يوم كادت القاهرة أن تُقصف نوويا – إسرائيل تدمر سفينة عسكرية أمريكية – ترجمة الفيلم الوثائقي Uss Liberty Dead In The Water (BBC)

 

أحييكم أيها الأخوة والأخوات الكرام بأطيب تحية وأقدم لكم اليوم موضوعا هاما وخطيرا يتعلق بمستقبلنا كأمة عربية تواجه الآن خيارين لا ثالث لهما. الأول أن تنهض من جديد وتحدد مشروعها وتعمل على بنائه فتكون من الفاعلين بهذا العالم. والثاني أن تبقى أمة مفعولا بها وعليها، ولا حول لها ولا قوة وتنتظر ما يتساقط لها من قمم القوى الأخرى -وهو قليل- وإن سقط سيكون بحساب باهظ. والموضوع يشير للمستقبل رغم أنه يستحضر تجربة مريرة من الماضي، لإننا إن تمكنا من مناقشة تاريخنا المعاصر بانفتاح وتأمل وتعمق سنعمل على بناء جسور سليمة نحو غد يتسم بالأمل والازدهار. وأولى خطوات النجاح تمثلت بالانتفاضات العربية التي تحدث حاليا والتي قد تخرجنا من الواقع المشوه التي أرادت أنظمة الحكم المعتلة إبقاءنا به إلى أجل غير معلوم. ولا بد أن أوضح غرض الموضوع وهو يتلخص بنقطتين هامتين:
الأولى: استحالة أن تكون أمريكا وسيطا نزيها للسلام أو راعيا له ولن تستطيع أن تقدم سلاما مقبولا وعادلا لأن إسرائيل تمسك بها من أماكن حساسة وبالتالي فإن هذا يعتبر بمثابة رصاصة الرحمة على نظرية “الحل من أمريكا“.
والثانية: أنه ما لم يستفق العرب من غفلتهم واستنامتهم ويضعوا رؤية ومشروع موحد فسنظل في خانة المفعول به إلى أن يشاء الله.وعلى ذلك، فلنستعن بالله ونفتتح أفكار هذا الموضوع.BBC. USS Liberty: Dead In The Water

إنه بلا شك أحد أكثر ملفات حرب 1967 سرية وغموضا وإثارة للفضول. ورغم أن هذه الحرب المشؤومة والتي أطلق عليها العرب مصطلح “النكسة” وأطلق عليها الغرب “حرب الأيام الستة” نوقشت بالكثير من الأروقة والمناسبات والدورات والكتب والسير الذاتية للقادة السياسيين والعسكريين والمؤرخين، إلا إن حادثة الهجوم على السفينة الأمريكية ليبرتي لا يزال إلى يومنا الحاضر مليئا بالطلاسم والألغاز والتكهنات التي لم تحسم رغم مرور 43 عاما على وقوعها على مقربة من سواحل العريش-غزة في شمال سيناء في الجانب الجنوبي الشرقي من البحر الأبيض المتوسط وبتاريخ الثامن من يونيو عام 1967، أي بعد اندلاع الحرب بيومين أو ثلاثة. وقبل التطرق للتفاصيل أود الإشارة إلى أنني سأعتمد كمراجع أساسية للموضوع الاستاذ محمد حسنين هيكل وما تطرق إليه من تفاصيل حول الواقعة عبر برنامجه “تجربة حياة” على قناة الجزيرة. وعلى ما تفضل بعرضه المناضل المصري د. يحيى الشاعر عبر العديد من المواقع والمنتديات منها موقع حقائق مصر ومنتدى المطاريد وغيرها الكثير. وكذلك سنعتمد على الموقع الرسمي لضحايا السفينة ليبرتي USS Liberty Memorial. إلا أن الغرض من الموضوع ليس التعرض لتفاصيل الحادثة وتداعياتها -رغم حيويته وأهميته- بل بدرجةأهم الإشارة لمكامن الخطر وعلى استمراره بتهديد وجودنا كأمة لا تزال تحاول البحث عن مصيرها وتحديد آليات وجودها وبناء مستقبلها أمام كم كبير من التهديدات والأخطار الماحقة التي لا تتربص فقط بدور هذه الأمة بل إلى صميم وجودها ووجدانها. وسنبرهن بعرض مثال على هذه الأخطار عمليا بالموضوع.

