فتح القسطنطينية ونظرة للدولة العثمانية – ترجمة الفيلم التركي Fetih 1453 – Conquest 1453 (تحديث: مشاهدة مباشرة للفيلم)

بسم الله الرحمن الرحيم

أقدم لكم أيها الأخوة والأخوات الكرام ترجمة الفيلم التركي المرتقب Fetih 1453 وهذا الموضوع الذي نناقش من خلاله منظورنا للدولة العثمانية وتقييم هذه النظرة لتلك الإمبراطورية الشاسعة التي شهدت الانتقال الزمني من فترة العصور الوسطى إلى العصور الحديثة بما فيها مرحلة النهضة والانقلاب الصناعي. ولعل الفاصل على هاتين الحقبتين هو سقوط درة مدائن العالم في العصور الوسطى القسطنطينية بيد الدولة العثمانية واندثار الإمبراطورية البيزنطية. ومن المهم أن نناقش أسباب هذه النظرة -سلبا أم إيجابا- لندرك موضوعية الوعي الذي يجب أن نحتفظ به للدولة التي دانت لها السيطرة على أمتنا العربية والإسلامية زمنا لا يقل عن سبعة قرون، ولا شك أن النقاش الفكري المتزن والمجرد من تكرير الأدبيات الشائعة عن هذه الدولة سيعمل على إثراء النتيجة التي قد نصل إليها بالنهاية، والله المستعان.

Fetih 1453

فتح القسطنطينية

 

 


مشاهدة مباشرة للفيلم

 


 

 

تحليل الفيلم

 

الفيلم من إخراج وإنتاج فاروق أقصوي وبطولة دفريم أفين بدور السلطان محمد خان الثاني وإبراهيم جوليكول بدور المقاتل حسن أولباتلي وجنكيز جوشكون بدور القائد الجنوي جيوفاني جوستنياني وإيردان ألقان بدور الصدر الأعظم خليلي جندرلي باشا ورجب آكتوغ بدور إمبراطور القسطنطينية.

وقد تلقى الفيلم تقديرات جماهيرة جيدة وتقييما فنيا لا بأس به، ولعل عامل أنه أول فيلم تركي ضخم الانتاج يتحدّث عن معركة فتح القسطنطينية كان حاسما لترقب الجماهير الواسعة سواء في تركيا أو الوطن العربي، بل وفي أوروبا وأمريكا كذلك. ومما لا شك فيه أن مجرد الخوض بشكل جدي بمسألة تتناول الدولة العثمانية بانفتاح في تركيا- التي لمّا تخرج من رداء علمانيتها بعد- يتطلب جرأة كبيرة من صنّاع الفيلم الذي أنفق عليه ميزانية تقدر بـ18 مليون دولار تقريبا، واستغرق تصويره مدة ثلاثة أعوام، مما يجعله أكثر الأفلام تكلفة في تاريخ السينما التركية.

وعندما أنظر للنقد الفني للفيلم، فإن فكرة تقليد السينما الأمريكية بأفلامها الحربية التاريخية تسيطر على النظرة العامة للفيلم. وبما أننا ناقشنا في مرات عدة سابقة مدى التزييف أو التحوير الذي تتعمده السينما الأمريكية والغربية للمنظور التاريخي، فإن هذا الفيلم التركي حاول أن يتبنى القالب الغربي ولكنه وضع الكثير من المعلومات التاريخية الصحيحة لهذه المرحلة التاريخية من عمر الدولة العثمانية، وإن اختلف ترتيبها الزماني شيئا ما عن الروايات التاريخية. وأي عمل درامي أو سينمائي، مهما بلغ طوله الزمني، لا يمكنه أن يغطي جميع الأحداث التي تغطي فترة معينة، ولكنه عندما يتبني منظورا دراميا ما عليه ألا ينجرف به بعيدا عن الحقائق التاريخية المثبتة -كما يفعل عادة المخرج البريطاني ريدلي سكوت- فمثلا لا داعي بأن يذكر المخرج أن أول عمل قام به السلطان محمد الفاتح بعد تنصيبه هو قتل أخيه الرضيع، “حتى لا تحدث فتنة في بيت الحكم” كما تذكر المصادر التاريخية، ولهذا فإنني اعتقد أن المخرج فاروق أقصوي نجح بهذه المعادلة عبر تناول ما يفيد بمسألة فتح العاصمة البيزنطية المترنحة، وإقصاء النقاط التي لا تعتبر مؤثرة بهذه المسألة.

ومن جانب آخر، لم يهمل المخرج الجانب الديني والذي كان مهما بلا شك في هذا الفتح الكبير. فبداية الفيلم اتخذت هذا الشكل الروحاني باللغة العربية عبر حوار الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري مع رسول الله عليه الصلاة والسلام (لم يظهر الرسول متجسدا على الشاشة) ثم نقله لحديث الرسول عن فتح القسطنطينية مع رفاقه من الصحابة حسب الرواية الصحيحة:

“لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش”

