إلى سلطته. ويوضح ليفران في هذا الصدد “ثمة حدود شديدة الوضوح ضمن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، فوحدة “شين بيت” تعمل داخل الأراضي الإسرائيلية، أما استخبارات الجيش فتلتقي عملاءها في نقاط التفتيش الحدودية، أما الموساد فيعمل مع عملائه خارج الحدود.”

“كان توجيهي لـ”المصدر الذهبي” محصورا بجهاز الموساد، وقد تعذّر جلبه والاجتماع معه عند نقاط التفتيش الحدودية نظرا لمركزه المهم، فجرى تدبير أمور علاقتنا بالخارج، وتعاملت معه من عدة مواقع في العالم. وحينما بدأت بمقابلته بانتظام في سنة 1970 بفضل الموساد، أخذوا يقولون: “اللعنة، ما هذا؟ لماذا يستفيد ضابط جهاز استخبارات (من الجيش) من خدماتنا طوال الوقت؟” فطلبوا نقل المصدر إليهم.”

سؤال: وهل كافحت للإبقاء عليه؟

“إن تسفي زامير صديق مقرب لي، ولم يكن لديّ خيار سوى الموافقة على ذلك النقل، والحقيقة أن الحجج التي قدمها الموساد لها ما يبررها. آخر مرة التقيت “بالمصدر الذهبي” كان في عام 1970 في أوروبا، ومنذ ذلك الحين لم يحدث بيننا أي اتصال. لكنه كان قد تجند بالفعل لخدمة إسرائيل وسُهل عليه مواصلة عمله مع الموساد. لقد تلقيت شهادة شكر وتقدير من رئيس جهاز الاستخبارات العسكري وتركتها، ووضعتها ورائي. وتتجلى عظمة الموساد في أنهم أعطوه جهاز اتصالات حديث ومتطور جدا، وهو ما أتاح له نقل المعلومات التي بحوزته بشكل فوري، كالمعلومتين المهمتين اللتين قدمهما في حرب 1973 قبل اندلاع الحرب وأثنائها.”

سؤال: عندما قدّم المصدر “المعلومتين الذهبيتين” إلى الموساد وتلقيتهما في غرفة العمليات الحربية التابعة للجيش، هل كنت تعلم أنه هو من قدمهما؟

كلا، فما إن انتقل للعمل مع الموساد حتى أعطوه أسماء رمزية مختلفة عن تلك التي أعطيتها له. يُعطى العميل أحيانا أكثر من اسم رمزي لحمايته. فإن قدّم معلومات عسكرية يُطلق عليه (س)، أما إذا قدم معلومات عن المستويات العليا للحكومة المصرية فيُطلق عليه (ص). ولم أعرف في ذلك الوقت من الذي زودنا بتلك المعلومة، ولم أعلم بشأنها إلا بعد أعوام لاحقة.”

سؤال: كيف كوفئ هذا المصدر المهم؟

ننظر أحيانا بأساليب لمنحه أموالا طائلة اعتمادا على نوعية المعلومات التي يزودنا بها ومدى الجودة التي تشكلها. وأستطيع أن أؤكد لكم أن هذا المصدر استحق كل قرش وفلس صرفناها عليه. وأتصور أنه لم يخرج خالي الوفاض مقابل تلك المعلومة الذهبية التي ساعدنا بها. كان لدينا في ذلك الوقت ثلاثة مصادر ممتازة: أولهم أشرف مروان، وثانيهم هو، أما ثالثهم فهو أحد آخر أتحفظ على مناقشة أمره الآن.”

سؤال: أثناء نشاطه كعميل، هل خشيت في لحظة ما من أن “ينكشف”؟ أو أن يشك المصريون به؟

“لا علم لي إن تعرض لأي خطر، وقطعا لم يحدث له شيء من هذا القبيل أثناء سنوات اتصالي به أو عندما عمل مع الموساد. سرت إشاعة أنه قُتل أثناء الهجوم المصري في الرابع عشر من أكتوبر/تشرين، 1973، لكن تبين أن ذلك غير صحيح. فقد توفي لأسباب طبيعية بعد بضع سنين من الحرب، وأبلغني نائب رئيس الموساد بوفاته، وشعرت أنني فقدت صديقا.”