هجوم “إسرائيلي” على سفينة أمريكية:
تفاصيل المفاجئة

حكاية الهجوم على السفينة ليبرتي تم تداولها كثيرا والسر لا يكمن بالهجوم عليها فقد حدث هذا جهارا نهارا، ولكن الغموض ينبع من الدوافع الكامنة وراء ذلك الهجوم المحير وما تبعه لاحقا من أحداث سياسية مفاجئة وصاعقة. والقصة لمن لا يعرفها تتلخص بالتالي:

قبيل اندلاع حرب “النكسة” عام 1967 ما بين الدول العربية والكيان الصهيوني يوم الخامس من يونيو، وصلت لمشارف البحر المطل على سواحل سيناء وقريبا من غزة سفينة أمريكية تابعة لوكالة الأمن القومي الأمريكية NSA تدعى USS Liberty. وكانت هذه السفينة، غير المسلحة، تعتبر من أحدث السفن والمراكب البحرية العسكرية تطورا وتقنية من ناحية القدرة على التقاط أي موجات لاسلكية هوائية أو أي إشارات برقية أو حتى اتصالات مشفرة لأي طرف وبكل اللغات. ويبدو أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA قد استعارت خدمات هذه السفينة من وكالة الأمن القومي قبيل اشتعال الحرب بالمنطقة لهدف معين (وهو ما سنناقشه لاحقا). وعند تمركز السفينة بالمواقع التي أشرنا إليها آنفا وبعد مرور يومين كاملين على الحرب، لاحظ قبطان السفينة (وليام ماكجونجيل) بصباح الثامن من يونيو أن طائرات استطلاع أخذت تحلق فوق السفينة، وكان متيقنا من أنها طائرات إسرائيلية وبالتالي لم يكن قلقا -لأنهم طبعا حلفاء- ولأن السفينة كانت أعلامها وراياتها أمريكية بوضوح، ولكنه زيادة بالإطمئنان أمر برفع علم أمريكي عريض على سطح السفينة حتى لا يحدث مجال للخطأ. وكان كل جنود وضباط السفينة بحالة استرخاء تام بل أن بعضهم كانوا شبه عرايا لأنهم كانوا مستغرقين بحمام شمس! ولكن مع حلول منتصف النهار انقضت عليهم طائرات مجهولة حطمت من حالة طمأنينتهم وشتت من استرخائهم. فهاجمتهم هذه الطائرات التي قيل أنها من نوع ميراج ذات أجنحة مثلثة الأجنحة ودكت السفينة دكا وركزت بهجومها أولا على اللاقطات والهوائيات وعندما حاول البحارة الأمريكان إرسال إشارة استغاثة تبين أنهم كذلك تعرضوا لعملية تشويش مركزة حتى لا يتمكنوا من إرسالها. إلا أن مأساة هؤلاء البحارة لم تتوقف عند هذا الحد، حيث حدث ما لا يتمنونه وهم بهذه الحال فهجمت عليهم زوارق إسرائيلية وأطلقت عليهم الطوربيدات المتتالية. ويبدو أن هجمات الطيران بالنسبة للسفن أرحم من إطلاق الطوربيدات لأن مع الأولى تكون هناك فرصة للنجاة، أما مع تفجير الطوربيدات فإن الموت قادم لا محالة خاصة إذا ما أصابت غرفة المحركات. وبعد أن أمعن المهاجمون بضرباتهم يبدو أنهم لم يجهزوا على السفينة تماما، حيث تقول بعض الروايات أن سفينة سوفييتية تواجدت بالقرب من مكان الواقعة مما جعل الصهاينة يوقفون هجومهم المفاجيء على السفينة الأمريكية حتى لا ينكشف أمرهم أمام العالم. إلا أن الهجوم أوقع 34 قتيلا أمريكيا و174 جريحا ما بين جندي وضابط ومدنيين من المحللين والمترجمين وغيرهم. والغريب كما يذكر الذين نجوا من الحادثة أن المهاجمين الصهاينة أطلقوا النيران بشكل متسق على قوارب النجاة حتى لا يتمكن أي من الجنود الموجودين على ظهر السفينة من “النجاة” حتى لا يظهر عليهم أي دليل لاحقا. وقد تعتبر هذه أول ضربة تتلقاها القوات المسلحة الأمريكية دون أن تلجأ لحق الضربة الانتقامية Retaliation كما جرت عادتها كقوة امبراطورية كبرى بالعالم. ولكن ما كان خفيا وسنناقشه تاليا أن بعضا من القوات الأمريكية كانت قد تجهزت وعلى وشك القيام برد مزلزل بعد الحادثة مباشرة. فكيف كان سيقع ذلك؟ وضد من؟

 