وهو ما أوضح الجانب الديني الدافع لهذا العمل الكبير. ولم يغفل المخرج عن إسباغ الهالة الدينية لمحمد الفاتح ذاته، حيث أوضح علاقته القريبة بشيخه ومعلمه الديني الشيخ آق إبراهيم شمس الدين وهو شيخ دمشقي لُقّب بالشيخ الأبيض كما يبدو (آق بالتركية تعني أبيض). فهذا الشيخ الجليل كان ينظر له السلطان محمد نظرة سامية وعظيمة وهو الذي قام بتربيته وتعليمه حينما كان صغيرا، وكان أول لقاء معه أن خلّص السلطان من كبريائه وغروره الكبيرين بعد أن ضربه ضربا مبرحا، فتأدب بعدها محمد وهو صغير وتحلى بخلق التواضع بعد أن علم أنه إن كان هنالك كبير بهذه الأرض فيوجد من هو أكبر منه. ومن القصص العجيبة التي ترويها بعض المصادر التاريخية بفتح القسطنطينية أن السلطان محمد أراد بوقت عصيب من عمر الحصار أن يدخل لخيمة شيخه شمس الدين فمنعه حراس الشيخ من ذلك (لاحظ مكانة شيوخ الدين بذلك الوقت) وبعد أن حاول عبثا، غافل الحرس وشق الخيمة بخنجره ليرى الشيخ بحالة روحانية مبهرة صعبة الوصف، فقد رآه مكشوف الرأس والدموع تتساقط منه وهو يبتهل إلى الله تعالى بدعاء النصر والتمكين والبياض يحيط بالشيخ وكأن الملائكة ملتفة حوله من كل مكان.

ولكن المخرج، وللأسف، حشر بعض اللقطات المفسدة لجو الفيلم العام، وهو ما أحذر منه السادة مشاهدي الفيلم. حيث أراد أن يضفي بعضا من اللمسات الرومانسية عبر خلق علاقة وهمية ليس لها سند من التاريخ بين المقاتل حسن أولباتلي وبين ابنة صانع المدافع أوربان المجري. ثم أنه أضاف بعض اللقطات الماجنة للإمبراطور قسطنطين مع جارياته، ربما لكي يقول أن الفيلم ليس دينيا بل درامي بالدرجة الأولى. وعلينا أن ندرك أن السينما التركية يمتلأ تاريخها بهذا التوجه التغريبي السلبي، رغم أن كثيرا من الأفلام التركية الحديثة بدأت بالتخلص من هذا الإرث التغريبي المفتعل والدخيل، لكنها على كل حال غير كثيرة في بالفيلم لحسن الحظ. (تحديث: حذفتُ المشاهد السيئة بالفيديو المرفوع أعلاه)

وعمومًا، نجح العمل حسب رأيي بعرض هذا الفتح الجبار وجعلنا نقف على العديد من الأشياء التي سمعنا وقرأنا عنها بفتح القسطنطينية مثل المدفع العثماني العملاق الذي دك أسوار المدينة وجعلها تتهاوى بالنهاية. ومن المهم أن نعلم أن هذا المدفع كان مخصصا للمعارك الأوروبية ولم يستخدمه العثمانيون بحروبهم التالية مع الصفويين أو المماليك عند فتح مصر عثمانيا، وذلك لصعوبة نقله لأماكن بعيدة حيث يتطلب جرّه من 30 ثورا وستين رجلا على الأقل.

وجعلنا الفيلم نرى العمل الإعجازي الذي حققه العثمانيون وفاجأوا به خصومهم البيزنطيين وهو نقل سفنهم الحربية عبر البر بعد أن فشلت في التخلص من السلاسل الكبرى التي كانت تعترض طريق الدخول من المضيق الذي يفصل ضفتي البوسفور والمسمى “القرن الذهبي”

عن الترجمة

كنتُ أرغب في أن يترجم الفيلم من يجيد اللغة التركية من المترجمين سواء من الأخوة الأتراك أو التركمان أو العرب الذين يجيدون التركية ترجمة مباشرة ولا تعتمد ملف ترجمة من طرف ثالث كالإنجليزية. ولكن اعترضتنا مشكلة عدم وضوح مفهوم الترجمة المرئية لدى معظم المترجمين الذين يمارسوا هذا النوع من الترجمة، فهم لا يعرفون كيفية فتح الملفات النصية srt عبر المفكرة Notepad وغير متمرسين ببرنامج Subtitle Workshop الضروري لعمل الترجمة السماعية أي بلا نص، وبالتالي لم نتمكن من ترجمة الفيلم رغم وفرة مترجمي اللغة التركية. وعندما صدر ملف ترجمة إنجليزي جيد قررت ترجمة العمل، على أنني يجب أن أشير إلى أن الملف الإنجليزي، رغم جودته الظاهرية، قد لا يكون دقيقا من الناحية اللفظية التركية وقد حاولت قدر الإمكان تصحيح بعض المعاني والعبارات الواردة حسب معلوماتي القليلة باللغة التركية.
وفي هذا الإطار، أود أن أتوجه بالشكر الجزيل للشاعر والأديب المترجم العراقي الأستاذ قاسم آق بايراق على مساعدته لي بتفسير بعض المسميات والمعاني الواردة بالنص. وكذلك أشكر الصديق الأستاذ زكي دميرجي على جهده وتشجيعه. وأشكر كذلك الصديقين العزيزين الأستاذ أحمد الزعبي وطارق عبد الهادي على مراجعتهما وتنقيحهما للنص.

