“المهنة #الأمريكية الجديدة القديمة: #التعذيب” وليام بلام

ترجمت هذا المقال الجديد لوليام بلام وأضعه أمامكم دون تعليق. والرابط الأصلي للمقال موضوع أدناه
I translated  William Blum’s recent article titled:  “American Exceptionalism and American Torture“, and here is its original link

http://williamblum.org/aer/read/135

———————————————————————

وليام بلوم

وليام بلوم

الحالة الأمريكية الاستثنائية والتعذيب الأمريكي

أسقط الجيش البرازيلي سنة 1964 حكومة ليبرالية (لا تميل لليسار أكثر من ذلك)، من خلال انقلاب خططت له الولايات المتحدة، واستمر في الحكم بقبضة حديدية مدة 21 سنة. ومرّر النظام العسكري سنة 1979 قانون عفو عام للحيلولة دون محاكمة أعضائه على ممارسة التعذيب وجرائم أخرى. ومازال العفو العام ساريا حتى اللحظة.

هكذا تدار الأمور فيما يسمى العالم الثالث. أما في العالم الأول، فلا حاجة لمثل تلك الأحكام التجميلية. فالعفو العام ممنوح تلقائيا لممارسي التعذيب وعرّابيهم السياسيين في الولايات المتحدة، لأنهم ببساطة أمريكيون وينتمون “لنادي الرجال الأخيار” فقط لا غير.

أما الآن، تنجلي أمامنا انكشافات كئيبة عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، مع نشر لجنة الاستخبارات النيابية تقريرا عن ممارسة التعذيب في وكالة الاستخبارات المركزية. لكن هل يحتاج الأمريكيون والعالم إلى أشياء أخرى علاوة على ذلك لتذكّرهم أن الولايات المتحدة تمتهن ممارسة التعذيب؟ نعم. فهذه الرسالة ليس بالإمكان تكرار إذاعتها ونشرها لأن عملية غسل الدماغ للشعب الأمريكي والمتأمركين في جميع أنحاء العالم وصلت إلى مراحل عميقة جدا من التطويق والانغمار، بحيث أن الأمر يتطلب إحداث صدمات متكررة في النظام ليصبح قابلا للتزحزح. وما من أحد يجيد غسل الأدمغة كما يبرع فيه مخترعي الدعاية والعلاقات العامة عند العم سام. وثمة دائما جيل شاب جديد من الذين لا ترى عيونهم سوى نجوم العلم الأمريكي وخطوطه البيضاء والحمراء.

لا بد من تذكير الرأي العام مرة أخرى كذلك -وعلى النقيض مما تريدنا أغلب وسائل الإعلام والسيد أوباما أن نؤمن به- أن الرئيس لم يصدر على الإطلاق حظرا على ممارسة التعذيب على وجه التحديد، على الرغم من تصريحه مؤخرا من أنه “حظر التعذيب حظرا لا لبس فيه” بعد توليه سدة الرئاسة.

بعد فترة قصيرة من تنصيب أوباما الأول، صرح بوضوح مع ليون بانيتا، الذي عُيّن آنذاك مديرا جديدا لوكالة الاستخبارات المركزية، أن “تسليم المساجين” لن ينتهي العمل به. وقد ذكرت جريدة لوس أنجلوس تايمز في تقرير لها في ذلك الوقت: “أن وكالة الاستخبارات المركزية مازالت تمتلك تفويضا يخوّلها إجراء ما يُطلق عليه عمليات تسليم المساجين والاختطاف السري ونقل السجناء إلى بلدان تتعاون مع الولايات المتحدة، وذلك بناء على أوامر تنفيذية أصدرها أوباما مؤخرا.”

أما الترجمة الحقيقية “للتعاون” فهي “التعذيب”. وتسليم المساجين يعني ببساطة الاستعانة بمصدر خارجي لممارسة التعذيب. وليس هناك سبب آخر غير ذلك لنقل السجناء إلى ليتونيا أو بولندة أو رومانيا أو مصر أو الأردن أو كينيا والصومال أو كوسوفو أو جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، من بين مراكز التعذيب التي تستخدمها الولايات المتحدة. ومازالت كوسوفو ودييغو غارسيا -وكلاهما يضمان قواعد عسكرية أمريكية ضخمة وشديدة السرية- تمارس بفعالية شؤون التعذيب، كما هو الحال في قاعدة غوانتانامو في كوبا، إن لم نضف عليهما بعض المواقع الأخرى.