تصوير الجنود الأمريكان لطائرات
الهيلكوبتر الإسرائيلية وهي تسقط طوربيدات بحرية

مقاتلة إسرائيلية مهاجمة تحلق فوق
السفينة كما صورها جنود ليبرتي

زورق طوربيدات إسرائيلية يقترب من السفينة

معدات التجسس والتنصت المتطورة بالسفينة قبل الهجوم

وحالتها بعيد الهجوم

ضربت “إسرائيل” -أو بالأصح الكيان الصهيوني- سفينة أمريكية حريية غير مسلحة في عرض البحر، فما علاقتنا نحن بذلك؟ قد يتساءل إنسان بمثل هذا التساؤل الذي يبدو مشروعا. لكنه تساؤل يقترب نحو السذاجة ولا يتعمق بتداعيات هذا الأمر الخطير. وبالتالي، يجب علينا هنا أن نطرح بالمقابل تساؤلا بديهيا:

لماذا أرسلت الولايات المتحدة السفينة ليبرتي لمنطقة الحرب قبيل اندلاع الحرب؟

الجواب يكمن فيما أورده الاستاذ الكبير محمد حسنين هيكل عبر برنامجه “تجربة حياة” بقناة الجزيرة، حيث عرض معلومات مثيرة للاهتمام -وهو ما لم يعرضه الفيلم الوثائقي- وتشير إلى أن الأميركان كانوا يريدون من الصهاينة إيقاع الأذى بمصر وتحديدا عبر تحجيم دور الرئيس جمال عبد الناصر كرمز استقلالي عربي مناهض لمشروع الهيمنة الغربية على الشرق الأوسط. ولكنهم، أي الأمريكان، لم يرغبوا بأن تخرج “إسرائيل” عن هذا الدور المحدد بحيث أنهم لم يوافقوا على أي هجوم إسرائيلي على الأردن التي كانت آنذاك تضم الضفة الغربية لمملكتها وذلك لأن الملك حسين يعتبر حليفا لأمريكا والغرب، وكذلك لم يوافقوا على أي هجوم ضد سورية خشية حدوث رد انتقامي من الاتحاد السوفييتي الذي يمول ويتحالف مع السوريين بشكل أكبر. فأرسل الأمريكان سفينة التجسس ليبرتي للتحقق والاطمئنان من أن الإسرائيليين ينفذون هذا الدور المرسوم لهم ولا يخرجون عنه قيد أنملة، لا سيما وأنهم قاموا بتطمين الملك حسين الذي كان يعاني من ضغوط شعبية هائلة تطالبه بضرورة المشاركة بالحرب مساندة لمصر وسورية. ولكن حكام تل أبيب كان لديهم مخططات أخرى مختلفة تماما عن الخطة الأمريكية عبر الجبهة الشرقية أمام الأردن وسورية، فقد كانوا يرغبون بشدة بالحصول على كنز الحرب الثمين ألا وهي القدس الشريف التي كانت بحوزة المملكة الهاشمية ورغبوا كذلك بالسيطرة على مرتفعات هضبة الجولان الاستراتيجية تحت أي ثمن. ويشير الاستاذ هيكل إلى أن المسؤول عن الجبهة ضد الأردن وسورية كان موشي ديان، فيؤكد هيكل أنه بناء على تحليلات كثير من المؤرخين أن جميع القادة العسكريين الصهاينة بتلك الحقبة تبرؤوا بوضوح من مسألة الهجوم على ليبرتي وأخلوا مسؤوليتهم عنها ما عدا ديان الذي لم يذكر الحادثة بتاتا بمذكراته مما يجعل من أصابع الاتهام تتوجه نحوه بقوة وهو الذي تم تعيينه وزيرا للدفاع قبيل اشتعال الحرب بفترة قصيرة. فدايان لم يكن يرغب بأن تنكشف جميع خططه الطموحة بتوسيع النجاح الذي حققته القوات الصهيونية وخروجها عن إطار الهجوم على سيناء وانكسار أسطورة جمال عبد الناصر العربية وهو ما كانت تريده الولايات المتحدة، ويبدو أن ما تمناه موشي ديان تحقق بفضل التخاذل والتواطؤ الأمريكي ناهيك عن الضعف العربي بالدفاع عن أراضيهم آنذاك. ولهذا فإن هذه المعلومات قد تشكل إجابة لتساؤل جنود السفينة ليبرتي وعائلاتهم وهو من الذي أصدر أمر إطلاق النار على السفينة.

