“أرض الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، هذا حالها منذ ما يربو على القرن، وستبقى كذلك إلى الأبد”
هذا لسان حال كل مسؤول فرنسي يرد على مطالبة الجزائريين بالاستقلال بعد 130 سنة من الغزو والاحتلال الهمجي للبلاد. لم يتصور أحد في فرنسا أن الجزائر ستنفصل عنها بعد كل هذه المدة، بما فيهم اليساريون والاشتراكيون دعاة التحرر الكاذب. ولم تتحرر الجزائر حتى عندما وقعت فرنسا بأسرها تحت الاحتلال الألماني. نحن نتحدث عن 130 عاما من الاحتلال الفعلي والغزو الثقافي والاجتماعي الذي أدى إلى نشوب عديد من الثورات نجم عنها استشهاد أكثر من 6 ملايين جزائري من العرب والأمازيغ وكل الرافضين لهذا الاحتلال الإجرامي الذي سعى إلى تدمير الشعب الجزائري، ولا توجد وسيلة أفضل لتدميره من محو ذاكرته وثقافته الإسلامية العربية. لكن لا يصح في النهاية إلا الصحيح، إذ زهق الاحتلال الباطل لأنه كان زهوقا.
عاشت أجيال جزائرية وعربية في ظل ذلك الاحتلال الفرنسي الزهوق لا تصدق بزواله، والشيء ذاته نراه الآن من عدم تصديق كثيرين زوال الاحتلال الصهيوني الإجرامي في فلسطين الحبيبة أرض أولى القبلتين وثالث الحرمين. فإن قارنا بين فرنسا والكيان الصهيوني بميزان القوة والرسوخ الاستراتيجي لوجدنا بلا شك أن كفة الأولى أرجح وأثقل بكثير من هذا الكيان المصطنع والهش الذي لا يمثل حتى معظم الطوائف اليهودية. هو كيان يبدو قويا من الخارج -وهذه القوة المصطنعة تخدع كثيرا من المهزوزين والمرجفين- وذلك بعد تدجيج قواته المسلحة (المصطنعة) بأحدث الآلات الحربية، وتأييده بأنظمة عربية خائنة تتعمد الهزيمة والانبطاح له وللغرب. لكن ذلك لا يمنع الحقيقة الساطعة وهي أنه كيان زائل لا محالة، وهم يتفاوضون الآن على أيسر شروط زواله. ما يسمى “دولة إسرائيل” أصبح عبئا على الغرب وفاتورة وجوده ثقلت وقد أرهقت ميزانيتهم، وهذه حقيقة يجتهد الغربيون في إخفائها وإبقائها طي الكتمان. لكن هيهات، وستكشف لنا الأيام ما كان خافيا.
ظهر شمعون بيريز في لقاء متلفز على إحدى قنوات التلفزيون الإسرائيلي منتصف التسعينيات من القرن الماضي وقال عبارة غريبة: “أنا أشكر عرب الخط الأخضر والأراضي المحتلة لأنهم لم يطعنوننا في الظهر أثناء حروبنا التي خضناها.” هذا ما يخشاه الكيان الصهيوني: انتفاضة من الداخل لا يطيقون لها صبرا كما صبر الفرنسيون 130 سنة في الجزائر، لكنهم زالوا كما سيزول حلفاؤهم الصهاينة.
