الإسكندر المقدوني وصراع الحضارات والتقائها – الترجمة المشتركة للنسخة الممتدة النهائية Alexander (Final Cut) للمخرج أوليفر ستون

بسم الله الرحمن الرحيم

نقدم لكم أيها الاخوة الكرام ترجمة النسخة النهائية الممتدة لفيلم مكلف وضخم من أعمال المخرج الأمريكي المخضرم أوليفر ستون. ويسعدني أن تتحقق هذه الترجمة مع الأخ العزيز الاستاذ طارق عبد الهادي الذي شرفني بهذا العمل المشترك وقدم لي منظورا جديدا عن قيمة الأعمال المشتركة الثنائية والمدى الذي من الممكن الذي تحققه من النجاح. ولا شك أيها الاخوة أن هذا العمل قد قام بترجمته كثير من الاخوة المترجمين الأفاضل من الذين سبقونا هنا بالديفيدي، ولكن ما دعانا لترجمته مرة أخرى عدة عوامل منها أن النسخة النهائية لم تترجم لضخامتها وطول سطورها الذي تجاوز الألفين سطر. وكذلك كون العمل بحد ذاته تاريخي ويتطلب دراسة دقيقة لأسماء الأعلام والشخصيات والمواقع والحقب التاريخية المعنية. بالاضافة لعامل اللغة العميقة الكلاسيكية المطلوبة لهذا العمل حتى يصل المشاهد للجو النفسي والمعنوي المطروح. وهذه العوامل نزعم أننا نمتلك قدرا من الإلمام بها، فإن أحسنا كان بها وإن أخطأنا كان لنا أجر الاجتهاد، وما التوفيق إلا من عند الله.