سؤال: حسب ما نما إليك من معلومات، هل كان أحد من أقربائه يعرف أمر تعاونه مع إسرائيل؟

“لا أعتقد ذلك، بل أرى أن سره قد دُفن معه في قبره.”

لقد ظهرت أمام أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بضعة مؤشرات وملامح بشأن الهجوم الذي كانت مصر وسوريا على وشك شنه في أكتوبر/تشرين 1973، جاءت إحداها من جهاز اتصالات تجسسي لضابط مصري في ساعات المساء من يوم الأحد الثلاثين من سبتمبر، أي قبل ستة أيام من نشوب الحرب. يقول ليفران في هذا الصدد: “نما إلى علمنا في اليوم التالي عزم الجيش المصري إجراء تمرينات عسكرية كبرى أطلقوا عليها “تحرير 41.” ويضيف قائلا: “بيد أن معلومات المصدر أفادت أن عبورا فعليا سيحدث في ختام هذه المناورات ما سيؤدي إلى اندلاع الحرب.”

كان حجاي مان، الذي يقيم في مدينة بيت شطة، يقدم موجزا استخباراتيا على الهاتف في الأول من أكتوبر/تشرين إلى ضابط مخابرات في منطقة مرتفعات الجولان. ثم “قاطعني موظف بدالة ليبلغني بمكالمة عاجلة من رئاسة الأركان، وكان على الخط رئيس القسم الخامس من شعبة الاستخبارات آفيزير ياري [المسؤول عن مناطق سوريا ولبنان والعراق]، فقال لي ’أبلغنا مصدر موثوق، وهو شخص لا تعرفه، أن المصريين سيعبرون قناة السويس هذا الصباح فجراً. وسيهاجمون بالمشاركة مع السوريين، فجهز كل ما يلزم للقيادة.‘

“عم الذعر في ذلك المكان. كان رئيس غرفة العمليات إسحق حوفي منشغلا في إجراء تمرينات إمداد وتجنيد للفرقة 179 المدرعة، فاتصلت به على الفور ومررت له المعلومة، ثم ذهبت إلى مقر القيادة في الناصرة، وعند وصولي وجدت برقية بانتظاري على الطاولة تحمل المعلومات التي بعثتها إلى ياري وليس عليها أي تعليقات إضافية.

“ثم اتصلت بضابط الاستخبارات في القيادة الجنوبية ديفيد غيداليا، لكن رد عليّ ضابط مناوب يغلب عليه النعاس بالقول إن غيداليا نائم في بيته، وكذلك نائبه. وبعد أن انجلى الصباح في الساعة السابعة صباحا ولم يحدث شيء اتصل بي رئيس إدارة البحث بشعبة الاستخبارات الجنرال آرييه شاليف وقال بنبرة شديدة الغضب: ’ما كل هذا الذعر الذي قمت بإثارته حتى الليلة في القيادة الشمالية؟‘ وقبل أن أرد عليه، سلمني معلومات من إدارته وأمرني أن أنظر فيها بإمعان وأن أغلق الخط. استدعيتُ بالصباح نفسه لإجراء اجتماع معه في اليوم الذي يليه.”

سؤال: ما هي ردة فعلك على المعلومات؟ هل تعرضت للتحريف والتشويه قبل وصولها؟

وصل إنذار الحرب لشعبة الاستخبارات مساء الأحد، وقد تلقيته بعد ذلك بفترة. وكان القلق قد سبق ذلك كله لا سيما عند ملاحظتنا لتحركات كبيرة على الجانب السوري، وقد قررنا إجراء تعزيزات هائلة لطواقم الرصد على مرتفعات الجولان قبل حتى أن تصلني تلك الرسالة.”

وصل حجاي مان يوم الاثنين الثاني من أكتوبر في تمام الساعة الثانية بعد الظهر لحضور جلسة استجواب في مكتب شاليف بمقر الجيش الإسرائيلي في تل أبيب، وحضر كذلك ياري الاجتماع. “سألني شاليف: “ألم يخبرك أحد أن الأمر له علاقة بالتمرينات المصرية؟” فأجبته كلا. انتهى الاستجواب دون تأنيب أو لوم.

