الجواب المحدّد في ذكر قائد حقوق الفقراء المخلّد | بقلم فيصل كريم الظفيري

طرحتُ سؤال عابرا في صفحتي على موقع تويتر بعد مشاهدتي لإحدى حلقات المهندس فاضل سليمان على قناته في اليوتيوب، وقلت الآتي:

فاندهشت أيما اندهاش أن أحدا من أهل تويتر لم يعرف الإجابة البسيطة الواضحة. فمنهم من قال عمر بن الخطاب ومنهم من قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليهما وعلى صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام كافة، ومنهم من عاد للنبي ﷺ الذي أرسى قواعد هذا المبدأ السامي حسب الأمر الذي أنزله الباري سبحانه وتعالى، على أن المقصود هنا التطبيق الإنساني ما بعد وفاة ناقل الرسالة المصطفى ﷺ وكيفية مواجهة رؤوس الشر والمصالح الكبرى التي تسحق الفقراء وتحرمهم حقوقهم التي أمر بها الله سبحانه وتعالى.

ثم أن بعض أهل تويتر هدانا الله وإياهم إلى سواء السبيل شرّقوا وغرّبوا بعيدا عن الإجابة الصحيحة، فأخذ بعضهم يقول “ستالين” وهو من كبار عتاولة مجرمي القرن العشرين ومن سفك دماء الملايين. ومنهم من قال نلسون مانديلا، وهذا لا يصح، لأنه لم يخض حربا طوال حكمه، ناهيك عن أن تكون حربا لحقوق الفقراء. ومنهم من قال المهاتما غاندي، وهذا لا يصح أيضا لأن هذا الزعيم الهندي اتخذ وسائل سلمية لمقاومة القمع البريطاني الإجرامي.

ومنهم من قال تشي غيفارا، وصحيح أن هذا الرجل قاتل دفاعا عن قضية الفقراء والمحرومين قتالا مستميتا يندر أن نرى مثله في القرن العشرين، فطارده أنذال وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وأزلامها في كل موقع ونالوا منه في نهاية المطاف، لكنه ليس المعني هنا مع ذلك كله.

وهناك من قال جمال عبد الناصر، وهذا مما لا يستقيم معه تصور سليم. فهذا الرئيس المصري أصدر عدة قرارات تبدو في ظاهرها أنها إصلاحية وتتحيّز للطبقات الدنيا من المجتمع وقد هلل لذلك كثير من العرب خلال زمنه وبعد وفاته، بيد أن معظم أهل مصر يدركون أن تلك القرارات قد اتسمت بالعشوائية وتمت دون تخطيط كافٍ أو واعٍ بتبعاتها وتأثيراتها المستقبلية، إذ يؤكد كثير من خبراء الاقتصاد أن أغلب مشاكل أرض الكنانة الحالية إنما نشأت من قراراته السيئة التي تنم عن جهل العسكر المدقع بكيفية إدارة الدول واقتصاداتها إدارةً صحيحةً، وما زالت البلاد تئن من هذه المشاكل وتدور بحلقة مفرغة بالرغم من الوفرة المالية التي تتلقاها من هنا أو هناك. وتبعا لذلك، لا شك عندي أن هذا الرجل قد أودى بالفقراء والمحرومين إلى التهلكة، وهذا ديدن من يسعى للعظمة وهي لا تسعى إليه.

في حين أدلى آخرون بإجابات أخرى مثل عمر بن عبد العزيز ومهاتير محمد وسنكارا وبن بلا ولنكولن وليندون جونسون، إلى أن وصل اليأس عند بعضهم منتهاه فقالوا إجابات ظريفة مثل “الدكتور آمون” [وهو شخصية في المسلسل الكرتوني غراندايزر] والضفدع كامل 😂 وقد تعبت من قول: لا، ، لا، لا. ويبدو أن أهل تويتر (ويغلب عليهم شباب الخليج وبناتهم) وربما حتى من يدعي الفكر والتنور، يعانون غبشا فكريا واضحا، في حين أن السؤال ذاته عندما طرحته في صفحتي على الفيسبوك (الذي يرتاده معظم الإخوة العرب من غير الخليجيين) أجاب عليه المشاركون خلال دقائق معدودة، وهذا يظهر حجم التفاوت في المسائل العميقة وطريقة التفكير في حلها بين إخواننا هؤلاء وإخواننا أولئك.