Alexander

الإسكندر

قام المخرج أوليفر ستون بعمل انتاجي كبير تكلف دعاية كبرى عن فيلم الإسكندر بشتاء العام 2004 وقد وصلت هذه التكلفة عموما إلى مبلغ 150 مليون دولار أمريكي عدّا ونقدا. وكانت الدعاية هائلة إلى درجة أنني شاهدت الممثلة المصرية المعروفة هالة صدقي تروج للفيلم تلفزيونيا فظننت أنها مشتركة بطريقة ما بالعمل لكن ظني خاب لاحقا. وبعد هذه الدعاية والانتاج الكبيرين، خرج لنا أوليفر ستون بما لم يكن بالحسبان. قراءة عصرية قاصمة وفاضحة وفاحشة عن التاريخ لهذه الحقبة. الواقع أننا نتحدث عن عمل ضخم ومخرج له باع طويل بالسينما ومفرداتها وتقنياتها وقد التزم في أحيان كثيرة -خاصة بمشاهد المعارك الدامية- بالتوصيف الصحيح للأحداث قدر الإمكان. لكننا نتساءل من المعيب هنا: هل هو عصر أوليفر ستون بما فيه من قراءات غريبة؟ أم المعيب هو أوليفر ستون نفسه عبر رغبته الواضحة بإسقاط المعاصرة على روح التاريخ؟ القاريء الذكي لا بد أنه ملم بالاجابة. اتفق معظم النقاد السينمائيين على عدم جدوى منظور ستون بهذا العمل فضلا عن فداحة الأخطاء المرتكبة انتاجيا واخراجيا وأدت لعدم تقبل الجمهور وخيبة أمله من هذا العمل، لأن معظم الناس توقعوا أنه سيحطم اسطورة The Gladiator وسيكسر مجد Troy. لكن الحقيقة التي تمثلت أمامنا أن العمل لم يحقق أيا من هذا على الإطلاق، ورغم أن العمل كان يمتد لقرابة الثلاثة ساعات بنسخته الأصلية ثم قام ستون بتقليصها لمدة ساعتين و47 دقيقة بنسخة المخرج ثم قام بوضع كل ما لديه عبر النسخة النهائية هذه بمدة ثلاث ساعات و34 دقيقة، إلا أن كل هذه التحركات لم تشفع بإعطاء العمل نقلة نوعية تحركه من قصور هذه الرؤية السينمائية الخطيرة. فاختيار الشخصيات كان متناقضا وأداءها كان غريبا، فهو قد اختار كولين فاريل بدور الإسكندر عبر لكنته الإيرلندية البعيدة عن روح التفاعل مع الشخصية وأداء انفعالي غير متوازن. واختار أنجلينا جولي بدور الملكة أوليمبيا وجعلها تتحدث بلكنة أقرب للروسية الغريبة رغم جودة أدائها. أما دور الملك فيليب فحدث ولا حرج حيث أداه فال كيلمر بلهجة الكاوبوي المغامر! الناتج خليط غير منسجم تتلقاه أذن المشاهد مما يدخل العمل بدائرة عدم الجدية والاستهتار. وقد سقط العمل بهفوات يمكن للملاحظ البسيط أن يشاهدها مثل انتقال الندبة بوجه بطليموس (أنتوني هوبكينز) من اليمين لليسار بالفيلم، لكن هذا معتاد جدا بالأعمال الكبيرة، قارن مثلا مع فيلم كينج كونج للمخرج بيتر جاكسون. ويذكر بعض النقاد أن الفيلم بدأ باسوأ سيناريو ممكن أن يبدأ به أي عمل تاريخي، وهي لحظة موت الإسكندر، ثم السرد الطويل المبالغ على لسان بطليموس وهو ما ليس له داعي هنا إطلاقا. لكن الطامة بالعمل، تمثلت بالمبالغة والإكثار من عرض الصورة “الفحشوية” -إن جاز التعبير- إلى درجة أنه جعل منه موضوعا شبه رئيسي أي علاقات الإسكندر الرجالية العذرية منها كما في حالة صديق طفولته (هيفاستيان) أو الدنيئة منها كما في حالة غلامه “باغواس”، وكلاهما سيان بالنتيجة. والسؤال نوجهه للسيد ستون: ما فائدة المشاهد لكي يرى مثل هذا الانحلال الواقع عبر التاريخ؟ نعم، لقد كانت ظاهرة “الغلمان” موجودة بتلك العصور، بل وحتى كانت لها شواهد شاذة بتاريخ المناطق الإسلامية. لكن ما هو التأثير الذي ستشكله على الأحداث سواء شخصيا أو تاريخيا؟ لا شيء، فهو مجتمع وثني تسود به الانحرافات الاخلاقية الكبير منها والصغير، رغم كون الإغريق من شعوب الحضارات البشرية الأولى. على كل حال، واجه ستون بمرارة النتيجة التقييمية لرؤيته وكان كمن ينطبق عليه المثل الكويتي: “طبخ طبختيه، يالرفلة أكليه!” أي هذا ما صنعته يداك فتذوق مرارته أو بشاعته. ولكن من جهة أخرى، فإن هناك كذلك نقاطا إيجابية بالعمل تستحق الذكر، منها أن العمل ككل تاريخي وهذا بحد ذاته يثير فضولنا نحن محبي رؤية التاريخ متجسدا بالشاشة لمحاولة إدراك أجواء الحقبة ومحيطها، كما أنه يتحدث عن شخصية تاريخية بارزة ومؤثرة. وتميز كذلك ستون بدقته بوصف المعارك كما هو معروف عنها تاريخيا خاصة معركة “جوجاميلا” وتكتيك الثغرة الذي خطط له الإسكندر منذ البداية لسحق الجيش الفارسي الهائل. كما تم نفي مسألة موت الإسكندر بطريق العودة من الهند إثر الحمى بل تمت الإشارة لنظرية أخرى تحتمل قدرا من الصحة وهي احتمال تعرضه للسم من قبل قادته في بابل، وهي نظرية تتسم بالمنطقية والجرأة والواقعية.

