الملكة الهندية الجميلة التي قاتلت البريطانيين حتى الموت – الفيلم الهندي (ماني كارنيكا: ملكة جهانسي)- ترجمة: صهيب علي

إنها الملكة (ماني كارنيكا)

نقدم قصتها عبر هذا العمل المقتبس من سيرتها

ويقدم الترجمة مشكورا زميلنا صهيب علي

2f200a06-8e01-4b02-91cf-e91e8c6bfcdd-2074d704-354e-4dd3-87ce-b8d4babe7728_RGB_SD._RI_VXhSSpxXLi72GiPYIAaW57gW5hxpwyW9c_TTW_

 

المقطع الدعائي عبر الفيسبوك

2eqwnz2wkeui1kmhe8gb

رابط مشاهدة مباشر

 2eqwnz2wkeui1kmhe8gb

 

عُرض فيلم “ماني كارنيكا: ملكة جهانسي” في بداية هذا العام (2019) على شاشات السينما العالمية، وهو من بطولة النجمة السينمائية البوليودية كانغانا راناوت التي أخرجت الفيلم كذلك بالمشاركة مع المخرج كريش جاغارلامودي، واشترك في البطولة عدد من النجوم البوليوديين وكذلك الإنجليز. غير أن العمل يركز على سيرة هذه الملكة التي لقبها زوجها الملك بعد زواجهما في مملكة “جهانسي” بـ”لاكشمي باي” أو لاتشمي باي” نسبة إلى إلهة الجمال الهندية المعروفة بهذا الاسم. والحق أن “ماني كارنيكا” الحقيقية امرأة غاية في الجمال كما تذكر المصادر التاريخية (انظر صورتها المفترضة أدناه)، ويفوق جمالها الممثلة الفاتنة كانغانا راوت. لكن مناقب لاكشمي باي لا تقف عند فتنتها وسحرها بل تجاوزت ذلك بانحدارها من عائلة هندوسية نبيلة، وتلقت تعليما داخليا رفيع المستوى منحها ثقافة عالية وإتقانا للغة الإنجليزية. علاوة على ذلك، هي فارسة لا يشق لها غبار ودرست فنون الحرب والقتال. وقد حاول الفيلم عرض هذه المواصفات بشيء من التوازن، وإن لم يخلُ من المبالغة الهندية المعتادة التي لا يفهم طبيعتها إلا شخصية الإنسان الهندي المشبع بهذه الحضارة العريقة. الموسيقى التصويرية معبرة عن الموقف لكنها ضعفت في بعض المشاهد الحاسمة، مع أنها في المجمل اتسمت بالعنفوان. أما التصوير، فيبدو أن الفكرة والرؤية تجاوزته فلم يكن قادرا على مجاراة الجو الملحمي المفترض للعمل، ولعله يشكل نقطة الضعف الأبرز للفيلم. عندما نتذكر الأعمال الملحمية في الستينيات ولاحقا لا أعتقد أن هذا الفيلم يجاريها، وأقصد أعمال مثل سقوط الإمبراطورية الرومانية ولورنس العرب وسبارتاكوس، وكذلك فيلما مصطفى العقاد الرسالة وعمر المختار. بل إن التصوير والمونتاج لهذا الفيلم لم تصل جودتهما لمستوى فيلم باهوبالي بجزئيه، وهو عمل من سينما الهند الجنوبية. لم يكن التصوير بذاك السوء، لكن الجماهير أرادت أفضل من ذلك. وربما ظهرت مشاكل إنتاجية أدت إلى هذه الثغرات، ثم أن كانغانا راناوت لا تمتلك خبرة إخراجية تؤهلها لإخراج عمل ملحمي كبير مثل ماني كارنيكا وكان يجب ألا تجرب حظوظها بعمل كبير كهذا حتى لا تظلم نفسها، كما أن سوء التنسيق بينها وبين المخرج الثاني قد يكون سببا لهذا التفاوت. مستوى إخراج المعارك كان يجب أن يأخذ شكلا أفضل بالرؤية الإخراجية، وكلنا نتذكر فيلما مثل ووترلو الذي أنتج في بداية السبعينيات كيف ظهرت الرؤية الإبداعية للمعارك وكيفية خدمتها للعمل بأقصى درجة، وهو ما لا نلاحظه في عملنا اليوم. لكن ظهر العمل بالرغم من ثغراته متماسكا وحبوكا، وعرض سيرة تلك الملكة الشهيدة وتطور تفاصيل حياتها بأفضل تجسيد ممكن، كما إن العمل التزم عموما بالسرد التاريخي المتفق عليه عن حياة الملكة لاكشمي باي، ولم يفرض رؤية درامية معينة فيغير من السردية التاريخية في سيرتها.

