صراع المسيحية والإسلام أو صراع الغرب والشرق- الترجمة المشتركة للسلسلة الوثائقية CLash Of Worlds (BBC)

قبل تاريخ 14-9-2011 بشهر تقريبا، طلب مني الزميل جبر كمال (من فلسطين) أن أبحث له عن عمل وثائقي عن فلسطين فوجدت له حلقة من هذه السلسلة فوجدها أنها بلا نص إنجليزي ليترجم منه، فاقترحت عليه أن يترجمها سماعيا وشجعته بأني سأصحبه في العملية، وبالفعل نجح زميلنا أبا محمد بهذه الترجمة بفضل الله. غير أنني رأيت أن حلقتين من السلسلة ستظلان بلا ترجمة فآليت على نفسي الانكباب على ترجمتهما حتى يكتمل العمل الذي نقدمه لكم، ولله الحمد والمنة

عبر أحد أهم السلاسل الوثائقية التاريخية التي تكشف خبايا الفكر الغربي

نقدم الترجمة السماعية لسلسلة

Clash of Worlds

صراع الحضارات

ومن خلال ثلاث محطات تمثل نقاط حاسمة لتوضيح أصل الصراع، تسلط السلسلة الضوء على التفكير الغربي تجاه الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي، وهي كالتالي:

الحلقة الأولى: التمرد

وتتحدث عن الانتفاضة التي وقعت بالهند عام 1857، وكيفية انتقال الحركة الوهابية إلى الهند بالقرن الثامن عشر وانتهاء الأمر بإعلان الجهاد ضد الامبراطورية البريطانية التي تستعمر الهند.

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية: السودان

وتسلط الضوء على الحركة المهدية وانتفاضتها على المستعمر البريطاني بدءا من عام 1880. وهي مثال صارخ على تضارب وتعارض الحضارتين المسيحية الغربية والإسلامية ووقوع التوتر والنزاع المحتوم. وانتهاء الأمر بمقتل أهم قائد عسكري بريطاني بتلك المرحلة تشارلز جوردون، ثم وفاة الإمام محمد بن أحمد المهدي وضعف الحركة المهدية بعد وفاته مما سهل على البريطانيين القضاء على الدعوة المهدية بعد ذلك.

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة: فلسطين

وتتحدث الحلقة الثالثة والأخيرة عن حقيقة فكر القادة البريطانيين الذين قرروا الهجوم على فلسطين واحتلالها باعتبارها “الأرض المقدسة” بالنسبة لهم. فما هي حقيقة فكر آرثر بلفور صاحب الوعد الشهير، وما هي خلفيات مارك سايكس الحقيقية وهو من رسم ونفذ اتفاقية سايكس-بيكو لتقسيم الوطن العربي. ثم تتمعن الحلقة بالتحول الديني المعقد ما بين المسيحية والصهيونية وتسليم فلسطين لليهود لتنفيذ نبوءتهم الدينية لليهود أولا، ثم للتخلص من تعقيدات “المسألة اليهودية” في أوروبا ثانيا.

الحلقة الثالثة

وتعليقا على السلسلة بشكل عام، لا بد من تسليط الضوء على فريق عمل هذه السلسلة التي قدمتها هيئة الإذاعة البريطانية BBC عام 2007. وهي من تعليق الممثل البريطاني آدن جيليت، والغريب أن أسمه “أدن” حسب النطق الغربي لمدينة عدن اليمنية وتبين أنه بالفعل من مواليد عدن باليمن عام 1958. وانتاج جاكي هيوز وكيت ماكي وإعداد االباحثة الوثائقية البريطانية فيفا فان لوك. والحقيقة، السلسلة بحد ذاتها تمثل رؤية موضوعية مثيرة للتأمل والإعجاب بسبب تسليطها الضوء على أحداث يرغب الغرب ممثلا بقوته العظمى خلال الثلاثة قرون الماضية (بريطانيا) بنسيانها أو تجاهلها ذلك أنها عرضت الوجه الاستعماري الإمبريالي الصارخ لتلك الامبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس. والسبب الآخر لأهمية هذه السلسلة أنها عرضت وجهتي النظر المتعارضتين عرضًا متوازنًا نوعا ما، حيث أبدت معظم الشخصيات آرائها بكل صراحة وانفتاح وموضوعية سواء من الشرقيين أو الغربيين.