ومن هنا نجيب على التساؤل الذي قد يتبادر إلى الأذهان: لماذا تترجمون عملا يصل لهذا المدى من أرجحية السوء؟ الإجابة الدائمة: أن المترجم لا يتحمل مسؤولية مستوى العمل. ويبقى عامل أهمية العمل حتى لو كان مثيرا للجدل كعملنا هنا فاصلا وحاسما فضلا عن أهمية الشخصية التاريخية والحدث التاريخي كعامل جذب دائم لدائرة الأضواء.

الغرب والشرق: صراع أزلي – أم تعايش سلمي؟

لا شك أن عالم الشبكة العنكبوتية يزخر بحكايا ومعلومات تاريخية عديدة ومتنوعة عن الإسكندر. لكن كما هو معروف عن محدثكم، فأني لا الجأ للتقليد وأي اقتباس أضعه يكون في إطار فكرة عامة محددة ومتسقا مع جوانبها ورافدا لها. ومن هنا فإن الفكرة المهيمنة -برأي المتواضع- لا تشذ عن معضلة الصراع الأزلي بين الغرب والشرق. إن هذا التحرك الجرّار والمظفر الذي قام الإسكندر الأكبر يشكل بداية شرارة هذا الصراع. وقد يكون اشتعل بالفعل قبل ذلك عبر الحروب الفارسية الأغريقية (والتي كنا قد تحدثنا عن جانب مختصر منها هنا). لكن هذا الانتقال السريع لمسرح الأحداث والذي تم القضاء من خلاله على الامبراطورية الفارسية الغابرة، جعل من الصراع يتسم بالديمومة والتوتر المستمر. وأيّا يكن المعتدي أو المغلوب على أمره، فإن هذا الصراع يقضي باستمرار على كل فرصة تعايش سلمي بين هذه الشعوب غربا وشرقا خلال فترات التقاط الأنفاس المتقطعة عبر التاريخ. وما تنفك عجلة هذا الصراع تأخذ بالدوران طاحنة معها أحلام الأبرياء وآمالهم وأوهامهم. والحقيقة أن الجميع يدعي أنه يجنح للسلام ويسعى للعيش بلا تنغيص. لكن الإنسان أيها السادة يحمل بطبعه مفاهيم التناقض، ومنها مفهومي الخوف والطمع. وهذان المفهومان المتناقضان يكونان دوافع لما سيقدم عليه الإنسان وينطبق ذلك على المجتمعات والشعوب. فالإنسان متى ما “شبع” وتيسرت أحواله قد يكِنْ ويستقر أو أنه سيطمع بمزيد من التملك والسيطرة والهيمنة. والإنسان من الناحية الأخرى قد يتملكه الخوف: الخوف من المستقبل والخوف من سوء الحال والفقر والضنك مما سيشعل مشاعر الكره والحقد والحسد. وعلى الرغم من تناقض المفهومين إلا أنهما قد يؤديان إلى نتيجة واحدة. ومن الطبيعي أن الموقف التاريخي ما بين الغرب والشرق كان يسير باتجاه متوازن وهو ما قد كان يسير حسبه الإسكندر الأكبر حيث أنها تشكل حلقة من حلقات الحرب المستمرة بين الفرس والإغريق. وهما هنا ممثلا الشرق والغرب، وتطور الأمر لاحقا إلى الحروب الفرس والروم ثم إلى الدول الإسلامية بعصورها المختلفة والروم مع تحول الامبراطورية الرومانية إلى المسيحية حيث كان يسود تفاهم ما بين الخلافة الاسلامية والامبراطورية الرومانية لأجيال عديدة أدى لحدوث حالة من الالاستقرار والسلام والطمأنينة سواء بالغرب أو الشرق، وإن كانت هناك بعض المناوشات المتفرقة التي لم تؤثر على الوضع العام. ومن ثم أخذ الصراع بين الغرب والشرق شكلا دينيا خطيرا تمثل بالحروب الصليبية التي طالت لمدد كبيرة جعلت من هذا الصراع مأساويا بشكل كبير ومبنيا على قناعات القيادة والربوبية وامتلاك الحقيقة المطلقة. ثم تغيرت الأقنعة والأشكال، وأخذ الصراع شكلا جديدا إلا وهو الشكل القومي والوطني مع تفاقم المد القومي بنهاية القرن الثامن عشر وظهور نزعة الاستقلال وحق تقرير المصير. فعمل الغرب على محاولة تطبيق نظرية نقل الحضارة للشرق وانتشاله من حالة التخلف التي يقبع بها، ولكن ظلت الوسيلة هي نفسها الهجوم والغزو والفتح العسكري وقهر الشعوب وتطويعها ومحاولة السيطرة على مقدراتها. ثم دار جدل كبير بالشرق ولا زال ليومنا هذا، وهو هل يتحتم علينا الأخذ بالحضارة الغربية التي سيطرت على العالم وقلبت شكل الدنيا بالصناعة والتجارة الحديثة؟ أم أن هذه المناداة ما هي إلا شكل جديد من أشكال “صراع الحضارات” المستمر ويجب علينا مقاومته والحصول على الاستقلال الكامل الشامل؟ على كل حال، فشل الغرب بالسيطرة السياسية والعسكرية على الشرق لكنه نجح بإيقاع بذور الشقاق والانقسام بكل بلد من بلدان الشرق إلى الدرجة أخذ البعض يصف مرحلة ما بعد السيطرة الأوروبية بمرحلة “الاستعمار الثاني”. ولكي يضمن الغرب عدم تمكن أقاليم الشرق من تحقيق التنمية والرخاء لشعوبه فإنه قام بزرع شكلين خطيرين: أولهما، زرع كيان غريب في قلب الشرق الأوسط يمنع الاتصال والتواصل الطبيعي المعتاد ما بين جناحي الشرق وبذلك يكبح التقدم الاقتصادي والسياسي والتجاري والثقافي والإنساني. وثانيهما، هو أيضا زرع أنظمة لا تتسم بالإحساس بما تتمناه الشعوب بل تعمل على قمعها وسلب حريتها فضلا عن نهب خيراتها وتحطيم مستقبلها. ولهذا فإن ما بدأه الإسكندر لا زال يجري الآن بصور وأشكال متباينة، ولكن الاختلاف أن الإسكندر عمل على نشر العدل ولم ينهب ثروات الشرق كما يحدث الآن وبشكل منظم. والمحصلة أن لا أحد بوسعه الحكم على الشرق والغرب سوى ذلك الهرم الكبير الذي يرصد كل شيء، إنه التاريخ.