ptr

حضور للفيلم في شتاء 2019

 

تقع الأحداث الرئيسة في مملكة بالمناطق الشمالية الوسطى من بلاد الهند من مقاطعة أوتار براديش الحالية تدعى مملكة جهانسي، لكن ماني كارنيكا ذاتها تنتمي إلى طائفة براهمية (كارهادي) قدمت من دولة أو إمبراطورية في ولاية ماهاراشترا اسمها ماراتا، وهي التي سعت الملكة إلى إعادة قيامها لمواجهة التغول البريطاني في البلاد. يقتفي العمل حياة ماني كارنيكا المولودة سنة 1828، ويبدو أن والدها موروبانت تامبي كان يعمل عند كبير وزراء إمبراطورية ماراتا (البيشوا باجي راو الثاني) الذي قام على تربية ماني كارنيكا كإبنته. وتمتد الأحداث حتى وقوع المعركة الختامية في حياة الملكة. من الأهمية بكان إدراك أن هذه الأحداث تقع ضمن الثورة الهندية التي اندلعت عام 1857 على حكم شركة الهند الشرقية (البريطانية) التي توسعت لتصبح حكومة استولت على معظم الثروات الهندية، ثم يتحول شكلها بعد الثورة (يسميها البريطانيون تمردا للإشارة إلى جنود هنود في صفوف قوات الشركة) إلى حكم بريطاني مباشر يطلق عليه هنديا (راج). ويبدو أن الملكة بعد وفاة زوجها آثرت مهادنة البريطانيين وعدم الاشتراك بفعالية مع الثورة الجامحة التي حركت السلطان بهادر شاه ظفر الثاني من سباته. وكان هذا خطأ استراتيجيا مكلفا على كل الأطراف الهندي التي لم توحد جهودها وصفوفها في التوقيت المناسب، مما سهل على البريطانيين الغزاة و”السارقين لثروات الأمم” (ليس أنا من يتهمهم بهذا، الرجاء العودة إلى كتب تاريخية حديثة مثل 

Guns, Germs, and Steel: The Fates of Human Societies

للمؤرخ جاريد دايموند، وكتاب 

Why the West Rules—For Now: The Patterns of History, and What They Reveal About the Future

للمؤرخ إيان موريس) سهل تشتيت مركز القوة الضاربة للثورة والتقاط أنفاسها وحشد قواتها مرة أخرى. لكن الفيلم يبرر عدم تحالف الملكة مع قوات الثورة مباشرةً بعدم جاهزية قوات مملكة جهانسي في شهر مايو/أيار سنة 1857. ومع وصول القوات الإنجليزية في مارس/آذار 1858، وعلى الرغم من التحصينات الدفاعية التي أقامها أهل جهانسي بقيادة الملكة لاكشمي باي، لم تصمد القلعة طويلا، فخرجت منها الملكة حاملة ابنها المتبنى على ظهرها (بالمناسبة تذكر بعض المصادر أن القفزة الهائلة التي قفزتها الملكة وهي تمتطي حصانها من فوق القلعة صحيحة وهو ما عرضه الفيلم وقد يعتقد الناس أنها مبالغة هندية كالعادة، سوى أن المصادر تقول إن الحصان قد مات عند سقوطه ونجت الملكة هي وابنها) وعادت إلى مدينة بيتور برفقة عدد من حرسها ومواليها. ثم حاولت الملكة أن تهيئ جيشا جديدا للمعركة الحتمية مع الإنجليز الذين يقودهم جنرال محنك هو هيو روز، غير أنها صدمت بتشتت قوات الثورة واستسلام آخرين وخيانة بعضهم الآخر. لكنها رفضت التوقيع للإنجليز والصلح معهم رغم وعودهم لها بمميزات ملكية كبيرة. فأثبتت ماني كارنيكا أنها ثائرة أصيلة أرادت حرية بلادها وشعبها وأبت أن ترضخ للحتل وفضلت الموت على ذلك.