كلمة لا بد منها

 بقلم: جبر كمال

حينما نعبر شط العمل الدؤوب، لا يهيم في داخلنا سوى أولئك الذين غرسوا زهراً جميلاً في طريقنا …. أولئك الذين منحونا العزم تلو العزم، لنتخطى الصعاب ونقف واثقي الخطى نشاطرهم الإبداع حرفا ولغة ..لا يسع حروفي إلا أن تمتزج لتكّون كلمات شكر وامتنان للأخ العزيز الأستاذ/ أبا عبد الله.
فأود أن أشكر الأخ الأستاذ/ فيصل كريم الظفيري على مساعدته وتشجيعه الدائم والمستمر لي، لاقتحام مجال صعب في الترجمة ألا وهو مجال الترجمة السماعية.
لم تكن لدي أي فكرة عن برنامج subtitle workshop أو كما يسميه أبو عبد الله “بصديق المترجمين” وقد تعرفت على هذا الصديق الوفي من خلال الأخ العزيز أبا عبد الله وقد كان بالفعل نعم الصديق. وأضيف صديقاً ربما معروفاً لدى الجميع ألا وهو موقع “ويكبيديا“. هذا الموقع الموسوعة والذي يتضمن في صفحاته آلاف المواضيع والمقالات التاريخية بجانب آلاف الشخصيات التاريخية، وهو ما ساعدني في الحصول على معلومات تتعلق ببعض الشخصيات التي كانت تعتبر غامضة بالنسبة لي. فلولا وجود الويكيبيديا لواجهتنا صعوبات جمة في معرفة أسماء الشخصيات التاريخية التي يستعرضها هذا العمل الوثائقي الكبير.
كنت قد ترجمت العديد من البرامج الوثائقية المتوفر لها ملف “نص إنجليزي” إلى العربية ولكن عندما تقوم بالترجمة السماعية فهذا يعني أنه ينبغي عليك أن تسمع جيداً حتى تترجم جيداً وما أصعبها من لحظة عندما لا تتمكن من سماع كلمة ما بشكل جيد فتعيد سماعها مرات عديدة حتي تسمعها وتترجمها بشكل صحيح وإلا ستصبح الترجمة ناقصة وركيكة وذلك كان الهاجس الأكبر لدي قبل أن أدخل في حقل الترجمة السماعية لكن بفضل الله ثم بفضل الأخ أبو عبد الله تم الأمر بحمد الله بأفضل ما يكون من خلال تشجعيه المتواصل. وأنتهز الفرصة هنا لأقتبس بعض من كلماته التي كان يرددها دائما لي: “ازهلها، أي حط في بطنك بطيخة صيفي وبالخليجي لا تاكل هم” والحمد لله، أعتقد أننا وصلنا سوياً بهذه الترجمة إلى بر الأمان قدر الامكان، على الرغم من الصعوبات الجمة التي واجهناها.
وأخيراً وليس بآخر، أتمنى من الله عزوجل أن أكون عند حسن ظنه، ولك جزيل الشكر والامتنان يا أبا عبد الله.


وأترككم الآن مع نظرة عامة على السلسلة
الوثائقية “صراع الحضارات
يقدمها لنا الأخ فيصل كريم
————————————————————————————————–
small

أشكر الأخ العزيز جبر كمال على ما أورده من مقدمة لموضوع بحثنا اليوم. وأود بهذه الفرصة أن أوجه التهنئة له بمناسبة كونه أصبح أبا حيث رزق بابنته البكر وأتمنى أن يحفظها الله لعائلتها الكريمة ابنة صالحة وبارة بأبويها وأهلها الكرام. وهو بهذا قد متع ناظري والديه الكريمين برؤية حفيدتهما الوليدة، ونأمل من الله أن يرزق أخانا جبرا بالذرية الصالحة.

والحمد لله الرزاق الكريم على نعمه التي لا تعد ولا تحصى
والصلاة والسلام على نبينا المصطفى الأمين شفيعنا يوم الدين.

أما بعد،،،

هل هو صراع ما بين الإسلام والمسيحية؟

أو أنه صراع من نوع آخر،
تتجلى به عناوين القوة والسيطرة والنفوذ.

إلا إنه بالجانب الآخر، ظهرت سلبية لا تغيب عن البال طوال حلقات السلسلة وتتمثل بتلك المحاولة المستمرة بمعظم البرامج التاريخية التي تتطرق للوضع بالشرق الأوسط بجعل الطرفين على كفي المساواة بأحداث العنف والمجازر والقتل وجعل الضحية والجلاد يتناصفان مسؤولية الدماء التي سقطت والأرواح التي أزهقت والأبرياء الذين ذبحوا تحت شعارات نقل الحضارة والمدنية. ويتفق القاصي والداني أن هذا مسعى مغرض وغير سوي. فلو فرضنا أن هناك من الأوروبيين والبريطانيين الأبرياء قتلوا في الهند والسودان وفلسطين وغيرها ظلما كما يزعمون، فما هو الذي أتى بهم لهذه الديار من مواطنهم البعيدة؟ ولماذا قتلوا أصلا بهذه الأماكن تحديدا حتى يردوا بارتكاب مجازر أشنع وأفظع مئات المرات مما لقاه مجموعة لا تتعدى العشرات منهم؟ محاولة هذه السلسلة مساواة الضحية بالجلاد لا تنطلي على أحد، وكلما استعاد البريطانيون ذكرى هذه الأحداث عادوا لنفس العصبية التي تعمي أبصارهم عن الحقيقة الأكبر وهي أنهم قوة استعمارية محتلة ظنت أنهم ستفرض ثقافتها وحضارتها على هذه المواقع وتناست أنها -أي البلدان المستعمرة- هي التي علمتهم أصول الحضارة ونقلت لهم أساس التفكير الإنساني والإخلاقي، فنحن نتحدث عن حضارات بلاد النيل ومصر والهند والشام الكبير.