نسخ الفيلم

أفضل نسخة صدرت للفيلم هي بالاسم التالي:

Fetih.1453.(2013).DVDRip.x264.DD5.1AC3-LTRG

ولكنها غير موجودة تورنت -موجودة بالإيميول- حسب علمي إلا عبر صيغة الديفيدي الكاملة iso ومن يوفرها بصيغتها المباشرة نكون له من الشاكرين

ثاني أفضل نسخة هي التالية

Fetih.1453.2012.DVDRip.XviD.AC3-MeRCuRY

وثالث أفضل نسخة

Fetih 1453 2012 DvDrip by DaWXe

وهذا تعديل لنسخة البلوراي أضيف بالمرفقات لنسخة

Conquest.1453.2012.Bluray.720p.x264-orhann

وصالح لجميع نسخ البلوراي بإذن الله

رابط الترجمة

هذا فيما يخص العمل المرئي والترجمة،
والمشاركة التالية لمناقشة نظرتنا للدولة العثمانية وانطباعاتنا عنها.

————————————————————————————————–
“لقد انتهت الإمبراطورية العثمانية إلى الزوال، غير أنها أخذت مكانها في تاريخ العالم القديم الذي كانت القوة الأولى فيه على مدار قرون، وهو ما يفسّر أشكال الغيرة والحقد وحركات الانتقام وزعزعة الاستقرار ثم التدمير الذي كانت هدفًا له. ولن يكون بالإمكان رسم تاريخ لأوروبا وتاريخ لعالم بلدان حوض البحر المتوسط يتميزان بالكمال، لو نسينا الإمبراطورية العثمانية.”

روبير مانتران
—————-

الدولة العثمانية: بين نظرات الإعجاب والكراهية والتوجس

 

لا يختلف إثنان على عصامية الدولة العثمانية وبنائها عبر قوتها الذاتية ونجاحها بتجاوز جميع النكبات والنكسات التي واجهتها، لا سيما في مراحل عصورها الأولى. وقد قامت هذه الدولة القوية خلال مرحلة اتسمت بالضعف والتقهقر في عالمنا الإسلامي بعد الغزوات المغولية المتتالية والتي أدّت إلى القضاء على الدولة العباسية في بغداد وضعف مركز الخلافة، فكان أن تمكّن العثمانيون من إعادة الخلافة وهيبتها بعد سيطرتهم على معظم بلاد المسلمين والعرب، على الرغم من فشلهم بتخطي الصفويين وبالتوغل شرقا. وعندما نريد مناقشة تاريخ دولة كبرى تقلّدت مركز الخلافة لسبعة قرون تقريبا، فإن علينا أن نكون منصفين بتقييمنا لها، وإلا فإننا لا نطعن بها فقط حين نبحث عن عيوبها، بل نطعن بأنفسنا وبشرفنا كأمة إسلامية تبحث لها عن مكانة بهذا العالم المتلاطم الأمواج. ومثلما للدولة العثمانية إنجازات كبرى وإسهامات مشرّفة، عانت كذلك من العديد من الإخفاقات والمشاكل التي لا بد أن تُشخّص بموضوعية وصدق وبعيدا عن الضغائن المبنية على افتراضات خاطئة لا تتسم بالواقعية. وعلينا من هذا المنطلق، أن نسأل أنفسنا سؤالا محوريا: هل نريد أن نعرف عيوب هذه الدولة الفعلية والتي أدت لانهيارها وسقوط الخلافة، أم أن نكون كالذئاب ننهش بتاريخها ونخدش ما عمرته؟ ويجب بذات الوقت ألا نعمّم أخطاء وانتهاكات ارتكبت على كل التاريخ العثماني، بمعنى ألا يعقل أن نختزل التاريخ العثماني بإعدامات جمال باشا– الذي وُصُف بـ”السفاح”- في الشام، وذلك حتى تتسم النظرة بقدر من التكامل والتوازن.


سلطنة آل عثمان: البدايات

إن الأتراك عموما يندرجون ضمن القبائل التترية والتي كانت تعيش في آسيا الوسطى في القرن الثاني عشر ميلادي وما سبقه. إلا إن توسع المغول بقيادة تيموجين والملقب بجنكيز خان أدى لحدوث عمليات هجرة ونزوح جماعي لقبائل تترية أخرى لم ترتضِ بهذه الهيمنة المغولية، ومنها القبائل التركمانية المتعددة بما فيهم فرع آل عثمان الذي سيقيم السلطنة لاحقا. ووالد عثمان هو أرطغرل بن سليمان شاه، ويبدو أن أرطغرل رافق أبيه وأخوته برحلات لتفقد منطقة آسيا الصغرى أو الأناضول، وعند عودتهم غرق والدهم سليمان شاه بنهر الفرات وبقي أرطغرل مع مجموعة من أبناء قبيلته. ولعل الصدفة لعبت دورا كبيرا بحياة أرطغرل وأثّرت على مصير ابناء عائلته محدودي العدد آنذاك، حيث كان سائرا هو ومجموعة من فرسانه فإذا به يسمع صراخا وقعقعة للمعارك، فأطلّ من مرتفع بعيد على جانبي المعركة. وبما أنه لا يتوفر حينها وسائل للترفيه ولا قنوات فضائية، استمتع أرطغرل وفرسانه بهذا المشهد، إلا إن النخوة الحربية أخذته عندما رأى أحد جانبي المعركة على وشك الانكسار، فانقض بفرسانه لصالح الطرف المنكسر وأصاب الفزع الفريق الآخر الذي أُخِذ على حين غرة فتقهقر منهزما. ولما انجلى غبار المعركة، تبين أنه ساعد السلطان علاء الدين السلجوقي بمعركته ضد عدوه البيزنطي، فكافأ علاء الدين، الذي كان يحكم أمارة سلجوقية وعاصمتها مدينة قونية، أرطغرل بأن أعطاه إقطاعيات له ولقومه. وهكذا فإن من البدايات الإيجابية لهؤلاء القوم الوفاء للسلاجقة الذي انتهى حكمهم قبل تأسيس السلطنة العثمانية التي بدأت البداية الفعلية على يد عثمان بن أرطغرل وما تلاه من السلاطين العشرة الأقوياء.