صورة مفترضة للملكة ماني كارنيكا الحقيقية: لاحظوا مدى جمالها وهي ترتدي لبس القتال

من المفارقات الغريبة التي يراها أي قارئ للتاريخ أن جزيرة صغيرة ونائية كبريطانيا استطاعت أن تطوع بقاعا عديدة من العالم، ومن بينها أرض الحضارات ومستقر الثقافات المتنوعة: الهند. لقد استثمر البريطانيون الثورة الصناعية الكبرى التي كان مركزها بلادهم لتغيير قواعد حركة التاريخ، فتكونت لديهم الجرأة على التفكير بالتوسع التجاري ثم الاستعماري. ربما كانت فكرتهم الأساسية في بادئ الأمر أن يفتحوا آفاقا تجارية مع البلدان البعيدة، غير أن الأيام أثبتت أن هذا الزعم مجرد غطاء يخفي نوايا أخرى خبيثة (كما تقول بداية الفيلم). إن صفحات التاريخ تذكر أفعلا شنعاء ارتكبها البريطانيون تصل إلى الترويج الرسمي للمخدرات واستغلال الهند لتحطيم أسوار الصين (وهو ما أدى إلى حربي الأفيون الأولى والثانية). وقد تجاوز الإنجليز حدود كل غطرسة وجبروت حين جعلوا الهند العريقة “درة تاجهم الملكي” متناسين أن هذا التمدد الإمبريالي غير المنطقي سيعود عليهم بالضرر. رغبة التوسع ليست جديدة عند البريطانيين، فهم اشتركوا أساسا بالحملات الصليبية على البلدان الإسلامية منذ بداياتها، ليس من أجل تنفيذ مهمات مقدسة كما تذكر الأبجديات الصليبية بل لتحقيق مكاسب دنيوية محضة عبر الاستيلاء على أراضي الشعوب الأخرى ونهب خيراتهم وثرواتهم. أما بعد الثورة الصناعية والتطور التقني الهائل في بريطانيا بدءا من القرن السابع عشر فقد بقيت الرغبة القديمة على حالها وتغير الشكل الذي تحول من الشكل الديني الصليبي إلى مزاعم فتح الأسواق الحرة في كل بلد. أصبحت بريطانيا كالأفعى التي تغير جلدها كل مرة. على أن المتابع للسلوك البريطاني تاريخيا يلحظ أن الإنجليز بين كل مدة تاريخية تتراوح بين الخمسين عاما أو قرن من الزمان يرتكبون حماقة كبرى أو يوقعون أنفسهم، فحروبهم في القرون الماضية تحدث دوريا ناهيك عن أزماتهم الداخلية الطاحنة. ويصعب في هذه المساحة الضيقة الإشارة إليها، لكن لعل ذلك الشعور الوهمي بالفخامة والجدارة يمثل جزءا من تلك الفقاعة التي انفجرت في وجه البريطانيين عند منتصف القرن العشرين. أما آخر أزماتهم التي ينظر لها العالم بدهشة أزمة الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت) التي ربما ستعيد أوروبا إلى نقطة الصفر وترجعها إلى سياسة المحاور المدمرة. إلا أن ما يجعل الدولة البريطانية قائمة ومتماسكة تطبيق العدل في أرضها وفصل السلطات والسماح بحرية التعبير وغيرها من المكاسب التي حققها الشعب بعد صراع طويل ومرير ضد السلطة الحاكمة، على أن من الواضح أن اتفاق البريطانيين واستقرارهم يؤدي غالبا إلى مشاكل لبقية العالم. فوائد قوم عند قوم مصائب.

بطبيعة الحال، لا يعني هذا إعفاء البلدان التي وقعت فريسة سهلة للغزو والاحتلال والاستعمار من مسؤولياتهم. لقد وقعت مناطق الحضارات القديمة مثل الصين والهند والعالم الإسلامي تحت وطأة قرون طويلة من الركود والاستبداد والتخلف جعلت من مهمة البريطانيين -الذين تحرروا من تلك المثالب- للسيطرة عليها سهلة يسيرة. في حين أن علينا أن ندرك أن تلك الحضارات أوجدت في أوقات ذروتها قيما فكرية وأخلاقية يتبعها الناس وما انفكوا يتداولونها في حياتهم. وهذا يقود إلى سؤال مهم: ما هي القيم الحقيقية التي تركها البريطانيون عندما هيمنوا على العالم فترة من الزمن؟ هل حب المادة يتساوى مع الإيمان؟ وهل العقلانية تحل مشاكل البشرية؟ وهل حل العلمانية يجلب السعادة للإنسان؟ ما هو الإرث الذي تركوه بخلاف قول شاعرهم هيلير بيلوك