تل الجمل أو “جوجاميلا”: معركة قهر امبراطورية الفرس

عندما نخصّص حديثنا عن الإسكندر المقدوني أو الإسكندر الأول أو كما أطلق عليه لاحقا الإسكندر الأكبر فإننا سنواجه الكثير من الأقاويل والمراجع الغث منها والسمين. لكن وبعجالة فهو إسكندر بن فيليب (أو فيليبوس). حاكم مقدونيا. وقد نجح فيليب بما هو أهم حيث وحّد الممالك الإغريقية المتعددة والمتناحرة ومن أهمها أثينا وإسبرطة. وكوّن جيشا كبيرا لغرض محدد وهو صد الخطر القادم من الشرق المتمثل بالامبراطورية الفارسية التي لا تزال تخطط للثأر من هزائمها في عمق شبه جزيرة اليونان ومناطق آسيا الصغرى (تركيا حاليا). ومن غير الممكن أن يكون الملك فيليب الثاني المقدوني الذي نجح بتحقيق هذه الأهداف المرحلية مستهترا وزنديقا إلى هذا الحد الذي صوره العمل، فهذه الأفعال تحتاج لحكمة وتخطيط وصبر على مستوى عال. ولقد تمكن فيليب من تأسيس أساليب ونظريات عسكرية غير مألوفة بذلك العصر يتمثل قوامها بسلاح الفرسان أو الخيّالة مع الاعتماد على قوة دروع اليونانيين الشهيرين بتسليحهم الدفاعي المتين وقتالهم بالرماح الطويلة المتراصة، وتميزهم كذلك بصفوف قتالية من الجند لا تخترق سميت “بالكتائب العشارية” Phalanx وهي صفوف مربعة الشكل تحتوي على عشرة جنود طولا وعرضا