لم يقدروا على الصهاينة
فأرادوا ضربنا بالنووي

لكن الكارثة الكبرى أيها الأخوة والأخوات هو ما حدث تاليا من تداعيات لضرب السفينة الأمريكية ليبرتي. فالقوات الأمريكية المتمثلة بالأسطول السادس والمتواجدة قرب جزيرة كريت في البحر الأبيض المتوسط وبعد أن أتتها إشارة الاستغاثة من ليبرتي أن هجوما مفاجئا وقع عليها، اعتقدوا كما يبدو أن القوات المصرية هي التي قامت بهذا الهجوم. فبادرت قيادة الأسطول السادس وبشكل جنوني أخرق إلى إطلاق طائرات تحمل رؤوسا نووية بهدف قصف القاهرة بأسلحة الدمار الشامل الفتاكة بغية الانتقام -حسب ظنهم المشوّه- من ضرب المصريين للسفينة ليبرتي. ويجزم البرنامج الوثائقي أن الطائرات النووية كانت على بعد دقائق قليلة من القيام بهذا العمل الإجرامي الأهوج حسب شهادات العديد من الضباط في حاملة الطائرات “أميركا” (بينما يقول الاستاذ هيكل أنها “ساراتوجا” وقد لا تكون الأخيرة هي المكلفة بإطلاق الطائرات النووية A-4 بل فقط بإغاثة السفينة ليبرتي). لولا أن لطف الله هو المحيط بنا، حيث اتصل باللحظة الأخيرة روبرت ماكنمارا وزير الدفاع الأمريكي بقائد الأسطول (الأرعن) وأمره بإعادة الطائرات مرة أخرى وألا تقوم بأي عمل. وكان هذا منطقيا لولا أنه “زودها شوي” وطالبه بعدم إرسال حتى طائرات إغاثة للسفينة ليبرتي وهو ما استنكره قائد الأسطول فدخل الرئيس جونسون على الخط وأكد أمر وزير دفاعه، فتركوا جنود السفينة يواجهون أشنع ليلة بحياتهم أجمعين.

امرأة فاتنة وراء الحرب وكارثة ليبرتي

وعند المصائب فتش عن المرأة. والمرأة هنا مثلت عامل تحول جزئي ولكن شبه حاسم بسير حرب عام 1967. لقد جنّد اللوبي اليهودي امرأة غاية بالجمال واللباقة والذكاء ألا وهي ماتيلدا كريم لكي تصل إلى أعلى مستويات القرار السياسي بالولايات المتحدة، إلا إنها كما يبدو وصلت لما هو أخطر من ذلك ألا وهو قلب الرئيس الأمريكي جونسون رغم أنها متزوجة من السيد آرثر كريم وهو يهودي من أصول أوروبية شرقية أو تركية وتبوأ منصبا وهميا وهو “مستشار الرئيس جونسون” ثم استلم رئاسة عدد من شركات الانتاج السينمائي في هوليود. ويذكر الاستاذ هيكل أن الرئيس كان يستضيف ما تيلدا في البيت الأبيض فما أن أتاه خبر اندلاع الحرب بعد منتصف الليل حتى ذهب إلى حجرتها ليطرق الباب ويخبرها بهذا “النبأ السعيد” وأن كلاهما يعرفان من بدأ بالحرب. وكما يبدو أيضا أن هذه السيدة، التي أصبحت تهتم بمسائل الفن والأمور الاجتماعية والطبية، نجحت بإقناع جونسون أن انتصار إسرائيل بهذه الحرب بمثابة انتصار له شخصيا وبالتالي لا بد من اختفاء هذه السفينة ليبرتي والتي تهدد من زخم هذا الانتصار الكاسح على جميع الدول العربية ومن تماهي الرئيس جونسون مع هذا النصر الملطخ بدماء الأمريكييين لا سيما وأن هذا الرئيس “المتواطيء” كان خائبا بحربه الفاشلة في فييتنام بذلك الوقت ويريد تعمية أبصار الرأي العام الأمريكي عن هذه الخيبة وأكياس الجثث التي تصل تباعا من فييتنام. فوجد من اقتراحات ماتيلدا كريم معينا له كما وجد من أحضانها الدافئة متاعا له بتلك الليال الطوال. وقد أشار القنصل السياسي الأمريكي في القاهرة بالبرنامج الوثائقي ريتشارد باركر بوضوح إلى كذب ليندون جونسون عليهم كذبا صريحا فيما يخص مسألة التستر والتكتم على جريمة إسرائيل النكراء بقتل الجنود الأمريكان بدم بارد، وهذا يؤكد أن ليندون جونسون كان متواطئا بل ومنبطحا لجميع الرغبات الصهيونية، ولو أن الأمور أخذت منحى طبيعيا لكان قد اتهم بالخيانة العظمى High Treason لأنه لم يتستر وحسب على الجريمة بل تآمر لتنفيذها منذ البداية بعد أن انبطح لرغبات اللوبي الصهيوني عبر محبوبته الفاتنة ماتيلدا كريم. ومن المهم الإشارة كذلك أن جميع الرؤساء التسعة بدءا من جونسون وحتى باراك أوباما رفضوا تماما إجراء تحقيق رسمي لمعرفة الجهة الإسرائيلية التي أصدرت الأمر بإطلاق النار على السفينة ليبرتي وطاقمها المنكوب بالجريمة المتعمدة.