مهما صار من أمور ومهما حصل

مدافعنا تعلوهم ورميهم ما وصل

تمثل الهند نموذجا كبيرا للديمقراطية بين ديمقراطيات العالم، فهل حلت مشاكل البلاد أم أن الهند ما تزال تقع بأكبر عجلة فساد معقدة بسبب الديمقراطية الغربية؟ لا تستطيع بريطانيا التنصل من مسؤولياتها التاريخية في الهند منذ احتلالها عبر إيقاع البلاد بسلسة لم تنتهي من المآسي، لعل أبرزها مأساة تقسيم الهند سنة 1947 حين أجبر ملايين البشر على النزوح شمالا وترك منازلهم فقط لأنهم مسلمون والشيء ذاته بتهجير الهندوس والسيخ من منازلها جنوبا. ما زالت الهند تئن من مشكلات سياسية عميقة سواء داخل البلاد أم مع باكستان أو نيبال أو بنغلادش أو حتى مع الصين. قصة الهند لم تبدأ مع مقاومة الملكة ماني كارنيكا ولم تنتهِ مع استشهادها، وهي قصة تشهد على تناقض الحضارات وصراعها.

نصب تذكاري للملكة ماني كارنيكا في مدينة سولابور الهندية

 

عن الترجمة

هذا أول تعاون لي مع الأخ صهيب علي، ويبدو أنه يمتلك خبرة جيدة في ترجمة الأفلام الهندية سواء البوليودية أو سينمات الجنوب، إذ ترجم أفلاما مميزة لصالح بعض المواقع يمكن مشاهدتها أونلاين. وساعدنا هذا الجانب في إنهاء الترجمة بوقت مناسب. أما عن النص المترجم فكان معقولا وبعدد سطور معتدل على عكس معظم الأفلام الهندي التي تكتظ بحوارات كثيرة نظرا لطول مدة كثير منها. لكن جملة استوقفتني لما لها من تأثير على العمل ويبدو أن المترجم للإنجليزية اختار ترجمتها بشيء من الاستسهال، فترجمها إلى 

victory is ours

في حين أن البطلة ومن معها يهتفون كثيرا في النصف الثاني من الفيلم بعبارة “دين دين، هرهر ماهاديف“. الشق الثاني معروف وهو تمجيد هندوسي لإلههم شيفا، وبالتالي أمكن تقريبه لذهن المشاهد العربي بعبارة “المجد للرب” وهو تأويل لا بد منه ولن يخل بالمعن. أما عبارة “دين دين” فهي غير مفهومة ويبدو أنها مصطنعة من صناع العمل، إذ لم يقلها أحد في التاريخ الهندي لتلك الحقبة، والمقصود بها معنى الدين ذاته. وتذكر بعض المواقع الهندية أن ما كان يجب استخدامه كهتاف هو العبارة الإسلامية “الله أكبر” وإذا كانت الملكة ماني كارنيكا تريد استنهاض همم شعبها الذي يختلط فيه الهندوسي بالمسلم فلن تجد أحسن من عبارة “الله أكبر، هرهر ماهاديف” لكن صناع الفيم كما تذكر تلك المصادر تجنبوا عبارة “الله أكبر” لاعتقادهم أنها تشير للجماعات الجهادية المتطرفة كداعش واستخدموا عبارة “علمانية” كما ذكروا، وهذه حماقة وتطرف مضاد. فالأفلام الهندية استخدمت عبارة التكبير كثيرا في العقود الماضية ومنها أفلام لرمز السينما الهندية أميتاب باتشان. لكن المطلوب مننا حل ترجمي معقول لعبارة الهتاف تلك، فآثرنا عبارة “الدين الدين والمجد للرب” كأفضل حل ترجمي ممكن، والله أعلم.

 

وتقبلوا أطيب تحية من فريق العمل

صهيب علي

و

فيصل كريم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s