“أخبرتهما قبل أن أغادر أن لدي مؤشرات على أن سوريا تخطط لشن هجوم على إسرائيل، وعندي من المؤشرات في ذلك ما يربو منها على العشرة، فقد احتشدت مئات الدبابات وتضاعفت القوات ونصبوا تشكيلة من صواريخ أرض-جو على الأرض.”

سؤال: فما كان رد شاليف؟

“قال، لدينا مؤشرات أخرى”

سؤال: هل كنت تعلم أن العميل الثمين صاحب المعلومات كان يعمل لصالح إسرائيل؟

كلا، فقد ظننت صاحب المعلومات هو أشرف مروان. لم أعلم أن لدينا عميل مهم في مصر إلا بعد سنين عديدة، ولم أكتشف أنه هو من بعث بتلك المعلومات إلا مؤخرا.”

يقول ليفران: “لم تستهن شعبة الاستخبارات بالمعلومات التي قدمها المصدر المصري أو تتجاهلها، غير أن الموقف كان إشكاليا، ففي الليلة اللاحقة لوصول الرسالة فحصت القيادة الجنوبية أحوال القوات الجوية المصرية ولاحظت أن كل شيء هادئ على الجبهة. وكانت تلك الرسالة ضمن عدة رسائل أخرى وصلت لنا، ولم تأخذ أهميتها كمعلومات ذهبية إلا بإثر رجعي.”

انهار “المنظور الإسرائيلي بعد أقل من أسبوع مع اندلاع الحرب في عيد الغفران. يقول مان عن ذلك: “أصبتُ بخيبة أمل لكوني على حق طوال الوقت، واسأل نفسي حتى يومنا هذا كيف حدث أن رأيت الأمور بوضوح في حين أن الآخرين غضوا الطرف عنها أو لم يروها أصلا، وقد ظل هذا السؤال ينتابني ويقض مضجعي لسبع وأربعين سنة.”

لقد غيّرت المعلومات الذهبية التي أرسلها الجاسوس المصري في الثاني عشر من أكتوبر/تشرين من آفاق المستقبل بالنسبة إلى إسرائيل، ويبدو أن كان لها بأثر رجعي دورا جوهريا في منع هزيمة إسرائيل في الجبهة الجنوبية: إذ جعلتنا لا ننظر في الخيارات الأخرى مثل طلب وقف إطلاق النار أو التسرع بعبور القناة من جانبنا نحو الغرب أمام حشد ضخم ومركز لقوات العدو.

يصرح ليفران أن “رسالته لم تشر إلى عبور فرقتين مصريتين إلى الضفة الشرقية للقناة، بل إلى وحدات مظلية يُفترض أن تهبط على منطقة ممري متلة والجدي في بئر قفقافا والمتلة. وهذا يعني عند كل قائد عسكري مخضرم أن الفرق المدرعة لوحدها هي التي يمكن أن تنضم لها.”

شن الجيش المصري بعد يومين من ذلك وفي السويعات الأولى من صباح الرابع عشر من أكتوبر/تشرين هجوما مخططا له على ستة محاور أساسية باستخدام فرق مدرعة ومشاة ووحدات مدفعية وقصف جوي وغارات لمقاتلي الصاعقة بالطائرات المروحية. وعلى عكس ما ذكره “المصدر السري”، لم تشترك قوات مظلية في الهجوم. غير أن جيش الدفاع الإسرائيلي تأهب للهجوم المصري ونجح بصده ورده على أعقابه في جميع الجبهات ملحقا خسائر فادحة بالجيش المصري. وظهر لنا بأثر رجعي أن الرئيس السادات دعا الجيش، بناء على ضغط من سوريا، لشن العملية، مخالفا بذلك رأي كبار ضباطه العسكريين.

مثلت تلك العملية الانتصار الإسرائيلي الأول في معارك سيناء، وشكّلت البداية لانقلاب مجريات سير المعارك على طول الجبهة الجنوبية برمتها: إذ أن تحوّل المصريين إلى الهجوم المتحرك جعلهم يبتعدون عن دفاعاتهم الجوية التي ظلت في الخلف مما أدى إلى انكشاف خط جبهتهم أمام الهجمات الجوية الإسرائيلية. تكبدت مصر في ذلك اليوم تدمير 100 دبابة، إلا أن رئيس أركان الجيش المصري سعد الدين الشاذلي أقر لاحقا أن العدد الحقيقي هو 250 دبابة. وفي الليلة التالية وبين الخامس عشر والسادس عشر من أكتوبر شرع الجيش الإسرائيلي بخطة عبور القناة نحو الغرب.