ليندون جونسون باليمين ويبدو بوسط الصورة
ماتيلدا كريم وزوجها آرثر كريم

ماتيلدا كريم تتلقى ميدالية الحرية الرئاسية لجهودها
بمكافحة السرطان والإيدز عام 2000،
بعد أن كافحت السلام بالشرق الأوسط!

القدرة الأمريكية على رعاية السلام:
شعار رنّان وبيع وهم بالمجان!

وكل هذه الحقائق المثبتة والمدونة رسميا عبر محاضر ووثائق رسمية أفرجت عنها كل من السلطات الأمريكية والبريطانية بعد مرور 25 أو 30 سنة عليها، يدعو بنا للتوقف أمام تساؤل هام ألا وهو: هل حكومة الولايات المتحدة قادرة على إرساء السلام بمنطقة الشرق الأوسط وإجبار إسرائيل على تطبيق مبدأ الأرض مقابل السلام كما نصت عليه الشرعية الدولية؟ لا بد أن ندرك أن أول من تبنى نظرية “الحل عند أمريكا” هو الرئيس الراحل محمد أنور السادات وكان يشاركه بذلك بعض دول الخليج والأردن والمغرب، وكان هذا أمرا مفهوما لتحريك القضية بعد أن تجمدت إثر مبادرة روجرز عام 1970. ولكن من يقرأ مذكرات معظم وزراء الخارجية المصريين الذين عاصروا الرئيس السادات إبان الفترة التي تلت حرب أكتوبر لن يستوعب أسباب تسليم جميع الأوراق للأمريكان تحت شعار أنهم سيضغطون على الصهاينة لتحقيق السلام (والسلام فقط). لأن قضيتنا ليس سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة فهذه أراض احتلتها إسرائيل من خلال الحرب وستعود لأصحابها إن عاجلا أو آجلا، بل قضيتنا تكمن بفلسطين المحتلة نفسها، وإلا لماذا خضنا حروب 1948 و1956 و1967 والاستنزاف و1973؟ فالواضح أمامنا أن الأمريكان لم ولن يقدروا على حل القضية لأسباب داخلية:

* تتعلق بتغلغل النشاط الصهيوني واليهودي بأمريكا
* والمصالح الحيوية التي يسيطر عليها اليهود الموالين للصهيونية اقتصاديا،
* وتعقد الصورة المذهبية اليمينية لمسيحيي أمريكا وتحالفهم مع وجود هذا الكيان.

ولأسباب خارجية:

* لاعتماد أمريكا طوال الحرب الباردة على إسرائيل التي أثبتت كفاءتها بهذا الجانب،
* وتشتت العرب وتفرقهم طوال تاريخهم المعاصر بعد انهيار الدولة العثمانية (وهو ما سنناقشه بموضوعنا القادم بحول الله).

وبالتالي فإن فكرة وضع جميع أوراق اللعبة الاستراتيجية سواء سابقا أو لاحقا بيد أمريكا على أمل أن تقدم لنا سلاما نتظلل بظله هو مجرد وهم يعشش بمخيلة الضعفاء الذين استسلموا للواقع المرير وتخاذلوا عن الاجتهاد لرقي أمتهم كما تجتهد جميع الأمم الأخرى، وهذا ليس بالصعب لأن الساحة مفتوحة للجميع ولكن لا بد من توفر عقول ذكية تفكر وتقرأ وتحلل الواقع لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للأمة وحمايتها من الأخطار المتربصة.

