كتاب ( ليشمان والدرب الطويل إلى بغداد) لمؤلفه أسعد عبيد الفارس (وهو ابن هذا المقاتل الذي اشترك في المعارك الطاحنة على القوات البريطانية في مناطق البوكمال ودير الزور وما حولها في ثورة ١٩٢٠).
يستعرض المؤلف قصة الضابط البريطاني الجاسوس جيرارد ليشمان بدءا من ولادته إلى لحظة مقتله على يد الشيخ ضاري المحمود، شيخ زوبع من قبيلة شمر العريقة، الشهير بأهزوجة “ضاري اللي هز لندن”، غير أن العمل يركز على محورين رئيسين:
- تتبع مسيرة ليشمان (أو ليجمان أو نجيمان) في حروبه التي خاضها لصالح الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، بدءا من حرب البوير في جنوب أفريقيا في عام ١٨٩٨، ثم اتقانه لفنون الجاسوسية في الهند، وانتهاء بشنه حربا شعواء على العرب في كل من العراق والشام.
- تسليط الضوء على المقاومة الباسلة التي خاضتها قبيلة العقيدات الكريمة ضد الاحتلال الإنجليزي قبيل ثورة العشرين وأثناءها؛ ليكشف النقاب عن “الدور المنسي” للقبائل في غرب الفرات في هذه الثورة المجيدة التي اختطف ثمارها مرجفي العرب وخونتهم، عبر تقسيم مناطق العراق والشام إلى دويلات مجزأة، وهو ما ساعد بطبيعة الحال في زرع الكيان الصهيوني البغيض لاحقا.
ويبين المؤلف حدة هذه المواجهات الدامية التي خاضها بشجاعة منقطعة النظير الشيخ مشرف الدندل رحمه الله شيخ مشايخ العقيدات بنفسه، إلى حد إيقاع أكثر من خمسمائة قتيل من القوات البريطانية من ضباط وجنود، واسقاط ثلاث طائرات مقاتلة، على حد زعم الكتاب.
يقدم لنا هذا العمل وصفا لرحلات ليشمان كما دونها في رسائله لأخواته، وأهمها رحلة خطيرة قام بها متخفيا قبيل الحرب العالمية الأولى من دمشق إلى الرياض، إذ كانت الشرطة العثمانية تتعقبه وتشتبه به. وصف ليشمان مشاهداته بدقة لكل المناطق التي مر بها، لا سيما مدن القصيم وما حولها.
نستطيع أن نستشف من هذا الكتاب أن ليشمان تحول إلى بدوي خالص، لكنه بدوي يحقد على العرب حقدا خاصا (ولا نعلم السبب) ويعمل لصالح إمبراطوريته الناهبة للشعوب.
كنا شاهدنا شيئا من سلوكيات ليشمان في الفيلم العراقي القديم “المسألة الكبرى” وعنوانه الإنكليزي Clash of Loyalities ومثل دوره أوليفر ريد. بيد أن ما قرأناه عنه يختلف كثيرا. إذ بالغ هذا الجاسوس في حربه إلى حد أن غيرتود بل تنبأت بقتله الحتمي على يد العرب، وهو ما وقع فعلا على يد الضاري المحمود وابنه.
يطلعنا الكتاب على ملف الجواسيس الإنكليز الذين تقاطروا على المنطقة العربية قبيل سقوط الدولة العثمانية، واهمهم:
١- لورنس العرب : ويذكر عنه الكتاب أنه من أجبن خلق الله، وصنع لنفسه دعاية مزيفة. وقد قابله ليشمان واستخف به كثيرا.
٢- جون فيلبي: وهذا الرجل من أغرب الناس، فبعد خدمته لبريطانيا انقلب عليها، وأمسى يعمل لصالح نفسه. لكن الأغرب منه ابنه كيم فيلبي الذي يعد أشهر جاسوس ينقلب على بريطانيا ويعمل لصالح الشيوعيين بعد الحرب العالمية الثانية.
٣- وليام شكسبير: وهو على اسم الكاتب المسرحي المعروف، وكان يعمل وكيلا سياسيا في الكويت في بواكير القرن العشرين، ثم لقى حتفه في معركة جراب الشهيرة. (وتحصلت على كتاب المؤرخ ونستون عنه، وربما أترجمه إن كتب الله لنا عمرا في قادم الأيام)
٤- جيرارد ليشمان نفسه، الذي خلعوا عليه لقب “آمر الصحراء” OC
أما كبيرهم الذي علمهم السحر فهو بيرسي زكريا كوكس، وهو رجل يهودي خدم الإمبراطورية البريطانية بكفاءة، فمنحوه لقب “سير”، ويبدو انه العقل المدبر لتقسيم دول الخليج على الشكل الذي نراه حاليا.
نكتشف من خلال الكتاب أن العرب لم تعزهم القوة والشجاعة لطرد الغزالة مهما بلغ جبروتهم، لكن مشكلتهم تجلت في وقوعهم في سلسلة من حلقات الخذلان، بعد تصديقهم لشعارات غامضة عن “ثورة عربية” لا يعرفون بالضبط من يقع خلفها، وقد تجلى فيما بعد أن بريطانيا وحلفائهم اليه-ود يحركونها ويتلاعبون بها، والعرب لا يشعرون. ويدلك على هذا نجاح ثورة العشرين في ضرب القوات البريطانية وتكبيدها خسائر فادحة، في حين أن النتيجة النهائية كانت أبعد شيء عن الوحدة العربية المأمول.
لعل في قصة الهالك بإذن الله جيرارد ليشمان عبرة وعظة يقدمها لنا كتاب الأستاذ الباحث المميز أسعد الفارس.