قدرة على النهوض من النكسات

 

 

وعندما نقيس مدى قوة السلطنة العثمانية -حتى قبل تحولها إلى دولة كبرى أو إمبراطورية- فإن ذلك لا بد أن يتم من خلال قراءة مدى قدرتها على تجاوز نكساتها. ولعل أولى النكسات التي واجهها العثمانيون زوال سلطانهم واقتراب حكمهم من دائرة خطر الإلغاء في بدايات دولتهم. تولى السلطان بايزيد الأول (والشهير بلقب ييلدرم أي الصاعقة) الحكم عام 1389 م وحقق نجاحات باهرة في أوروبا مكنته من السيطرة على منطقة الروملي مضيّقا الخناق بذلك على القسطنطينية. إلا إن قدوم تيمورلنك بجحافله المغولية قد قلب الموازين. وإثر مطالبة الأخير بأمير بغداد أحمد جلاير الذي فر هاربا عند بايزيد الذي رفض بدوره طلب تيمورلنك، فأصبحت الحرب حتمية. ويبدو أن بايزيد لم يعدّ لهذه الحرب عدّتها التي تستحقها، فهو قد انشغل بفتوحاته الأوروبية وخلّف ضغائن بنفوس الكثير من أمراء الأناضول لا سيما في قرمان وصاروخان وآيدين التي انضمت جميعها لجيش تيمورلنك. فوقعت معركة أنقرة عام 1402 بموازين مختلة في غير صالح العثمانيين هذه المرّة عام 1402 فهزم جيشهم رغم صمود بايزيد الكبير، لكنه أسر بنهاية المعركة وقيل أن تيمورلنك وضعه في قفص حديدي يحمله حصانان (وينفي بعض المؤرخين مثل محمد فريد بك المحامي ذلك ويؤكد أن “تيمورلنك عامله بالحسنى وأكرم مثواه”). فلم يتحمّل هذا السلطان “الصاعقة” هذا الإذلال ومات بعد 8 شهور تقريبا. ثم وقع بعد ذلك الشقاق الكبير بين ابناء بايزيد سليمان وموسى ومحمد، وقيل أن تيمورلنك حرص على تطبيق مبدأ “فرق تسد” ما بين هؤلاء الأخوة، لكن الغريب أنه لم يعمل على السيادة بهذه المنطقة حيث بدا أن الأناضول خارج اهتماماته، فلم يحتلها بل اكتفى بأسر السلطان بايزيد وطفق عائدا إلى آسيا. إلا إن الصراع على الكرسي في الأناضول فيما بين الأخوة الأعداء اشتعل وأكل الأخضر واليابس. والنتيجة التي تمخضت عنها عشرة أعوام من الاقتتال الداخلي، أن محمدا سيطر على الأمور بعد أن قضى على أخوته واحدا تلو الآخر، فتوج نفسه سلطانا ولقب نفسه بمحمد چلبي الغازي عام 1413.

وما يهمنا بهذه القصة أن هذا بحد ذاته يعتبر من إيجابيات الدولة العثمانية حيث تتجلى قدرتها على إعادة بناء ما سقط وتدمر إثر نتائج مخيبة للآمال بعد معركة أنقرة. ففي غضون فترة لم تتجاوز 40 عاما تمكن العثمانيون من فتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الثاني، رغم مرورهم بهذه الفترة بأزمة أخرى تمثلت بتنازل السلطان مراد الثاني عن العرش بعد الموت المفاجيء لابنه الأكبر علاء الدين وتنصيب ابنه محمد وهو فتى صغير لم يتجاوز الثانية عشر، واضطرار مراد الثاني للعودة لدفة الحكم لمواجهة جيش صليبي يعد العدة للهجوم على الروملي. وبعد وفاة مراد، عاد محمد لعرش السلطنة وهو أكثر خبرة وعلما وعزما على تحقيق ما فشل أسلافه بتحقيقه: فتح القسطنطينية.

أخي وحبيبي، سأقتلك!

