ترجمة مقدمة كتاب: قناع الصهيونية وتنكّرها-ولادة التحالف الأنجلو-صهيوني 1914-1918 | ترجمة وتعليق: فيصل كريم الظفيري

تطل الصهيونية برأسها من جديد. تلقي بظلال نفوذها ليس على أوروبا وأمريكا هذه المرة، بل على عقر ديار العرب. 

ظهر جيمس رينتون في برنامج تلفزيوني صيف العام الماضي بمناسبة مرور قرن على ذكرى وعد بلفور المشؤوم، وظهرت لنا مساهمته بهذه المسألة وذلك من خلال كتابه المعنون

The Zionist Masquerade – The Birth of the Anglo-Zionist Alliance 1914-1918

الذي نال موضوعه مني إعجابًا. فتبين لاحقًا بعد مراسلة دار نشره أنه كتاب غير مترجم حتى الآن، فآثرت ترجمة مقدمته لنرى إن كان ثمة فرصة لترجمته إن شاء الله.

تحمل فكرة الكتاب الرئيسة في طياتها أبعادًا مثيرة للتعمق في مسألة ظهور الصهيونية الطارئ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكذلك جوانب تدعو للاستفهام وطرح علامات التعجب على الكاتب ذاته وغرضه وخلفيته الثقافية. لن أتطرق للأبعاد العميقة كثيرًا هنا فالعنوان ونص المقدمة يشيران بجلاء عن فحواها التي لا تخرج عن نشوء تحالف أنجلو-صهيوني أدت إليه السياقات التاريخية والأقليمية والدولية في ذلك الزمن، لكنه تحالف جاء في الوقت ذاته بصيغة ملؤها الخداع والزيف بين الطرفين لتحقيق مصلحة مشتركة لهما تقاطعت في تلك اللحظة الحرجة من عمر البشرية. أما الجوانب التي تستدعي التعجب والاستفهام ويلفّها قدر لا بأس به من الغموض فتراءت لي بطرح مؤلف الكتاب الذي كأني به يلقي على أعضاء حكومة لندن آنذاك بصفات الجهل والغباوة والحمق كما يبدو من المقدمة. إذ أطنب الكاتب كثيرًا في شأن عدم تفريق حكومة ملك بريطانيا برئاسة ديفيد لويد جورج بين اليهود واليهودية والصهيونية، فاليهود لا يمثلون قومية ثابتة ولا إثنية (عرقا) موحدة، فيما اليهودية ديانة وعقيدة تاريخية وفكرية، أما الصهيونية فلا تشكل سوى أقلية بين المجتمعات اليهودية المشتتة (حسب ما يأمر به الدين اليهودي من تعاليم). يقول لنا جيمس رينتون إن ديفيد لويد جورج وآرثر بلفور وأعضاء حكومتهما يجهلون هذه المظاهر التي يفترض أنها معلومة بالضرورة للأوروبيين عمومًا. وهنا نقطة استفهام أولى! وهو يبرر هذا الجهل -أو عدم الاكتراث بالمعرفة- بإلحاح الضرورة الاستراتيجية أثناء بداية الحرب العالمية الأولى من ناحية أهمية استمالة اليهود (لاسيما الطبقة الثرية والنافذة منهم) لدعم المجهود الحربي للحلفاء. كما أن الكتاب يضيف إلى ذلك جانب القلق الذي اعترى حكومة لندن من تأييد اليهود لمعسكر المحور (خصوم الحلفاء وهم: ألمانيا القيصرية والنمسا والدولة العثمانية، ثم لاحقًا السوفييت الشيوعيين) وبالتالي فقدان عنصر دعم مؤثر، مع عدم حسم الولايات المتحدة موقها تجاه الحرب في بداياتها، مما أثار مخاوف البريطانيين من وقوف اليهود (في عموم شتاتهم) والأمريكيين على الحياد أو ربما انقلابهم لصالح معسكر المحور، وبالتالي خسارة الحرب لا محالة.

يبرز وجه الضبابية فيما يطرحه المؤلف في قطعه لكل صلة مع الجانب التاريخي في مسألة الصراع القديم الذي يأخذ أشكالا عدة: الشرق مقابل الغرب – الأوروبيون ضد العرب – المسيحية (الغربية) في وجه الإسلام. هو ببساطة يقر بتنحيته جانبًا هذا المظهر الضروري لفهم خلفيات الصراع الذي يجعله هامشيًا في دراسته، ولا يرى فيه اتصالاً أو حلقة جديدة ترتبط بسلسلة طويلة من الحلقات الدامية. لكن الطامة الأكبر في أنه بتجهيل حكومة بريطانيا كأنه يقصد -شيئًا ما- تبرئتها من إضمار الشر للعالم الإسلامي والعرب خصوصًا، وكأن ديفيد لويد جورج وزمرته لا علم لهم -على سبيل المثال لا الحصر- بصراعات الحروب الصليبية القديمة، ولا اتبعوا -مثلاً- خطوات معلمهم وليام غلادستون، الحاقد على هذه المنطقة حقدًا دينيًا، والذي أوصاهم شرًا بها . فالمسألة -حسب استنتاجه المنطقي- لا تتعدى سوء حسابات وخطأ في التقديرات من جانب الحكومة البريطانية أدى فيما أدى إليه إلى ظهور وعد بلفور وإنشاء كيان صهيوني في فلسطين لا علاقة له باليهود أو اليهودية (كما يقول). إن صح هذا الحكم، يظهر لنا جليًا أن وعي المثقف الغربي يتراوح بين التأييد التام لمشاريع الهيمنة الغربية على العالم العربي والعمل على التنظير المبدأي والمنهجي لاستمرارية تركيعه والحرص على عدم استقلاله ونهوضه، وبين التردد والتمهل في تأييد هذه المشاريع والعمل على طرح تصورات تنقيحية وتبريرية لمثل هذه المسائل التاريخية وتفسيرها بطرق عقلانية ومنطقية، مع إبداء شيء من التعاطف مع الضحية، وهي بالمناسبة عادة ليست بالجديدة لعلها اتضحت أثناء إبادات القبائل الأصلية (الهنود الحمر) إذ كانوا يتباكون عليهم بحرقة بين كل مجزرة وأخرى. لعل جيمس رينتون ينتمي للفئة الثانية، مع أنني لا أنكر جودة الفكرة التي طرحها ووضعها في سياق صحيح يخدم تكوين صورة شمولية أكثر وجاهة وأعمق تفسيرًا لخلفيات الموقف الإنجليزي الشائن في التورط في صراع في قلب العالم الإسلامي له ما قبله من الحلقات الدموية كما له ما بعده من تأثيرات على العالم بأسره.

 

يمكن الاطلاع على نص الترجمة عبر نافذة غوغل درايف أعلاه

 

مترجم النص وكاتب التعليق: فيصل كريم الظفيري

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s