تغير منذ ذلك الحين فصاعدا الموقف في ميدان المعركة: إذ بدأت إسرائيل بالهجوم وشنت العمليات الهجومية وأمست مصر بموقف الدفاع، ووصلت قواتنا الإسرائيلية إلى الضفة الغربية وحاصرت الجيش الميداني الثالث، في حين لم يهاجم الجيش المصري مرة أخرى حتى نهاية الحرب

يشكك البعض بأهمية هذا الجاسوس الذي طواه النسيان. ومنهم العالم والمؤرخ العسكري العميد (احتياط) داني آشر (76 سنة) الذي خدم أثناء الحرب بوظيفة ضابط في اللواء 16، لواء القدس، بعد أن خدم بمنصب رئيس قسم مصر في قيادة الشمال، وقد ألّف لاحقا كتاب “إلغاء المفهوم” Breaking the Concept. إذ يجادل آشر أن “تلك المعلومات من الناحية العسكرية غير صحيحة” ويضيف موضحا وجهة نظره “كنا متلهفين لأن يحرك العدو دباباته نحو المساحات المفتوحة بحكم أننا أفضل منهم بحرب المدرعات، ويصبح بمقدورنا حينها قصفهم من الجو. عندما وصلتنا “الرسالة الذهبية” فكأن ما قالته في الحقيقة: تفضلوا، ما كنتم تتمنونه ها هو يحصل. نعم، لقد شن المصريون هجوما، لكنه لم يكن هو الذي وصفته الرسالة، فلم يحدث أن قواتا مظلية قد هبطت على ممري متلة والجدي. أما ما جرى من تنبؤات بتحريك فرقتين مصريتيين شرقا فلم يتحقق منها شيء إذ لم يشترك في الهجوم سوى لوائين من تلكما الفرقتين. أعلم بأثر رجعي أن المصريين خططوا لعمل شيء ما في الثالث عشر من أكتوبر. كنا آنذاك نتوغل عميقا بالأراضي التي نحاصرها في سوريا على بعد 40 كيلومتر من دمشق، حيث طفقنا نمطر ضواحي دمشق بالقذائف، فصاح السوريون [Gevald المترجم: كلمة غير مفهومة، ولعلها تشير لمعنى النجدة] وطالبوا السادات بشن عملية عسكرية عسى أن تجبر قواتنا بالتحرك جنوبا. شنت مصر في يوم الرابع عشر عملية هجومية مبعثرة وغير منتظمة بقوات قليلة. ربما أدرك صناع القرار بحكومتنا ما أرادوه و”عملوا من الحبّة قُبّة.””

يختلف ليفران مع هذا الرأي إذ يشدد قائلا: “هناك من يقلل من قيمة الهجوم المصري، غير أن تلك القوات المصرية اشتملت على الفرقة 21 كاملة، إلى جانب لواء على الأقل من الفرقة الرابعة ولواء ميكانيكي آخر، كما نقلوا البطاريات المضادة للطائرات إلى شرق القناة، وهي الأكثر تطورا في ترسانة الأسلحة المصرية. فلماذا حركوا كل هذه القطاعات إذا لم يكن في نيتهم مواصلة العملية الهجومية؟ نعم، لم يجرِ إقلال للقوات المظلية على القناة، لكن بما أن المصدر موثوق منه وتلاءمت رسالته مع معرفة الجيش الإسرائيلي بالمرحلة الثانية من الهجوم المصري ومع توارد معلومات بشأن ضغط سوري على مصر بالتحرك، فإن المعلومات التي زودنا بها أمكن مقاربتها مع المنطق العسكري المصري لا سيما بوجود احتمال كبير بتنفيذها وتطبيقها على الأرض. ولذلك تصبح أي رسالة مجزأة وعلى شكل مسودة تحتل أهمية كبرى، وتغدو بهذه الحالة مصيرية.”