 

والسلطان محمد الثاني رجل فتح الطريق لإنجازات كبرى إلا إن المنغص الوحيد تقريبا على حكمه هو عدم قدرته على التخلص من عادة الشك بالأخوة والأقارب التي سيطرت على السلاطين العثمانيين. فقد قتل أخاه الرضيع حتى لا ينافسه على الحكم مستقبلا، أو لأنه يحقد على أمه الأميرة الصربية مارا التي طردها بعد وفاة أبيه. ولكن إنجازات السلطان محمد الفاتح العظمى غطّت على كل مساوئه الأخرى، فإضافة لفتح القسطنطينية، سمح هذا الحاكم العادل بوجود الكنائس وبحرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية واحتفل معهم رسميا بانتخاب المطران جورج سكولاريوس بطريقا للكنيسة الشرقية، وأمر كذلك بعدم التعرض لأملاك أهل القسطنطينية التي تحولت إلى مدينة الإسلام أو إسطنبول.

القوة العثمانية بمواجهة الخنجر الصفوي

 

رسم لمعركة جالديران

ومع مرور الزمن وتوالي النجاحات، أيقن العثمانيون أنهم القوة الأكبر في العالم الإسلامي، وهذا ما خوّلهم لأن يتبوؤا مركز الخلافة الإسلامية. على أن من المهم إدراك أن هذه الدولة “دولة تخوم” وهو ما يفرض عليها الاستعداد العسكري الدائم، لأنها تواجه أعداء يحيكون لها المؤامرات والدسائس بعد تيقنهم من استحالة القضاء على العثمانيين دفعة واحدة. وعلى الرغم من أن القوة العسكرية مطلوبة لأي دولة خاصة إن كانت مترامية الأطراف كالعثمانية، إلا إن هذا الجانب له مردودات ونتائج عكسية في أحيان كثيرة. فقد أثبتت الدولة العثمانية قدرتها على التغلب على الأوروبيين في البلقان وما حولها أو تحييدهم باسوأ الأحوال. وكان بإمكان الدولة العثمانية تحقيق المزيد من التوغل شمالا نحو النمسا وأوروبا الشرقية والوسطى، إلا أن تكوّن دولة معادية في الشرق أدى لعرقلة هذا المشروع الكبير. فالدولة الصفوية التي تأسست عام 1501، على يد إسماعيل الصفوي، كان لها تأثير سلبي بالغ على استمرار الفتوحات الأوروبية للعثمانيين. ورغم انكسار الصفويين أمام الدولة العثمانية في معركة جالديران الشهيرة سنة 1514، إلا إن هذا لم يستأصل شأفتهم من بلاد فارس، وظلوا كعامل يتهدد الجبهة الشرقية للعثمانيين لفترة طويلة، بل وتحالفوا مع البرتغاليين لطرد العثمانيين من الحجاز والاستيلاء على مكة المكرمة والمدينة المنورة، ولكن لم يكتب النجاح لهذا التحالف الصفوي البرتغالي لانشغال ملك البرتغال مانويل الأول بأحداث داخلية. ومن هنا يبرز تركيز الدولة العثمانية على الجانب العسكري ليس فقط لمواجهة التحديات والأخطار الخارجية، بل لإسكات -إن جاز التعبير- رغبات الحصول على غنائم وثروات جديدة في صفوف الجيش لا سيما الانكشارية وهم صفوة العسكر في ذلك الوقت. ومن المفارقات الكبيرة أن الانكشارية كانوا سببا في قوة الجيش العثماني، ومع مرور الزمن أصبحوا عاملا في ضعف الدولة. وهم في الأساس الشباب أو الفتية المسيحيون الصغار في الغالب ممن أسروا والذين قرر العثمانيون تربيتهم تربية إسلامية وعسكرية ليكون ولاؤهم المباشر للسلطان بعد أن فقدوا جذورهم وأصولهم. وقد أبلى الانكشارية بلاء حسنا في المعارك في فترة السلاطين العشرة العظام، إلا إنهم تدخلوا في السياسة وقت السلم وغيروا السلاطين لاحقا بسطوتهم العسكرية، وفرضوا شروطهم حتى في وقت المعارك، ومنها على سبيل المثال ما وقع بعيد معركة جالديران حيث أمر السلطان سليم الأول باستكمال التقدم شرقا لملاحقة فلول الصفويين، إلا إن قادة الانكشارية بالذات اعترضوا على ذلك، فكبت السلطان سليم الأول غضبته المعروفة عنه، وانتظر إلى حين العودة لإسطنبول فأمر بإعدام قادة الانكشارية الذين اعترضوا على أوامره. وفي عام 1826 انتهت أسطورة الانكشارية بعد أن رفضوا أوامر السلطان محمود الثاني بتطوير القدرة العسكرية للجيش وتحديثه، بل تجاوزوا ذلك فعاثوا فسادا في البلاد من خلال سطوهم وتدميرهم للممتلكات العامة والخاصة، فأرسل لهم السلطان فرقا مدفعية دكت معاقلهم وقضت على شوكتهم. ولعل هذا يعد من الجوانب السلبية، وذلك بأن تخلق الدولة وحشا ولا تسيطر عليه ولا تستطيع كبح جماحه.