يظهر لنا أن المشكلة في معرفة هذا القائد النبيل والصارم في آن واحد ناجمة من تراكم فترات طويلة من عدم وضوح أحداث كثيرة وقعت في التاريخ، ومنها حروب الردة. فثمة كثيرون يظنون أنها اندلعت بسبب خروج الناس عن الدين، وهذا التوصيف يقتضي التحديد والدقة.

عند وفاة الرسول المصطفى ﷺ ارتد كثير من العرب وانقسموا المرتدون حينذاك إلى ثلاثة أقسام:

.الأول: من عاد منهم إلى عبادة الأوثان والأصنام

الثاني: من قالوا بنبوة بعض منهم بعد نبوة الرسول ﷺ مثل الأسود العنسي في اليمن ومسيلمة الكذاب وسجاح في نجد وغيرهم، وأن لدى كل منهم دينا ورسالة وكتابا جديدا.

.الثالث: من رفضوا دفع الزكاة مع قولهم إنهم ما زالوا على الإسلام

لم يكن ثمة خلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم جميعا حول الطائفتين الأوليين في أن خروجهما يشكّل خطرا ماحقا على الدولة، ويعد انفصالا لا ينبغي مهادنته أو السكوت عليه، فأما حول الطائفة الثالثة من هؤلاء المرتدين فحصل نوع من طلب الاستيضاح من الصحابة لكيفية مواجهة موقفهم، لا سيما وأنهم يقولون إنهم ما زالوا على الشهادتين.

هنا تجلى موقف أبي بكر الصديق بأعظم معانيه في هذا الشأن. لقد أدرك أول خلفاء الرسول ﷺ أن دولة الإسلام لا قائم لها إن هي تخلت عن وضوحها السامي وثقتها بنفسها وعمدت إلى مهادنة رؤساء القبائل وكبارهم والتحالفات التي عقدوها للحفاظ على مصالحهم التي تتعارض والمبادئ التي أرساها الإسلام تعارضا سافرا، ومن أهمها حق الزكاة التي يؤديها غنيهم إلى فقيرهم. فقال مقالته الشهيرة التي تكتب بماء الذهب:

“واللَّهِ لَو منعوني عقالًا كانوا يؤدُّونَه إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لقاتلتُهم علَى منعِه”