الخطر النووي والدرع العربي

ولعل الفكرة الكابوسية التي عرضها البرنامج الوثائقي والمتمثلة بالنية الأمريكية بقصف القاهرة نوويا بعد ضربة السفينة ليبرتي -وهو ما لم يتطرق إليه الاستاذ هيكل ببرنامجه الأسبوعي آنذاك- تقودنا إلى التفكير بجدية ومسؤولية حول ضرورة وضع رؤية عربية موحدة لتشكيل درع عربي واقي ضد أخطار أسلحة الدمار الشامل. ورغم أن العمل الجماعي العربي أصبح كالنكتة التي تلوكها ألسن المتندرين والمتفكهين، إلا إننا لو تخيلنا -لا سمح الله- أن الأمريكان نفذوا ما كانوا يهمون به من قصف القاهرة بالرؤوس النووية ما الذي كان سيحصل؟! ستكون كارثة وطامة كبرى على رؤوس العرب أجمعين بلا شك. ومجرد التفكير بهذا الأمر يعد كابوسا يقض المضاجع وجاثوما يفزع النائم بعز نومه. وقد يقول قائل: “على مهلك يا صاح! هل من المعقول أن تنطلق قنابل نووية دون قرار استراتيجي من الحكومة الأمريكية ورئيسها؟ فالعملية ليست بهذه البساطة.” فأرد أن هذا استفسار استنكاري منطقي وفي محله. ولكن ما أدرانا يا صاح أنه لا توجد هناك مادة قانونية ما تجيز للقوات المسلحة التي ترى عملا عدائيا واضحا استخدام “قوة ردع نووية” مباشرة ودون الرجوع للحكومة الأمريكية وأذرعها المتشعبة؟ ثم أننا لماذا أصلا نضع مصيرنا تحت يد الأمريكان أو السوفييت ونزواتهم التي لا يمكن تخمين عواقبها؟ قد يحتاج أمر وجود مادة قانونية أمريكية كالتي أشرنا إليها دراسة للقوانين الأمريكية العسكرية وقوانين التشابك العسكري Rules Of Engagement، ولكن إن فكرنا بالأمر قليلا لا بد أن نتساءل: كيف يطلق قائد الأسطول السادس طائرات نووية وتكون على بعد بضعة دقائق من أهدافها بالقاهرة دون أن يكون تحت يده مسوغ قانوني بهذا الفعل؟ يقول الاستاذ هيكل أن إدارة الولايات المتحدة شبيهة بجسم الآلهة الهندية “كالي” وهي آلهة شريرة تعتمد القتل والحرب ميقاتا للحياة، وهذه الآلهة تمتلك أذرعا متعددة كل منها يعمل بشكل شبه مستقل لتنفيذ الفكرة التي تعتمر برأس الجسم. وهذا التشبيه المتميز يصف بالضبط حالة تعدد أقسام الحكومة الإدارة الأمريكية وتنوع مخططاتها لتنفيذ الفكرة الرئيسية التي تشغل بال رأس الجسد الأمريكي. فالبرنامج الوثائقي الذي بحوزتنا يشير لمؤامرة واضحة من الرئيس الأمريكي وبعض أعوانه لتنفيذ خطة استراتيجية سرية تسمى “سيانايد” حيكت بشهر أبريل من عام 1967 أي قبل الحرب بشهرين وهي ما بين بعض الوحدات الاستخباراتية الأمريكية وبين الموساد الإسرائيلي تفضي إلى توريط أمريكا بالحرب بأي شكل مما يدفعها للهجوم على مصر واحتلالها حسب ما ذكره كل من الفيلم الوثائقي والاستاذ هيكل. وهذا يعد بمثابة خيانة واضحة من إدارة الرئيس جونسون لكل هؤلاء الجنود القتلى والجرحى وعائلاتهم وهذا لا يهمنا بشيء (نارهم تاكل حطبهم)، وهذا دليل على التغلغل والتماهي الشديد مع الكيان الصهيوني واعتباره الولاية رقم 51 وهو ما يهمنا بدحض نظرية “الحل الأمريكي” وإلى الأبد. فهم لم ينجدوا ابناء جلدتهم العسكريين من عملية ذبح مقصودة ومبيتة بوضح النهار فكيف نراهم يساعدوننا بحل قضيتنا المركزية وهي التي لا تعنيهم بشيء. إن هذا تفكير يدعو للرثاء والسخرية.

