من العجيب أن يخرج رشيد حمامي من حفرته مجددا ليزعم زعما كاذبا (وهو يعلم أنه كذلك يقينا)، ألا وهو أن “الدين الإسلامي يغلق باب الأسئلة الكبرى حول إثبات أنه دين جاء من عند الله”، حسب زعمه. ورشيد بهذا قد ورّط نفسه -كعادته- بكثرة الزيف والكذب، اتباعا لسياسة أسياده الغربيين “اكذب، اكذب، اكذب، إلى أن يصدقك الناس”.
وما هو مؤكد ويقيني أن القرآن الكريم، وسيرة النبي الرسول ﷺ يفتحان باب المناظرة وطرح أنواع الأسئلة كلها على مصاريعها. ونظرة بسيطة على آيات الذكر الحكيم تبيّن للباحث الموضوعي الجاد والمنصف كثرة الأسئلة المطروحة على الرسول المصطفى ﷺ والقبول الرباني لطرحها، والإجابة عليها باستفاضة في أحوال كثيرة، سواء ورد هذا النقاش في القرآن المجيد، أم في سيرة الرسول ﷺ، عبر المناظرات الكثيرة التي جادل بها بالحسنى أتباع الديانات والملل الأخرى، سواء أكانوا يـ هودا أم نصارى أو المشركين أو غيرهم. وهذا متاح لكل من يريد التوسّع في الاطلاع على هذه المناظرات والنقاشات، التي بدأت مع إطلالة فجر الإسلام، ولم تنته بوفاة رسوله الكريم ﷺ، ومستمرة إلى يومنا هذا، ولن تتوقف حتى يأخذ الخالق جل جلاله أمانة هذه الدنيا ومن عليها.
لكنني أريد استثمار هذه الفرصة لإعادة طرح هذه الأسئلة الكبرى على رشيد حمامي ومن شاكله من المتفذلكين والانتهازيين. هب أن شخصا يريد الدخول في مسيحيتهم (وهي بلا شك لا تمتّ بصلة إلى نصرانية المسيح، حسب اعتراف كثير من قساوستهم)، لكنه شخص يقرأ ويفكر، فابتدأ مشواره بسفر التكوين، الذي ينبغي أن يضع الأسس السليمة لأي متنصر جديد. فإذا بهذا الشخص يصطدم بأفكار غاية في الغرابة لا يمكن بحال من الإحوال أن تصدر من رب. ومنها مثلا الكارثة التي تقول: خلق الرب الكون في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع! واستراح تعني أنه رب يتعب ويكدح، وهذه من الصفات البشرية البحتة، فكيف نصرّف ذلك لهذا الشخص الجديد على النصرانية؟ دعك من ذلك (مشيها يعني)! لكنه سيصطدم مرة في أحد اصحاحات السفر ذاته بفكرة غريبة مفادها أن الإنسان “أيامه 120 سنة”، أي أنه لن يتجاوز هذا العمر، وثابت أن هذا باطل، إذ تجاوز خلق كثيرون هذا العمر. دعك من قصة نوح عليه السلام، وكيف أن عمره قد تجاوز الألف عاما، بل نتذكر من الأمثلة الطريفة حين تذمّر الرئيس الأمريكي ترمب في الكونغرس، من سياسة سلفه بايدن في إهدار المال العام، معلنا أن في بلاده أناس كثيرون تجاوزت أعمارهم 200 عام، بل ذكر أن أحدهم بلغ 300 سنة رسميا!
لكن الأعجب من ذلك، ما ورد في الإصحاح نفسه، ألا وهو الإصحاح السادس، من وجود ما أسماهم “أبناء الله”! وهو ما يعني، حسب عقائدهم، أن المسيح ليس هو وحده “ابن الله”! وزاد الأمر عجبا أن هؤلاء “أبناء الله” تزوجوا من بنات الناس!! (ملحوظة جانبية: ألا يذكرك هذا بقصة هرقل نصف الإله الأغريقي الأسطوري ومغامراته النسوية!!) بيد أننا إذا أردنا تحري الموضوعية فنذهب إلى تفسير هذه العبارة عند أحد مفسري العهد القديم نجد أنه يزعم أن المقصود هم “أبناء شيث”! لكن من الذي يقول ذلك، هل موسى، أو المسيح عليهما السلام، بوصفه وحيا من عند الرب؟ النص الذي يُفترض أنه “مقدس” لا يقول ذلك البتة. إذن نحن أمام نص يعاني بشدة من مشكلة المرجعية، وهو نص لأي أحد أن يضيف أو يحذف أو يعدل عليه، ودون قيود أو حدود، على الرغم من الحقيقة المؤكدة بنزول كتب سماوية على هؤلاء الرسل عليهم السلام أجمعين، لكن المؤتمنين عليها سقطوا بالاختبارات والتحديات الكبرى. فكيف لأي إنسان يفكر، ويريد الاطمئنان للدخول في هذا الدين، أن يرى هذا التلاعب السافر في المعاني وإسقاط الصفات البشرية على الذات الإلهية، فيقبل به؟
لا بد أنه إنسان خاوي من العقل، والمنطق، والحس السليم. وهذا بالضبط ما لمسته حين سمعت عن إحدى الكويتيات التي لم تكتفِ بالارتداد عن الإسلام واعتناق المسيحية (ويبدو أنها اعتنقت البروتستانتية، مما يزيد الطين بلة)، بل أخذت تعلن وتصرح بوسائل التواصل عن ذلك، وهي أجهل الجهلاء بالدينين معا. وهنا تبرز كارثة انعدام القراءة والثقافة الحقيقية والفكر النافع. فنحن ندفع الآن ثمن عقود طويلة من التجهيل والفكر الزائف المبني على تمجيد الفكر القومي والوطني الذين جعل كثيرا من السفهاء والسفيهات لقمة سائغة أمام حركات تبشيرية بائسة ويائسة. لكن في نهاية المطاف نقول هنيئا للمبشرين بهؤلاء الجهلة والسفهاء، فنقصانهم مكسب. وصدق من قال إن “المدينة تنفي خبثها”، ﷺ.