والعقال هو حبل صغير يربط به البعير. فهو يقول إنهم حتى لو لم يدفعوا ثمن حبل صغير يستخدم لجاما للجمال كانوا يدفعونه لرسول الله ﷺ (ربما نفاقا وتزلفا) لشن حربه عليهم دون هوادة. فهذه الأموال لم يأخذها أبو بكر ومن تلاه من الخلفاء ليضعها في جيبه ليشتري بها القصور الفارهة أو المراكب الباذخة أو الأراضي الشاسعة، بل هي حق للفقراء والمحرومين والمستضعفين كان هو المستأمن عليه، إذ يؤدي الدفع المنتظم للزكاة حسب مقاديرها الصحيح إلى تقليص الفوارق الطبقية وإنجاز التكافل الاجتماعي وتحسين المستوى المعيشي للطبقات الدنيا من المجتمع، مع عدم الإضرار المادي بأصحاب الثروات والطبقات العليا ورؤوس أموالهم. ويضمن هذا الاجراء نزع فتيل أي شعور بالغبن والظلم الاجتماعي، ومن ثم قد يحدث ما لا يحمد عقباه من تفاعل مسببات الثورة والنقمة الشعبية العارمة. وهو ما نشهده حاليا بكل أسى وألم في وطننا العربي الكبير، حيث ارتفعت الشعارات المطالبة بالعدالة الاجتماعية، وتحسين المستوى المعيشي لعامة الناس الذين رأى معظمهم أنهم سقطوا إلى ما دون مستوى الطبقة الوسطى بعد تفشي الفساد واللصوصية و”الحرمنة” عند أهل السلط الحاكمة ومن تحالف معهم من كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال. لقد أصبح هؤلاء كالديناصورات التي تجوب البقاع فلا تبقي ولا تذر، وانتفخت كروشهم لتسع كل حقوق المحرومين، بل تجاوز بعضهم على ذلك بالنصب على كثير من الناس وأكل أموالهم بالباطل، وقد لاحظنا ذلك بُعيد أزمة 2008 الاقتصادية وإفلاس بنوك كثيرة وتخفيضها لنسب الأرباح (وخصوصا الإسلامية منها) من 3 % إلى ما دون الواحد بالمائة، وذلك لتعاملها وترابطها مع النظام الربوي العالمي المنهار. زد على ذلك تلاعب هذه البنوك بآمال الناس وفتحا للقروض دون حسيب أو رقيب فترةً من الزمن ثم تشددها بالسداد فجأة بعد تلك الأزمة، أما لعبة “اكتتابات الأسهم المصرفية” فحدّث ولا حرج، إذ وقع في أتونها عدد لا بأس به من المستغفلين، فأصاب بعضهم مس من الجنون وشقوا ملابسهم وأخذوا يمشون على الطرقات عرايا محرومين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فأبي بكر بن أبي قحافة الصديق رضي الله عنه وأرضاه كان هو الرجل المناسب في الزمان المناسب، ورفض أن يُبقي الدولة بعد وفاة مؤسسها ﷺ تحت رحمة تحالفات مصلحية وانتهازية كبرى (وهذا أبلغ رد على أحد من قال إن الصحابة إنما أنشؤوا دولتهم بناء على “مصالح براغماتية معينة”، فحسبنا الله ونعم الوكيل في هذا الشخص.) بل إن المتابع لذلك السياق التاريخي العصيب الذي كادت على إثره أن تندثر دولة الإسلام يرى بسهولة أن “المصلحة السياسية العامة” اقتضت أن يتنازل الصحابة عن جزء من مطالبهم أو التغاضي عن جزء من النظام السائد أيام الرسول ﷺ ريثما تقف الدولة على رجليها على الأقل، وهذا هو ما يطلق عليه في عصرنا الحالي “البراغماتية السياسية”، وهي على كل حال ليست دراسة لنظرية فيزيائية معقدة، فالأمر هكذا ببساطة، لكن هذا الرجل أبى ولو اقتضى الأمر أن يستشهد ويدفع حياته دون ذلك. وعلاوة على هذا، علينا ألا ننسى أن القبائل المرتدة كانت تحيط بالمدينة المنورة واحتمالات تحالفها وهجومها عليها قائمة ولا يمكن إهمالها أو التغافل عنها بحال من الأحوال. فما الذي أجبر أبا بكر على خوض هذا التحدي العظيم إنقاذا للإسلام ومبادئه السامية وكل من يؤمن بها؟ إن هذا القائد هو فعلا الأول والأخير الذي قاتل بضراوة دفاعا عن حقوق الفقراء والمحرومين ولم يغمض له جفن والأمر على ما هو عليه من نكوص على هذا الركن من أركان الإسلام الذي كفله الله تعالى لهؤلاء الفقراء في كل مكان في الأرض. وهذا الدفاع المستميت، خلافا لكل المخاطر المحدقة بأبي بكر ورفاقه الكرام في المدينة، إنما هو العامل الأكبر لارتفاع شأن الإسلام بين الأمم وازدهار سمعته وبلوغها إلى أقصى الآفاق، وذلك كما أراد الخالق الرحمن سبحانه لعباده في الأرض كافة أن يتفكروا فيه ويقرروا بملء حريتهم الدخول فيه. ولو مضى أبو بكر في طريق “البراغماتية” (كما زعم ذلك الزاعم) لما رأينا لهذا الدين احتراما أو وقارا أو مهابة في نفوس البشر، لكنه التشبث بالمبدأ الحق والموت دونه، وهو ما لا يألفه المنهزمون نفسيا ،فهم المعتادون على أخذ الدنيّة في كل شيء، والذين يبتغون العزة من الغرب والشرق، ثم يخرجون من بين ظهرانينا ليؤلفوا كتبا في هذا الضرب من الغثاء، واللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع.