السيد عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية الحالي

الخلاصة: أمم تخطط وترتب وتنسق وتنفذ

يقابلها

عرب تتنابز وتغفل وتستنيم

وبالمحصلة من هذا كله، فإن الحادثة تشير إلى نفوذ صهيوني عميق وغير بسيط بالأوساط والدوائر الأمريكية، ويصعب حتى على الغربيين فهمه كما أقر بذلك صراحة هذا البرنامج الوثائقي. وبالتالي، فإن هذا الوضع لا بد أن يقابله ترتيب أوراق من الجانب العربي المتبعثر وتنظيم لأولياتهم وتحسين للغة تخاطبهم البيني ووضعهم أمام تحديات العصر. وهي مسألة غاية في الصعوبة ولا يمكننا الاعتماد على منظومة الجامعة العربية بصورتها الحالية بتنفيذها. فلعل معظم الناس لا يدركون أن من وضع فكرة تأسيس هذه المنظومة هم البريطانيين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حتى يسهل التعامل معهم، ومسمى “الجامعة العربية” هو ترجمة غير دقيقة للاسم الأصلي Arab League الذي يشير لمعنى الرابطة أو العصبة أو الالتقاء، ومن هذا المسمى نستشعر عدم جديتها كمنظمة تصدر قرارات لا يلتزم بها أحد وتوصيات لا يطبقها أي طرف. ويمكنني أن أضيف على ذلك أن منظمة مجلس التعاون الخليجي أيضا لم تنجح هي الأخرى بأن تقدم نموذجا قابلا لأن يميزها أو يجعلها تتسم بالجدية وتحقيق مصالح الشعوب بالدرجة الأولى رغم تماثل أنظمة دول الخليج العربي وتشابه ظروفها. فزمننا الحاضر يحتاج لإعادة هيكلة صريحة لمنظمة مثل الجامعة العربية التي يطالب الكثير بأن تكون على غرار المفوضية الأوروبية ينتخب بها مفوضا عاما ما بين الدول الأعضاء وتفعل قراراتها بصيغة الأغلبية وليس الإجماع كما هو معمول به حاليا وتكون إلزامية على الجميع. وهو ما سعى إليه بشكل حثيث الأمين العام الحالي السيد عمرو موسى. لكن هناك عقولا متجمدة لا تسعى نحو التطوير والإصلاح، ولو تأملوا وتمعنوا كيف أن ألمانيا الدولة الرئيسية والمحورية بالاتحاد الأوروبي توافق على انتخاب مفوض عام من هولندا أو لوكسمبورج أو الدنمارك لكان تخلوا عن التعصب المذموم ومبدأ “أنا الأكثر فهما وقوة وعددا وغيري فلا”. فالأمور لا تقاس بالكم بهذا العصر بل بمستوى التفكير والعقلانية والاجتهاد والإخلاص. ولا بد من التخلص من التشرذم والتقوقع حتى ننجح بوضع قدم ما بين الأمم التي سبقتنا بعد أن كنا بالماضي القريب متفوقين عليها، ولن أقول هذه المرة كوريا الجنوبية أو ماليزيا كالعادة، بل إيران أصبح لها موقع مميز عالميا فأخذت القوى العالمية تحترمها وتعطيها وزنها الذي يساوي مجهودها الذي تبذله. فأمريكا وإن كانت تهدد إيران علنا إلا إنها تجري حوارا هادئا وناعما معها منذ ما يزيد عن سبع سنوات، وسمحت لها بالتمدد في العراق حيث لا تتشكل حكومة إلا بعد موافقة طهران ورضاها، وهي نجحت قبل ذلك بالتمدد في سورية ولبنان ولها أذرع طويلة تمتد لأفريقيا حيث لها وجود قوي في موريتانيا ومالي والنيجر وقد تشيع منذ مدة رئيس جمهورية القمر، ويمتد ذراع إيران إلى دول أمريكا اللاتينية كذلك. ولكن إيران تهدف أيضا إلى السيطرة على الضفة الغربية من الخليج العربي وهنا الطامة. فإين العرب وجامعتهم من كل هذه الأمم التي تخطط وتنفذ؟ ليس لهم وجود طبعا، فكل منهم يتندر على الآخر ويستهزيء به بل وقد يتآمر عليه. ولا نعلم إن كانت ألطاف الله ستنجينا في حال لو فكر أي مقامر غربي بحياة الشعوب بقصفنا نوويا بأي زمان وأي مكان.