والواقع يقول أن الجيش الفارسي الضخم دائما ما يتعرض للهزيمة بسبب أسلوب الكتائب القاسي سواء بـمعركة ماراثون بعمق اليونان عام 490 ق. م. أو بمعركة إسوس بسورية عام 333 ق. م. وذلك بعد تولي الإسكندر القيادة خلفا لأبيه فيليب الذي اغتيل قبل ذلك. ثم استخدم هذا الاسلوب الفعال بالمعركة الحاسمة وهي معركة (جوجميلا) 331 وذلك بعد عبوره نهري دجلة والفرات دون مقاومة من الفرس.

وبما يخص موقع هذه المعركة واشكالية تسميتها فإن لي هنا وقفة. لا بد أن يتبادر للأذهان أن المعركة وقعت بمنطقة عربية وهي توجد تحديد بخط 36,36 شمالا و43,25 جنوبا شرق مدينة الموصل وغرب منطقة أربيل العراقيتين. وتسمي بعض المصادر المعركة بمعركة أرابيلا نسبة للمنطقة. لكن المدهش هو أن تسمية جوجاميلا يأتي تحريف لاسم آخر كما تصفه هنا موسوعة الويكيبيديا

حيث تشرح الموسوعة بأن أصل مسمى “جوجاميلا” عربي وهو “تل الجمل” حيث أن الموقع توجد به تلة تأخذ شكل سنام الجمل. وهذا دليل ساطع على عروبة الموقع. إلا إنني بعد استشارة زميلي بالعمل فضلنا عدم المجازفة بوضع مصطلح غير متعارف عليه، وقد بحثت عن كثير من المصادر علني أجد واحدا يشير لاسم تل الجمل أو ما هو قريب منه دون أن أفلح بذلك. فكل المصادر تقريبا تشير لاسم المعركة على أنها “جوجاميلا – غوغاميلا” أو “أرابيلا”. ففضلنا عدم القفز على هذا الاتفاق حتى لو كان هذه المعلومة حقيقية وشاخصة.

ومن النقاط التي تثير الإعجاب بالعمل هو توصيف المعركة بشكل دقيق وصحيح حسب ما هو مثبت تاريخيا رغم أنها ضمن حقبة غابرة. لقد دخل الإسكندر هذه البقعة واثقا من النصر بسبب ما ذكرناه آنفا من عوامل التفوق التكتيكي الحاسم لليونانيين على الجيوش الفارسية، رغم كثرة عدد الفرس بكل المعارك التي خاضوها. ورغم أن الامبراطور الفارسي داريوش الثالث هو من اختار مكان الموقعة إلا أن الإسكندر هو من عرف كيفية التعامل مع ظروفها واختيار أفضل خطة تناسبها. وكان اختياره هو الحسم وقطع رأس الأفعى حتى يسهل الفتك بباقي الجسم، ورأس الأفعى هنا هو داريوش ذاته. ورغم المخاطرة التي حذر منها قادة الإسكندر إلا أنه قد استقر برأيه على تطبيق اسلوب المطرقة والسندان. وهو اسلوب عسكري لا زال يستخدم حاليا ويدرس بالجامعات العسكرية الحديثة، وهو مبني أساسا على الخداع والمناورة بالقوات والالتفاف المفاجيء وفتح الثغرات التي تصيب العدو بمقتل. والثغرة الرئيسية المطلوبة هنا هي الوصول لداريوش، ولكن هذا يتطلب صمودا هائلا من قلب الجيش المقدوني المتحالف حتى تتم عملية المناورة التي قام بها الإسكندر بسلاح الفرسان الرهيب الذي يمتلكه وتولى -على غير عادة القادة بالحروب- الميمنة على أن تتولى قوات مشاة الكتائب بالميمنة والميسرة خصوصا صد أي محاولة التفاف يقوم بها الجيش الفارسي. وكانت بداية تشكيل الجيشين على هذا الشكل