إن التعطّر بسيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه يدخلنا غالبا إلى مسألة الردة التي اضطر هو ورفاقه الصحابة إلى خوض حرب هائلة بسببها، وهي كما أسلفنا مكمن اللبس لدى كثيرين حول دوافعها وبواعثها. وموضوع الردة من المسائل التي يبدو أنها أحدثت جدلا واسعا حتى في أوساط كبار الفقهاء والعلماء على مر التاريخ الإسلامي، فهل حكمها هو حد من حدود الله أو تعزير يخضع تقديره للقاضي أو الوالي أو الحاكم حسب ما تقتضيه مصلحة البلاد والعباد. لا يحق لي الخوض في هذه المسألة المعقدة لأنني لست فقيها أو عالما. بيد أن ما يتجلى لي من سيرة أبي بكر الصديق أنه شن الحرب على المرتدين، مع علمه بصعوبتها وخطورتها على المسلمين، لسببين لا ثالث لهما:

أولهما: امتناعهم عن دفع الزكاة، ما يعني نقض ركن أساسي من أركان الإسلام، فيمسي هذا الدين بذلك مثله مثل الديانات الكَنَسية الأخرى التي تحركها السلط الحاكمة وتتبادل معها المصالح والمنافع والضحية هم عموم الناس لا سيما الفقراء والمستضعفين الذين ستسحق حقوقهم لا محالة. وقد رأينا هذا التحالف الكنسي في نماذج كثيرة، من أهما الدولة البيزنطية (الروم) حيث تحالفت سلطة الإمبراطور مع سلطة الكنيسة الكاثوليكية (قبل تحول بيزنطة إلى الأرثوذكسية) وأصبح الشعب ألعوبة بيدي هاتين السلطتين وضاعت حقوقهم إلى الأبد.

ثانيهما: أن الردة التي وقعت لم تكن “فردية” بل جاءت بحالات جماعية إجبارية. فالقبائل التي ارتدت لم تترك أحدا من أبنائها يختار البقاء مسلما، بل كلهم مسيّرون حسب قرار القبيلة. ومن الطرائف المنقولة عن قوم مسيلمة الكذاب من بني حنيفة أنهم يقولون بوجهه: “نشهد أنك كذاب كذاب، لكن كذاب اليمامة خير لنا من صادق المدينة”. ومن ثم لم يكن ثمة مجال لأبي بكر بمهادنة هذا الاستهتار التاريخي بحق الإسلام. فالرّدة هنا بمنزلة الخيانة العظمى التي لا تتسامح معها أي دولة من دول العالم حتى اليوم

ليس موضوعنا هنا الردة وحكمها، فهذا نتركه لأوانه أو لأهل الاختصاص في هذا الشأن. بل نعيد هنا ذكر لمحة بسيطة من هذه الصفحة الباهرة من تاريخ الإنسانية قاطبة. لو سألنا أي مفكر أو فيلسوف أو عالم صادق عن المعضلة التي تشغل بال العالم قاطبة وتحتاج إلى حل كامل لأجاب أنها مشكلة الفقر وكيفية معالجته والخلاص منه. الفقر أيها الناس يأتي بكوارث متجددة قد لا يعيها العقل البشري وتقع في كل مرة تظهر فيها بوادر استفحاله. إنه مدمر للأخلاق والأعراف والمجتمعات والأنظمة والدول. وقد حدثت بسببه -أو هروبا منه- حروبا عظمى كثيرة. الفقر كارثة لا تستطيع البشرية تحمل تبعاتها طويلا. وقد قامت آيديولوجيات وأفكار ومذاهب فكرية تزعم قضاءها على مشكلة الفقر، ومع ذلك فشلت جميعها على أرض الواقع فشلا ذريعا ولم تستطع حتى مجرد ملامسة جذورها. أما الدين الإسلامي فقد أرسى قواعد عملية وكثيرة لحلها، لعل من أولها أنه لا يزعم بالقضاء على الفقر قضاء مبرما، فهذه كذبة كبرى، لأن الفقر مرتبط بسلوكيات الإنسان ونوازعه الذي لا يتغير إلا بتغيرها. بل وعدت الشريعة الإسلامية بتضييق الفوارق الطبقية إلى أضيق مستوى ممكن، ونَحَت إلى التشديد على التكافل والتضامن الاجتماعي، فأصبح المجتمع كالوعاء الواحد الذي تتفاعل مكوناته بين بعضها بعضا ولا يمنعها مانع من ذلك.

فأين هو الرجل الذي يكسر رقم سيدنا أبا بكر الصديق الصعب الذي أتعب من بعده فعلا؟ فلله دره من رجل ولله در من يسير على دربه الميمون.

كتبه: فيصل كريم الظفيري

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s