وبالإضافة إلى ذلك، يترك الأمر التنفيذي الرئيس المشار إليه، وهو برقم 13491، والصادر في 22 يناير 2009 الذي “يضمن استجوابات قانونية”، مجالا واسعا للتهرب (من المساءلة). وينص مرارا على أن المعاملة الإنسانية، بما تشمله من عدم اللجوء للتعذيب، لا ينطبق إلا على الأسرى المحتجزين في “نزاع مسلّح”. وبالتالي، التعذيب الذي يمارسه الأمريكان خارج دائرة “النزاع المسلح” غير ممنوع صراحةً. لكن ماذا عن التعذيب داخل دائرة “مكافحة الإرهاب”؟

يستلزم الأمر التنفيذي من وكالة الاستخبارات المركزية استخدام طرق الاستجواب الملخصة في كتيّب مرجعي ميداني للجيش. غير أن استخدام هذا الكتيب كدليل إرشادي للاستجواب ومعاملة الأسير مازال يسمح بممارسة إجراءات كالسجن الانفرادي، والحرمان الإدراكي أو الحسي، والإرهاق الحسي المفرط، والحرمان من النوم، والتحريض بالخوف واليأس، والعقاقير نفسية التأثير، وأنماط التلاعب البيئي المختلفة: كدرجة الحرارة والضجيج، وأوضاع الضغط النفسي، بالإضافة إلى نماذج أخرى جميلة وجذابة من الحالة الأمريكية الاستثنائية.

بعد أن أجرت هيئة نيابية استجوابا لبانيتا، كتبت جريدة نيويورك تايمز أنه “ترك الباب مفتوحا أمام احتمال سعي الوكالة للحصول على إذن باستخدام وسائل استجواب أكثر عنفا من القائمة المحدودة التي صرّح بها الرئيس أوباما بناء على قواعد جديدة… وذكر السيد بانيتا أيضا أن الوكالة ستستمر بالإجراء الذي تبنته إدارة بوش باستخدام “نقل السجناء” … لكنه قال إن الوكالة سترفض تسليم أي مشتبه به إلى متناول بلد معروف بارتكاب بالتعذيب أو ممارسة إجراءات أخرى “تنتهك قيمنا الإنسانية.”

إن الجملة سالفة الذكر تتسم بالسخافة الصبيانية بطبيعة الحال. فالبلدان التي اختيرت لاستقبال السجناء المنقولين إليها وقع عليها الاختيار بدقة لأنها فقط على استعداد وقدرة على تعذيبهم.

أمكن لجريدة نيويورك تايمز بعد أربعة شهور من تولي أوباما وبانيتا منصبيهما، وضع تقرير صحفي حول وصول عمليات تسليم ونقل السجناء إلى مستويات عليا جديدة.

تشير التقارير الحالية إلى أن هوس واشنطن بالتعذيب ينبع من أحداث الحادي عشر من سبتمبر لمنع تكرارها. ويتحدث الرئيس عن “إفراطات مخيفة لما بعد حقبة الحادي عشر من سبتمبر.” وثمة شيء يشوب هذه الفكرة، لكنه ليس بذي بال. إن التعذيب في أمريكا في حقيقة الأمر قديم في البلاد قِدَم نشأتها. فمن من الحكومات انغمست بالتورط في ذلك الرعب أكثر من الولايات المتحدة؟ فالشواهد صارخة على تمرّسنا بالتعذيب كتعليمه، وتزويد الكتيبات الإرشادية عنه، وتزويد المعدات، وإنشاء المراكز الدولية للتعذيب، وخطف الناس ونقلهم إلى تلك الأماكن، والسجون الانفرادية، والتغذية بالإكراه، وغوانتانامو وأبو غريب وباغرام وتشيلي والأرجنتين وتشيكاغو… ارحمنا برحمتك يا رباه!

شكّلت البرازيل سنة 2011 مفوضية وطنية لتقصي الحقيقة للتحقيق رسميا في جرائم الحكومة العسكرية التي انتهت حقبتها في سنة 1985. لكن أوباما رفض دعوات تشكيل مفوضية تُعنى بممارسة وكالة الاستخبارات المركزية للتعذيب. إلا إنه في السابع عشر من يونيو هذا العام، قدّم نائب الرئيس جوزيف بايدن إلى مفوضية تقصي الحقيقة أثناء زيارته للبرازيل 43 برقية وتقريرا من وزارة الخارجية تتعلق بالنظام العسكري البرازيلي، بما فيه تقرير بعنوان “اعتقالات واسعة النطاق وتحقيقات باستخدام التعذيب النفسي والجسدي بالمشتبه بتورطهم بالتخريب.”

