آلية الاستفتاء تكشف انشقاق بريطانيا بالخفاء

إن نظام الاستفتاءات الشعبية يعد من الآليات الديمقراطية للدول التي تلجأ إليه لتحديد مسار الأمة في الطريق الذي يقرره الشعب. إلا إن الإشكالية الكبرى فيه تتجسد حين يتخذ شعب ما قرارا يثبت خطأه ثبوتا قطعيا على المدى القريب أو المتوسط، وهو ما يجعلنا نناقش نجاعة هذه الآلية وما إذا كانت توصل إلى بر الأمان (ما يستدعى وضع مقال آخر لتأمل آليات الديمقراطية ووسائلها).

على أن من غير المفهوم أن دولة كبرى كبريطانيا يتحدث فيها خبراء ومستشاريين كبار في السياسة والاقتصاد عن المساوئ المحتملة للخروج من “اليورو” لفترة من الزمن، ثم نجدهم يقعون بالمحظور بالتصويت للخروج، والأدهى أن فوضى عارمة تقع بعد ذلك ولا تجد من يتحمل المسؤولية ليضغط زر البند رقم 50 من الاتحاد المفعّل للخروج منه ويعرض مشروعه وخطته للمرحلة التالية للخروج. فحتى الداعين للخروج تهربوا من المسؤولية سواء في حزب المحافظين أو العمال. وهذه السلبية لها عواقب وخيمة لاحقا، ولا شك أن رئيس الوزراء البريطاني الآن في موقف لا يحسد عليه حيث سيجبر إجبارا في الاجتماع المقبل لقمة اليورو على اتخاذ موقف واضح لا لبس فيه بالبقاء أو الخروج، وهذه أخف طامة لأن كرامة كاميرون “طارت” أصلا بهذه النتيجة الكارثية عليه. ويظهر جليا مدى الغضب الاسكتلندي الشديد من هذه النتيجة “العمياء”. والمفارقة الغريبة أن اسكتلندا ذاتها قد تنقذ الموقف إذا أعلن برلمانها “الفيتو” لإلغاء الاستفتاء حسب القانون الاتحادي للملكة، فيتنفس كاميرون ومن معه الصعداء. فإلغاء الاستفتاء ذاتيا ودون مبرر هكذا سيء جدا على “الكرامة البريطانية”. وثمة طامة أخرى لم يحسبها المصوتين بالخروج. فباستثناء أسكتلندا، لدينا منطقة جبل طارق التي تفضل قطعا البقاء باليورو، وهنا ستستغل على الأرجح أسبانيا الموقف لتستدرج جبل طارق للانضمام لها للتمتع بمزايا الاتحاد الأوروبي. وكذلك، والكوارث هنا لا تتوقف على بريطانيا، ستفضل إيرلندا الشمالية أيضا الانضمام لشقيقتها جمهورية إيرلندا لكي تضمن البقاء بالاتحاد.

لكن إذا نَحَت بريطانيا إلى عدم المزايدة على كرامتها الوطنية ولم تلغِ الاستفتاء بطريقة أو بأخرى، فإن التداعيات ستتجاوز حدود الضرر على بريطانيا إلى التسبب ربما بأزمة إقتصادية عالمية بطيئة وطويلة، وقد تصل إلى مستويات غير معلومة. وهذا احتمال قائم ولا يجدر تجاهله.

لقد كشف الاستفتاء مظاهر مفاجئة جدا في المجتمع البريطاني. فالنتيجة المتقاربة أظهرت انقساما عموديا شق المجتمع إلى نصفين. أما سبب التفاجؤ فمرده إلى أن مثل هذه المظاهر لا تحدث في معظم الأحيان سوى بالأزمات والاضطرابات الكبرى كالحروب والثورات العنيفة وما شابهها، وهو ما يبدو منعدما هنا. لكن الأزمة عميقة كما يظهر لنا، بالرغم من أنها غير طافية على السطح وخرجت خروجا مفاجئا للرأي العام العالمي، لكنها متغلغلة بالجذور ولا يصرح بها الناس. ويرى كثيرون أن أصلها يرجع إلى ذلك الشعور القومي المتجذر في نفوس من صوتوا للخروج، وأن “بريطانيا العظمى” مازالت قادرة على حل مشكلاتها الوطنية وأنهم سئموا تلقي التعليمات من بروكسل حيث مقر الاتحاد الأوروبي وعاصمته التوافقية.

لعل درجة ملامح الأزمة نقرأها من الارتباك الكبير في صفوف المعسكرين معا: المؤيدون للخروج والمعارضون. فلا توجد خطة أو خارطة طريق لما بعد نتيجة الاستفتاء. وقد ألقت الأزمة بظلالها على حزب العمال أكثر من نظيره المحافظين، لسبب بسيط وهو أن حزب العمال مؤيد تاريخيا للانضمام إلى لوحدة الأوروبية (منذ أيام رئيس الوزراء الأسبق توني بلير الذي فعّل آليات الانضمام منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي). غير أن جيريمي كوربن، الرئيس الحالي لحزب العمال وحكومة الظل، وجّه، كما اتهمه أعضاء حزبه، القواعد الانتخابية نحو التصويت بالخروج ربما كوسيلة سياسية لخلخلة وضع جيمس كاميرون كرئيس وزراء. وهو ما عدّوه “خيانة لموقف الحزب التاريخي من مسألة الوحدة الأوروبية” كما عبر أحد أعضاء حكومة الظل المستقيلين بلسانه. ولا غرو أن الأيام المقبلة حبلى بالأنباء، فهل ستختار بريطانيا أسهل الحلول للتخلص من الأزمة متمثلا بإلغاء الاستفتاء، أو ستمضي في طريق كرامتها الوطنية إلى آخر مدى؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s