الترجمة المئوية: سماعية… لقضية سياسية

ترجمة الفيلم الوثائقي USS Liberty: Dead In The Water سماعية بالكامل بلا أي نص متوافق إنجليزي أو أي لغة أخرى، وآمل أن تنال المستوى المطلوب لرضى المشاهدين الكرام. وقد احتوى الحوار على بعض المصطلحات العسكرية التي تمكنا منها بعون الله، وقد ورد مصطلح لم أجد له إلا مصدر واحد وهو ما أورده د. يحيى الشاعر في منتدى حقائق مصر وكذلك المطاريد، والمصطلح هو للعملية السرية الاستخباراتية مع الموساد (ساينايد). والحوار بشكل عام لم يتسم بالصعوبة سوى ببعض الأجزاء التي يتحدث بها بعض كبار السن من جنود السفينة ليبرتي وأصواتهم المتهدجة. ومن ناحية أخرى، لا أنكر استمتاعي بل وحتى ضحكي الشديد أحيانا على تضارب الأمريكان مع الصهاينة وتكذيبهم لبعضهم البعض بشكل مباشر والإحراج الشديد البادي على وجه المسؤولين الأمريكان والإسرائيليين. وأكثر ما أضحكني هو موقف روبرت ماكنمارا الذي تلقى وابلا من الهجوم من قبل اتهامات الجنود بتواطئه مع جونسون مما دعاه لإنكار معرفته بأي شيء جرى بذلك اليوم، ثم طفح به الكيل بآخر البرنامج ورفض التعليق على اسألة المذيع البريطاني. وكذلك أثار ضحكي ذلك المسؤول الصهيوني العجوز بالموساد الذي حشره المذيع بالسؤال عن الخطة (سايانايد) فتلعثم وتوقف وأخذ يكتب بالهواء.

تعتبر هذه الترجمة هي الحادية عشر من الترجمات السماعية التي قمت بها. وأعني هنا ترجمة سماعية لفيلم كامل من الألف إلى الياء وأحيانا من دون ملف متوافق بأي لغة غير إنجليزية. ومع هذه الترجمة الجديدة، اسمحوا لي بالاحتفال معكم بصدور ترجمتي المائة هنا بقسم الترجمات الوثائقية، حيث صدرت أول ترجمة لي بموقع الديفيدي والانترنت بتاريخ الأول من ديسمبر عام 2006 رغم أنني عضو بالمنتدى قبل هذا التاريخ بعامين تقريبا. وعلى مدار المائة ترجمة هذه، تنوعت الأعمال ما بين أفلام آسيوية وأوروبية وأمريكية وأمريكية كلاسيكية، أما الأعمال الوثائقية فهي تشكل بالنسبة لي عشقا خاصا اندفعت له بقوة ولعل من أهم الأسباب التي جعلتني أتجه للأعمال الوثائقية هو حالة التوتر التي تعيشها المنطقة منذ غزو العراق عام 2003 حيث اتجهت نحو الأعمال السياسية التي تناقش وضع منطقتنا المتأزم منذ الأزل واتجهت كذلك للأعمال التاريخية التي نواجه ندرتها النسبية هنا بالديفيدي مقابل الكم الكبير من أفلام الطبيعة والحياة البرية. وكل هذه المجهودات الشاقة أحيانا تشعرني بالسعادة والرضى لتعميم الفائدة على جميع من يرغب بالمعلومة دون تحريف أو تضليل. فرغم أحاديث الصهاينة السمجة في معظم الوقت، فإن المترجم المحترف عليه أن يتسم بأمرين ضروريين: –الموضوعيةالأمانة. حتى لو سمع المترجم أو قرأ ما يكره، لأن دوره يتمثل بكونه مرآة تعكس ما يثار بالطرف الآخر ومتى ما كان غير شفاف أو غير واضح أو سلس فلن يتمكن من أداء دوره المأمول منه. أفخر بهذه التجربة كوني تلقيت تشجيعا ودعما معنويا ونفسيا خلابا من الأعضاء المتابعين والزملاء المخلصين، وهو سيمنحني دافعا بإذن الله لإكمال المسيرة وكسر حاجز المائتي ترجمة إن كان للعمر بقية.

USS

رابط يوتيوب كامل للفيلم

رابط الترجمة لمن يريده منفصلا

من هنا

رابط تورنت للنسخة عالية الجودة

BBC.USS.Liberty.Dead.In.The.Water.(2002).WS.PDTV.X viD-HV

من هنا

رابط تورنت لنسخة متوسطة الجودة

من هنا

وبالنهاية أتمنى أن تجدوا فائدة من الموضوع والترجمة
وصورة منطقية مفهومة توضح مثل هذه الأسرار والغموض
علنا نفك شيفرات مستقبلنا المبهم.

تقبلوا مني أطيب تحية

فيصل كريم

One response to “يوم كادت القاهرة أن تُقصف نوويا – إسرائيل تدمر سفينة عسكرية أمريكية – ترجمة الفيلم الوثائقي Uss Liberty Dead In The Water (BBC)

  1. التنبيهات: قطع الذراع الطويلة (2-2)-قصف مفاعل تموز والشهيد بإذن الله يحيى المشد- ترجمة Raid On The Reactor | faisal175·

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s