وهكذا ستفلت الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى من المساءلة لانتهاكها قوانين الولايات المتحدة والقانون الدولي والقانون الفطري للأخلاق الإنسانية. ويجوز لأوباما أن يتوقع من خلفه ذات التساهل الذي أمده لسلفه جورج الصغير.

وقد ورد في بيان مكتوب لباراك أوباما، صدر بُعيد نشر تقرير عام لمجلس الشيوخ، التالي: “إن إحدى مزايا القوة التي تجعل من أمريكا حالة استثنائية قابليتنا للتصدي المنفتح لماضينا، ومواجهة عيوبنا، وصنع التغيير وإنجاز الأفضل.”

وإذا لم تكفِ كومة النفاق الضخمة تلك أو لم تفح رائحتها النتنة ليتكدر بها الناس كما يجب، فلكم أن تضيفوا لما سبق التعليق الذي أدلى به بايدن لدى زيارته آنفة الذكر للبرازيل، حيث قال: “آمل من خلال اتخاذ خطوات لمواجهة ماضينا، أن بإمكاننا إيجاد طريق نحو التركيز على تعهدات المستقبل الهائلة.”

إذا لم يخضع التعذيب الذي مارسته إدارتا بوش وأوباما إلى المساءلة والتحقيق في الولايات المتحدة، فلا بد أن تلاحق هاتين الإدارتين دوليا بناء على قواعد سلطة القضاء العالمي.

لقد اتخذت الأمم المتحدة خطوة تاريخية في سنة 1984 بصياغة “اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة لحقوق الإنسان” (دخلت حيز التنفيذ سنة 1987، وصدّقت عليها الولايات المتحدة سنة 1994). وتنص الفقرة الثانية من المادة الثانية بالاتفاقية على التالي: “لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أيا كانت، سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديدا بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب.”

إن مثل هذه اللغة المبدئية والفائقة البيان والوضوح هي التي تصلح لإقامة معيار وحيد لعالم أصبح من الصعوبة بمكان على المرء أن يشعر فيه بالافتخار بالإنسانية. وليس بوسعنا الانتكاس إلى الوراء. فاليوم إذا كان يعدّ من المقبول تعذيب شخص ما يفترض أنه يمتلك المعلومات “القنبلة الموقوتة” الحيوية والضرورية لإنقاذ أرواح الناس، فسيصبح من المقبول تعذيبه غدا لمعرفة هويات المتواطئين المفترضين معه. فهل نسمح للعبودية بالعودة لمجرد فترة قصيرة لكي تعمل على خدمة “حالة طارئة وطنية” أو “أغراض سامية” أخرى؟

لو فتحت نافذة التعذيب، حتى لمجرد مواربة صغيرة، فإن رياح عصور الظلام الصرصر ستعيث فسادا بكل من في الغرفة.

American-exceptionalism

————————————

ترجمة: فيصل كريم الظفيري (ح. ن. م.)

One response to ““المهنة #الأمريكية الجديدة القديمة: #التعذيب” وليام بلام

  1. هذه المقالات وغيرها مؤشر صحي على ازدياد حالة الوعي بالجرائم الامريكية ضد الانسانية، أمريكا تحت منطق القوة تستر جرائمها بستار رقيق من الكلمات المعسولة المنمقة دون أن تكلف نفسها عناء سترها حقيقة. نتمنى أن تكون هذه الحماقة الناجمة عن الاحساسا المفرط بالقوة وجنون العظمة أول مسمار في نعشها و هاهو صوت الرأي العام المستقل (والصغير) الذي لا تسيطر شركات الاعلام العملاقة يرتفع شيئا فشيئا..
    الحقيقة التي لم يكلف امريكا عناء تغطيتها ممارستها للتعذيب منذ عهدها الأول وكتب التاريخ ملئى بهذه القصص منذ عهد ابادة السكان الاصليين حتى الآن ويكفي ما يحدث للمواطنين الامركيين انفسهم في أقسام الشرطة والسجن فالتعذيب لدى السلطات الامريكية عقيدة

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s