وكان الجيش الفارسي يعتمد على سلاح حربي كلاسيكي وهي العربات المجنزرة Chariot وهي عربات حربات ذات عجلات تحتوي على رماح مدببة أو حادة وتجر بحصانين ويركبها ثلاثة جنود أو أكثر يقومون بضرب الرماح أو السهام خلال حركتهم

ويعتمد الفرس كذلك بأجنحتهم بسلاح لم يتخلوا عنه مطلقا وهو سلاح الفيلة الحربية الشرسة المروضة، وهو ما لم يعرضه ستون بمعركة جوجاميلا واكتفى بعرضه في هجوم الإسكندر على شمال الهند. وقد تمكن سلاح مشاة الكتائب من التغلب على كل من السلاحين الفارسيين العربات المجنزرة والفيلة. بل وقضى قضاء مبرما على استخدام هذا الاسلوب لاحقا حيث ثبت عدم جدواه بالحروب التقليدية القديمة فكان يكلف الحلفاء الإصابات مثلما يكلف الأعداء.

وبعد أن تم تحييد معظم الأسلحة القتالية للجيش الفارسي، أصبحت عملية المناورة قابلة للتحقيق وكذا عملية اكتشاف الثغرة التي تحققت بفعل المناورة من قوات الإسكندر مما تسبب بحدوث ملاحقة لفرسان الفرس له فأدى ذلك لانكشاف ثغرة بعمق الفرس قام الإسكندر بالوصول إليها بعد التفافه المفاجيء وتعمية ملاحقيه باسلوب مبتكر فوصل قريبا لقيادة الفرس مباشرة على هذا النحو

إلا أن تضعضع الميسرة والعمق المقدوني بفعل الكثرة العددية للفرس والإنهاك الذي أصاب الكتائب حال دون الوصول “لرأس الأفعى” الذي فر هاربا من المعركة كعادة كل كسرى أخميني ومن تلاهم، ومنهم مثلا الكسرى الذي واجه معركة القادسية الذي لاذ بالفرار تاركا هذه الامبراطورية الشاسعة ليفتحها الإسلام. فلم يستطع الإسكندر ملاحقة داريوش وعاد للتغلب على فلول الجيش الفارسي الذي علم بفرار قائده فأقر بالهزيمة النكراء. ودخل الإسكندر بابل إحدى عجائب العالم القديم دخول الفاتحين واستقبله شعبها استقبالا حافلا بعد التخلص من الحكم الفارسي الذي كان يجثم عليهم. ولم يخيب الإسكندر الظنون فقد كان عظيما بعدله ومنصفا حتى لإعدائه فلم يستأثر بخيرات البلاد التي فتحها ولم ينهبها بل جعلها تدير أمورها كما يحب أهلها ويرضى ورعى العلم وحرية التجارة وقام بصنع حضارة تجمع الشرق بالغرب دامت رغم عمره القصير. ولم يولد قائد غربي واحد بعده يتسم بشيء من بعض صفاته من العدل والمجد وصنع الحضارة رغم وثنيته. وهذا يثبت أن أوروبا ما قبل سقوط الامبراطورية الرومانية تختلف عنها ما بعد سقوطها. فقد كانت اليد العليا للقبائل البربرية من قوط وجرمان وفرنجة وغيرهم حتى حكموا القارة العجوز وقاموا بتطهير أعراقها تدريجيا وامتزجت دماء الأصالة بالهمجية. وهذا يدلل على ما حدث ولا يزال يحدث من قتل جماعي وتصفية عرقية ومذهبية ومقابر جماعية كبرى وحروب دينية لم تكد تنتهي إلا بمنتصف القرن التاسع عشر. ولم يكن ضحية هذه النهاية للعنف البربري سوى بلاد الشرق المكلوم بتناقض الخوف والطمع.