يقول العميد (احتياط) يوسي كوبرفاسر (67 عاما) والمدير الأسبق لإدارة البحث في شعبة الاستخبارات الذي خدم أثناء الحرب كمقاتل في لواء ناحال على الجبهة الشمالية: “تكمن قيمة تلك المعلومات في أنها سمحت لصناع القرار بتعليق آمالهم على المعلومات الاستخباراتية التي بين أيديهم ليتمكنوا من خلالها من انتشال أنفسهم من الموقف العصيب الذي هم فيه.” ويردف قائلا: “استطاعت استخبارات الجيش بفضل هذه المعلومات تقديم صورة واضحة، وتسليط الضوء على الفرص الممكنة في هذا الموقف، كما أنها حلت المأزق الذي واجهه القادة. دائما ثمة خطورة كبيرة من الاتكال على مصدر وحيد لا تعضده مصادر أخرى، والمبدأ اليهودي الذي يقول “عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ عَلَى فَمِ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَقُومُ الأَمْرُ” (التثنية: 19:15) له سبب وجيه، لكن أحيانا لا يتوفر لدينا خيار آخر. تبرهن قصة الجاسوس على أنه ما من بديل أفضل للمعلومة التي يقدمها الإنسان، فإن توفر لدينا مصدر له وصول ونفاذ مباشر لمحور الاهتمام الذي نريده، فلعل هذا يؤدي إلى معلومات ذهبية لها أفضلية على أية معلومات استخبارية نحصل عليها من المصادر التقنية الأخرى.”

سؤال: كيف ظل الجاسوس المصري في الظل دون أن ينكشف أمره طوال 47 عاما؟

ليفران: “الفضل في ذلك يعود إلى زامير الذي تحلى بالحرص والحذر الشديدين حيال الإفراج عن أي معلومات عنه بالرغم من مرور هذه السنين كلها. ولو عاد الأمر إليه لما كُشفت كذلك هوية أشرف مروان إلى يومنا هذا. وعلاوة على ذلك، عرف زامير بشأن المصدر لكنه لم يلتقِه شخصيا. كان يعرف أشرف مروان وتعامل معه بطبيعة الحال نظرا إلى قربه من الرئيسين عبد الناصر والسادات، وعلم بشأن الضابط وصنَفه على أنه مصدر موثوق، لكن ذلك كل شيء بالنسبة له. كما أننا يجب نتذكر في هذا السياق المزاج القاتم الذي هيمن على جيش الدفاع والرأي العام الإسرائيليين عقب الحرب. لقد اختفت المعلومة الذهبية في خضم الجو العام الحزين ولم تأخذ ما تستحقه من صدى وعرفان.

“قلتُ ذات يوم لزامير إننا كان يجب أن نحصل على جائزة الدفاع الإسرائيلية التقديرية لأن تلك المعلومات أنقذتنا من الهزيمة في سيناء. فالمهمة أُنجزت على وجهها الصحيح بدءا من موظف الإشارة ومشرفيه في الموساد الذين تلقوا الرسالة فوريا، فأدركوا صحتها وأهميتها القصوى، ثم تمكنوا من إخراج زامير من اجتماع الحكومة لإخطاره بالرسالة فورا. وطبقا لتقديراتي، نجت كثير من الأرواح الإسرائيلية بفضل ذلك الجاسوس، فلو لم نؤجل العبور كما جرى التخطيط له في اليوم التالي لفشلنا وأمست تلك مأساة تندب عليها الأجيال التالية، ولظلت خطوة نندم عليها ليومنا هذا.”

“تذكر زامير بعد عدة سنوات أنه قال لموشيه دايان في ذلك الاجتماع للحكومة: ’لو فشلنا في أي هجوم آخر، فسنضطر للقتال عند أعتاب تل أبيب‘، لا أكثر ولا أقل. فالمسألة إذن لا تقتصر على نجاة الجنود في ميدان المعركة، بل تعلقت كذلك بالتغيير الشامل لطبيعة الحرب. لو نجح المصريون بإيقافنا عن السويس، لاستعادوا شبه جزيرة سيناء برمتها ثم واصلوا زحفهم شمالا.”

ترجمة: فيصل كريم الظفيري

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s