الفلسفة والنخبة الحاكمة والتصفية السلطانية

 

لم تقدّم الدولة العثمانية مفهوما أفضل وأقوم لنظام الحكم. فهي تبنت مفهوم النخبة الحاكمة التي تمتلك القوة والعصمة، وذلك على غرار الدولتين الأموية والعباسية ولم تضع منهاجا مميزا أو واضحا لأسلوب الحكم القائم على الرشد والعدل الإلهي الشامل، فهناك من يقول أن هذا النوع من الحكم يرتبط بفكر الفلسفة التي تخلق طريقا غير قويم للحكم الذي ترتكز أركانه على الرأي والتأويل، بينما الصحيح يتمثل بتبني الحكمة منهاجا للحكم، والحكمة تنبني عبر الدليل والتجربة وهو ما يستمد من المنهاج القرآني الحكيم، ويزعم الكثيرون أن الإمارات الإسلامية في الأندلس هي آخر من سار على نهج الحكمة بدلا من الفلسفة التي نراها شائعة حاليا، ولعل مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” يعبر عن الأسلوب الفلسفي في الحكم. وبالتالي فإن الدولة العثمانية لم تبتعد كثيرا عن هذا النهج الفلسفي، بالرغم من كونها حامية حمى الإسلام وحدوده وأراضيه. ومما نلحظه من سلوكيات الحكام العثمانيين أنهم مارسوا “التصفية السلطانية” -إن جاز التعبير- مع قدوم كل سلطان جديد، وجدول قتل السلاطين لإخوتهم أو لأبنائهم طويل ويمكن قراءته بنهاية كتاب محمد فريد بك المحامي الذي خصص هذا الجدول لأهميته وتأثيره على مسار وقوة الحكم. ولعل أبرزهم السلطان سليم الأول الذي قتل خمسة من أولاد إخوانه وأخوين له، ومحمد الفاتح قتل أخيه الرضيع، أما محمد الثالث فقد قتل 19 أخا له دفعة واحدة خنقا وقبل دفن أبيه السلطان مراد الذي كان قد قتل إخوانه الخمسة عند توليه العرش، وكذلك قتل السلطان سليمان القانوني إبنه وولي عهده وبعض من أبنائه الآخرين بدسيسة من زوجته روكسلانا، والقائمة تطول. ولكن ما هو أغرب من ذلك أن السلاطين العثمانيين تمكنوا من إصدار فتوى تجيز لهم قتل إخوتهم أو أبنائهم عند توليتهم العرش تحت حجة “حتى لا تحدث فتنة في البلاد”. وعلى الرغم من أن هذا الفعل قد ينظر له بشكل سلبي من الوهلة الأولى -وهو كذلك من وجهة نظري الشخصية- إلا إن أثره الإيجابي كان جليّا باستقرار عائلة الحكم على المدى القصير، لا سيما أن تلك التصفيات السلطانية حدثت عموما في فترة السلاطين العظام. إلا إنه بعد مضي فترة من ذلك، أقدم الحكام الجدد على عزل كل من يمُتّ لهم بصلة قربى ممن يشكّون بمنازعتهم لهم على عرش السلطنة بدلا من تصفيتهم جسديا. وهذا الإجراء قد خفّف من حدة الدموية المتوقعة مع تولي كل سلطان جديد، ولكنه خلق واقعا كان له أثر خطير على الدولة فيما بعد. فعزل الأمراء عن العالم الخارجي يترتب عليه تعرض شخصياتهم وقدراتهم على الحكم الجيد للأمور إلى الاضمحلال والضعف الشديد، وهو ما سيوصل حاكما ضعيف المؤهلات عند وصول أي من هؤلاء الأمراء المعزولين لسدة السلطنة. فخلق هذا الوضع ما أطلق عليه حقبة “السلاطين التنابلة” حيث توقفت الفتوحات الخارجية وانغمس هؤلاء السلاطين بملذات القصور وحكايات الحريم ودسائسهن. ولا بد أن ندرك أن هذا العامل السلبي مرتبط بعائلة الحكم، ولا أظن أنه أثر تأثيرا مباشرا بحياة العباد بدرجة كبيرة.

الدولة العثمانية ورمزية المرجعية

عندما نقيس موازين السلب والإيجاب بوجود الدولة العثمانية لا بد للمنصف في هذه المنطقة أن يقتنع أنها كانت ذات ضرورة محورية لهذه المنطقة التي تكالب عليها الأعداء بعد زوال الامبراطورية العثمانية. فهي لا تعبر فقط عن مبدأ الحماية الواجبة لحدود المسلمين من الخطر الخارجي، بل ترمز إلى ما هو أهم بذلك بكثير ألا وهو وجود المرجعية التي تميزنا عن غيرنا من هويات العوالم الأخرى وثقافاتهم الدخيلة والمشوِّهة للحضارة التي قامت عليها منطقتنا. إن ما نعانيه حاليا مردّه تخلينا عن هذه المرجعية المميزة لنا، والدولة العثمانية، سواء اختلفنا معها أو اتفقنا، كانت هي الحضن والملجأ لهذه المرجعية، والسبب في ذلك أنها بنت نفسها بسواعدها الإسلامية الخالصة والمستمدة من روح هذا الدين وامتداد حبل المرجعية المتجسّد بالخلافة ورمزيتها الكبرى بنفوس المسلمين جميعا، على خلاف الأنظمة الحالية التي تستمد شرعيتها من وثيقة سايكس-بيكو وما ترتب عليها من تقسيم، وتستمدها كذلك من الغرب الذي يتحكم بخيوط المنطقة سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

الدولة العثمانية وسهام اتهامات عربية


هجانة السفربرلك

من الجانب الآخر، يوجد تيار عربي معارض ومنتقد للدولة العثمانية ويوجه أصابع الاتهام لها على ما يوصف أنها انتهاكات كثيرة قام بها االعثمانيون. وتتركز هذه الاتهامات عموما بثلاث نقاط:

 

أولا: فرض التتريك الذي تبنته الحكومة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على الأقاليم العربية.