الإسكندر الأكبر وذو القرنين…. وأخناتون

وأود هنا أيها الاخوة الاستماحة منكم عذرا بتحويل الموضوع قليلا عن مساره وذلك لتبادل الأفكار وإعمال الفائدة. فلقد رأيت من الواجب أن أشدد على توضيح خلط تاريخي يحدث ما بين العامة يتمثل بمقولة أن الإسكندر هو نفسه ذي القرنين المذكور بالقرآن الكريم. وهذا مما لا يصح له صحيح من مجمل التاريخ أو قراءة الشواهد والدلائل التي حض عليها القرآن الكريم. فالإسكندر المقدوني ملك وثني يؤمن بالآلهة الإغريقية الوثنية وعلى رأسها زيوس إله الآلهة وهي أصنام وألواح اخترعها الإغريق الغابرون عبر حضارتهم التي اندثرت. وقد يحدث هذا الخلط بسبب أن الإسكندر لقّب بذي القرنين كذلك حين دخل أحد المعابد الفرعونية في مصر (قبيل هجومه على الفرس) وخرج منها وهو يرتدي برأسه ما يشبه الإكليل على شكل قرنين، وقيل أنه ادعى حينها أنه أصبح إلها. في حين أن الحق جل وعلا تلا بالذكر الحكيم عن ذي القرنين التالي في مطلع الإجابة عن اسئلة اليهود التي حاولوا بها إعجاز الرسول الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم:

((وَيَسْأَلُونَكَ عنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) )) الكهف.

وبالتالي لا يستقيم الأمر بعد استيعابنا لهذه الآيات الكريمة أن يكون الإسكندر المقدوني -رغم ما عرف عنه من عدل- هو نفسه ذي القرنين. فالأخير ملك عادل موحد بالله وبربوبيته بلا شريك له. وفي حين أن هناك مقولات عديدة حول هوية ذو القرنين، فإن اسم الإسكندر من بينها كما أشار بالظن سيد قطب رحمه الله في كتابه “في ظلال القرآن”. وقد قيل كذلك أنه الملك قورش ملك الفرس العادل. بينما تشير العديد من المصادر العربية ومن بينها لابن كثير وغيره أنه ملك من العرب يدعى حمّير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود، وكان بنو حمير وهي القبيلة اليمنية العريقة يتفاخرون بنسبهم له مؤكدين أنه هو ذي القرنين وذلك عبر كثير من قصائدهم العربية الغابرة.

لكن ما هو مثير ويدعو للاهتمام هي تلك النظريات الحديثة والتي تشير إلى أن شخصية ذو القرنين مختلفة تماما. فقد ظهرت بحوث ودراسات تاريخية تؤكد نظريا احتمالية كون هذه الشخصية بـ(امنحوتب الرابع) وهو المعروف تاريخيا بـ(أخناتون) أحد ملوك الأسرة الثامنة عشر وهو ابن (امنحوتب الثالث) فرعون موسى كما تؤكد الدراسات الحديثة. ويجزم الاستاذ حمدي بن حمزة ابو زيد بعد دراسة بحثية واستكشافية قام بها (اطلع على جانب منها من هنا) أن امنحوتب الرابع هو الرجل الصالح من آل فرعون الذي ورد ذكره بالقرآن الكريم حيث ذكر الحق تعالى كلمات ذلك الرجل ناصحا قومه كالتالي بسورة غافر:

((وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَإذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ))