ثانيا: حملة “السفربرلك” التي قادها جمال باشا عبر إجبار أبناء منطقة الشام بالزحف في سيناء لاسترجاع مصر من الإنجليز وفشلت تلك الحملة فشلا ذريعا أدى لسقوط الكثير من جنود الحملة ضحايا، مما زاد النقمة على جمال باشا وتحوّل ذلك لكره للدولة العثمانية وحكومة الباب العالي.
ثالثا: جملة الإعدامات التي تعرض لها الكثير من المثقفين والنخب الفكرية في كل من سوريا ولبنان عامي 1915 و1916، على الرغم من مناشدات الشريف حسين بن علي للباب العالي ولجمال باشا شخصيا، إلا إن الأخير نفّذ هذه الإعدامات وضرب بعرض الحائط كل المناشدات.

 

براءة العثمانيين من جرائم الدولة العثمانية

 

السلطان عبد الحميد الثاني خارجا من صلاة الجمعة

والحقيقة أن هذه الانتقادات والاحتجاجات سليمة وصحيحة بحد ذاتها، لكن هنالك أكثر من عامل لا بد من إدراكه حتى لا تختلط الأوراق وتضيع المفاهيم. من الضروري أن ندرك أن من كان يحكم الدولة العثمانية في تلك الفترة لا سيما بعد عزل السلطان عبد الحميد الثاني لم يكن العثمانيون، بل حركات وأحزاب الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة، وهم مجموعات من القوميين الأتراك المتعصبين الذين نخروا بعظام الدولة العثمانية من الداخل بمعاونة يهود الخارج ويهود الدونمة الذين تبوؤا مناصب عليا في الدولة بعد أن نجحوا في إظهار الولاء مدة من الزمن، لكنهم أبطنوا مخططات تهدف إلى تدمير الدولة العثمانية والخلافة. وقد كشف السلطان عبد الحميد مخططاتهم هذه وقاومهم إلا إنهم نجحوا في النهاية بخلعه عام 1908 وتعيين سلطان ألعوبة في أيديهم. وهذه المجموعات المتعصبة عبارة عن شبكة معقدة من الكتّاب والمثقفين ورجال الاقتصاد والسياسة والعسكر، ولكن يمكننا تلخيص نجاحهم عبر سيطرة الثلاثي أنور باشا وزير الحربية وطلعت باشا وزير الداخلية وجمال باشا (السفاح) الذي تولى إدارة منطقة الشام وكذلك وزارة البحرية، فأمسكوا بذلك أهم مفاصل الدولة وتحكموا بكافة تحركاتها. وكان أخطرهم على البلاد أنور باشا الذي تسلل لعائلة الحكم بزواجه من إحدى الأميرات فأصبح قريبا ومؤثرا على دائرة الحكم، وزج بالبلاد في أتون حروب خاسرة مع روسيا فجعل البلاد غير قادرة على مواجهة مد الحرب العالمية الأولى، التي اشتركت بها الدولة العثمانية رغم ضعفها الاقتصادي والعسكري آنذاك. المهم أن الدولة العثمانية تعرضت للاختراق من الداخل بعد أن تكاثرت عليها المؤامرات والمخططات، وبالتالي فإن هذه الدولة تعرضت لأسوأ ما يمكن أن تتعرض إليه الدول، وهو خطر التفتيت الداخلي ولا يمكن الجزم بمسؤوليتها عن أي من الجرائم المذكورة أعلاه، والدليل على ذلك أنها جميعا وقعت في ذات الفترة التي سيطرت بها حركات تركيا الفتاة والاتحاد والترقي على القرار السياسي في البلاد.

القومية العربية وخيانة المرجعية

 

 

ثم أن هنالك عاملا آخرا مهما بهذه المسألة، ويتمثل بأن ما يسمى حركة القومية العربية، التي لم تظهر إلا كرد فعل على التعصب القومي التركي في الدولة العثمانية، جاء بداية في أسوأ توقيت ممكن ألا وهو الحرب العالمية الأولى وما تمخض عنها من نتائج كارثية لا زلنا نعاني منها حتى الآن، ومثالها الصارخ في حدود سايكس بيكو التي لمّا تزل بعد لا من الخرائط ولا من العقول. وقد اتضح بما لا يدع مجالا للشك أن التقاء هذه الحركة بمطامح الشريف حسين بن علي في تكوين “المملكة العربية الكبرى” كان خطأ تاريخيا بالغ الخطورة على هذه الأمة واستغلته القوى الغربية أبشع استغلال. ومن هنا سيتبين لنا أن مشاعر التوجس والريبة قائمة في نفوس الأتراك ضد العرب، بمعنى أنه يحق لبعض الأتراك هذا الشعور طالما أن بعض العرب يظلمون الدولة العثمانية ويأخذونها بجريرة عصبة أودت بتلك الدولة إلى نهايتها، وهذا يعدّ من عمى الألوان ولا شك. ومن ناحية أخرى، ما الذي جناه العرب من مطامح الشريف ومن خططه لتكوين القومية العربية؟ فالأول وقع بما يسمى “الخديعة الكبرى” من الإنجليز والغربيين وحطموا أحلامه وسرقوا فلسطين ومنحوها للصهاينة بعد أن نفّذ لهم كافة ما تمنّوه بضرب الدولة العثمانية من الخلف. أما القوميون العرب، فها نحن نعايش ما ابتدعه كل من قسطنطين زريق وساطع الحصري وزكي الأرسوزي وعبد الرحمن عزام ومحمد عزة دروزة وغيرهم من جعجعة بلا طحين وبطولات حنجورية وأدبيات صراخية، والنتيجة أننا ما زلنا نقبع تحت الصفر. ولعل المفارقة التي قد لا يدركها الكثير من الناس أن رواد القومية العربية الذين كان أساس تمركزهم في سوريا ولبنان لم يجدوا ترحيبا في معاقلهم التي بدأوا منها طرح تنظيراتهم الصاخبة، لأن الناس في الشام عموما ملتزمون دينيا وأخلاقيا ولم يتقبلوا بسهولة هذه الأفكار الدخيلة على مجتمعاتهم. وأخطر ما تمخض عنه جبل القومية العربية هو أعجوبة تكوين حزب البعث، الذي اعتبره الكثيرون أقصى يمين الفكر القومي العربي، فأبرز إنجازات هذا الجناح العراقي لهذا الحزب الهلامي هو انشقاق العرب انشقاقا حادا بعد كارثة غزو الكويت عام 1990، وإلى هذا اليوم يُمجَّد صاحب هذا الإنجاز الخارق للعادة تمجيدا أسطوريا، ولله في خلقه شؤون! أما الإنجاز الآخر فتمثل بالجناح الثاني للحزب في سوريا حيث نظام المقاومة والممانعة الذي يستمتع بذبح شعب سورية عن بكرة ولا يمانع أن يحكم البلاد على جبال من الجثث ويسبح ببحور من الدم. ولن يجانب الصواب أي من يعتقد أنه أينما حلّ البعث حلّت الكوارث والطامات. فمرحى للقومية العربية وإنجازاتها العظمى، وظني أن دهاقنتها سيصبحون، كدهاقنة منظري الشيوعية، خاوين بلا تنظير ولا عمل وعلى استعداد لتغيير جلودهم إن سمحت المواقف. ولا يوجد وصف مقنع لمن ضرب الدولة العثمانية، سواء من القوميين أو من الواهمين، إلا وصف الخيانة. ليس خيانة الدولة العثمانية فقط، بل خيانة نهج حضارتهم المرتكزة على ركيزة الإسلام. أما كل ما سوى ذلك، فهو إحياء لعصبية الجاهلية ليس إلا.

الخاتمة

المحصلة التي نود أن نخرج منها أن نظرتنا للدولة العثمانية يجب ألا تخرج عن دائرة المعقولية والإنصاف، وعلينا ألا ننساق وراء الدعاية غير المبنية على حقائق مثبتة ومنطقية (مثلا لا يصدق إنسان عاقل متزن التصوير المشوّه في مسلسل “إخوة التراب” للمخرج نجدة أنزور فهو يندرج ضمن إطار دعاية جوبلز التوجيهية)، فلم ينهك عقولنا إلا هذا التوجيه الزائف الذي يريد إلغاء ما وهبنا الله من نعمة التفكير والتدبر. الدولة العثمانية لها أخطاء كما أوضحنا بعضها أعلاه، ولكن هذه الدولة، التي أسهمت بنشر الإسلام حتى بلاد اليابان، في ذات الوقت قامت بإنجازات كبيرة للأمة الإسلامية ولا يجب التغافل عنها وإلا سنقع في دائرة الظلم. ولعل الله عز وجل سيُنطِق هذه الدولة في لحظة ما قريبة لتشتكي له من كل من ظلمها وشوّه صورتها، ولن يجد الظالمون حينها مفرا من قصاص الله العادل الذي يقول بآيات الذكر الحكيم:

{قل يا قومِ اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون} الأنعام: 135

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

—————————————

مصادر:
– تاريخ الدولة العلية العثمانية: محمد فريد بك المحامي. الطبعة الأولى، 1981
– تاريخ الدولة العثمانية – الجزء الأول: إشراف روبير مانتران. ترجمة بشير السباعي. الطبعة الأولى، 1993
– الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط، صفحات من التاريخ الإسلامي في الشمال الأفريقي (6): علي الصلابي
– التاريخ الكامل للدولة العثمانية. د. أحمد بن يوسف الدعيج. محاضرات صوتية
– حوار فكري مع الأستاذ صهيب صالح عبد الله
– حوار فكري مع الأستاذ أحمد الزعبي
– مسلسل سقوط الخلافة: تأليف يسري الجندي. إنتاج 2010
الموقع الرسمي للدكتور صالح السامرائي , , الإسلام في اليابـان , سلسلة الاسلام في اليابان : التاريخ والإنتشار والمؤسسات القائمة هناك / مقدمة – مرحلة ما قبل 1900

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s