وبعد أن قضى الله على فرعون وجيشه بالبحر، تولى امنحوتب الرابع الحكم وأطلق على نفسه لقب “أخناتون” أي خادم أو عابد رب الشمس. ولكن الكهنة في المعابد كادوا لهذا الملك الصالح ولم يأمن من شرهم (شاهد مسلسل “لا إله إلا الله” بالأجزاء الخاصة عن أخناتون ونفرتيتي للمقارنة: من هنا)، فآثر اجتنابهم والبعد عن مكائدهم. ورغم اختلاف الفقهاء في مسألة نبوة ذو القرنين، إلا أنه من الواضح أن الحق تعالى ذكر بأنه أوحى إليه، مما يرجح مسألة نبوته والله أعلم. ويشير الاستاذ ابو زيد في كتابه “فك أسرار ذي القرنين ويأجوج ومأجوج” عن هذه المسألة أن أخناتون ونفرتيتي لم يتم العثور لهما على رفات أو مومياء في أي ضريح أو قبر كما هو سائد لدى بقية ملوك الفراعنة، وهذا من الاستدلالات التي يبني عليها نظرية بحثه. وهو يضيف أن أخناتون هنا (أي ذو القرنين) أطاع أمر ربه وتوجه إلى بلاد مغرب الشمس (والباحث يقول أنها جزر المالديف) ودعا الناس فلما أتم رسالته أطاع أمر ربه وتوجه مبحرا نحو “مطلع الشمس” ويدلل ابو زيد بأنه لم يكن يمكن لأي سفن بحرية في ذلك الوقت أن تقطع هذه المسافات الشاسعة سوى السفن الشراعية المتينة التي كان يصنعها المصريون القدماء. ومطلع الشمس هو مكان قام الاستاذ ابو زيد بحساب مكانه الجغرافي وتوقيته الزماني فتبين له بعد البحث الدقيق أن لن يكون إلا بموقع واحد من العالم وهي جزر كيريباتي (أو جزر جيلبرت كما تسمى سابقا) الواقعة بالمحيط الهادي ما بين أستراليا والفلبين. فلما أتم ذو القرنين رسالته، أطاع أمر ربه وتوجه شمالا نحو بلاد شعبها “لا يكادون يفقهون قولا”، ويجزم البحث بأنها بلاد الصين. والمدهش بالأمر أن الاستاذ ابو زيد حينما سأل بعض المتنورين الصينين عن كلمتي “يأجوج ومأجوج” تبين أنها كلمات صينية مستخدمة بلغة الماندارين أي لغة شمال الصين. وتعنيان قارة آسيا (يأجوج = Ya Jou) وشعب الخيل (مأجوج = Ma Jou). وهذا اكتشاف إن تحققت مصداقيته، فيدل على الإعجاز القرآني المستمر إلى عصرنا هذا. وبلا شك سيحسب هذا الإنجاز للاستاذ حمدي ابو زيد سواء ثبتت صدقيته أم لا، فالرجل قام برحلة استكشافية طويلة عبر جزر المالديف ومرورا بجزر كيريباتي النائية وانتهاء بالصين حيث وقف على ردم يأجوج ومأجوج كما يؤكد عبر دراسته المثيرة للاهتمام. ورغم أنني لا أجزم أو أنفي أن أخناتون نفسه هو ذي القرنين فهذا علمه عند الله تعالى، إلا أن مسار هذا البحث والرحلة الاستكشافية ودلائلها أمر يدعو للتفكير العميق والتأمل الجزيل.

مواصفات نسخ الترجمة:

اسم النسخة: Alexander.2004.The.Final.Cut.WS.DVDRip.XviD-FRAGMENT
عدد الاسطوانات: اثنان
معدل الإطارات: 23.976
مدة الفيلم: 3 ساعات و35 دقيقة

رابط الترجمة

من هنا

التورنت

من هنا

وتمت الترجمة كذلك على نسخة البلوراي الكاملة

Alexander.Revisited.The.Final.Cut.2004.720p.BluRay .x264-SEPTiC

بحجم: 7 جيجا و950 ميجا

رابط الترجمة[


من هنا

———————————

*** الرجاء عدم نقل الترجمة لأي موقع آخر ***

إهداءات خاصة

للزميل العزيز الاستاذ هاني البنى (اسطورة الخريف)

وهو من كان قد طلب ترجمة هذه السخة منذ مدة طويلة
وصبر على تقديمها كثيرا ولم ييأس
فأثبت أنه “أيوب” منتدى الديفيدي

وللصديق العزيز م/ مراد مارديني
من المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة

——————————–

وتقبلوا أطيب أماني مترجمي العمل

طارق عبد الهادي

و

فيصل كريم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s