لماذا الهند والسودان وفلسطين؟

من المعلوم أن مقاومة المستعمر البريطاني حدثت عبر ثورات وانتفاضات عديدة في مصر (ثورة أحمد عرابي – ثورة عام 1919 بقيادة حزب الوفد وسعد زغلول) والعراق (ثورة عام 1920 الكبرى) وغيرها من البلدان الإسلامية وغير الإسلامية. فلماذا سلطت السلسلة الضوء على هذه البلدان بدلا من غيرها؟ من الواضح أن هدف السلسلة هو الزعم بأن هناك صراعا تاريخيا بين الإسلام والمسيحية، وأن المسيحية تفوقت أخيرا عبر التقدم التقني والعلمي للبلدان الغربية المسيحية وتقهقر “الإسلام” واحتلت دوله ومناطقه واحدة تلو الأخرى. هذا ما سأرد عليه بفقرة لاحقة، ولكن عبر هذه الأماكن الثلاث حدث بالفعل صراع أخذ طابعا دينيا بشكل أو بآخر. ولو قارنا هذا مع ما حدث في البلدين الكبيرين مصر والعراق سنلحظ أن الثورات التي اشتعلت بوجه المستعمر البريطاني أخذت شكلا نموذجيا وطنيا/قوميا إلى حد كبير. ففي مصر، كانت جميع شرائح الشعب بمسلميها وأقباطها وفقرائها وأغنيائها وبسطائها ومفكريها تنادي بصوت واحد “الاستقلال التام أو الموت الزؤام”. والأمر ذاته تكرر في العراق، حيث اتحد السنة والشيعة والعرب والأكراد والتركمان والآشوريين والحضر والقبائل بوجوب طرد الإنجليزي المحتل وعدم السماح له بنهب خيرات البلاد. أما في البلدان الثلاثة المذكورة حدث عدم توحد بالرؤية بسبب اللجوء إلى الخطاب الديني شيئا ما. ولكني استثني مسألة فلسطين من شمولية هذه الفكرة، لأن المخطط الذي كشف أثناء حرب العالمية الأولى كان كبيرا ومتقنا بحيث أنه يتجاوز جميع الخطابات الدينية والوطنية والقومية ويتطلب مشروعا كبيرا لمواجهته والتصدي له وهو ما لم يحدث بسبب -كما ذكرت بموضوع سابق من هنا– ضياع المرجعية والهوية السياسية والاستراتيجية التي يعود لها العرب والمناطق الشرقية والإسلامية عموما. أما بحالتي الهند والسودان فيظهر لنا جليا الخطاب الديني الذي قاد إلى المواجهة مع المستعمر البريطاني المحتل والذي يرتدي رداء المسيحية ليستخدمها أداةً لتحقيق أغراضه ومآربه التي لا تخفى على أحد.

هل هو صراع إسلامي مسيحي
أو صراع الغرب مع الشرق الأزلي؟!

إن إسباغ الصراع الحضاري الحاصل حاليا صبغة الصراع المسيحي الإسلامي لهو تجنٍ كبير على الديانتين. فهل الله سبحانه وتعالى أنزل هاتين الديانتين السماويتين لكي تتصارعان وتتنازعان أم لتكملا بعضهما البعض لزرع الإيمان الصحيح بنفوس البشر سعيا نحو الهداية والصلاح في الدنيا والآخرة؟ إن هذه الصبغة التي يراد طرحها على عموم الناس لا تريد سوى استمرار هذا الصراع الدامي وابقاء التوتر والشك بين المعسكرين. ومن يتأمل صفحات التاريخ جيدا، يجد أن المقارنة بمسألة ثقة كل حضارة من هاتين الحضارتين لا تميل إطلاقا لصالح الغرب الذي يصف نفسه بالمسيحي، فقد أثبت كبار المؤرخين الغربيين المعاصرين الإسبانيين وكذلك رموز التأريخ الإنساني والاجتماعي مثل أرنولد توينبي أن الممالك الأسبانية التي اجتاحت بلاد الأندلس قد اضطهدت العرب والمسلمين واليهود ولجأت لتنصيرهم وتعميدهم بالقوة والإكراه، وأطلقت عليهم لقب “الموريسكيين” حتى تعمل على تمييزهم دينيا وعرقيا. بينما من الجهة الأخرى، أكد مؤرخون كثر، من بينهم توينبي، أنه لا يوجد دلائل على استخدام المسلمين سياسة الإكراه والإجبار لتغيير ديانة ومعتقدات الشعوب التي فتحوها لاسيما إن كانت تدين بإحدى الديانتين السماويتين السابقتان للإسلام وأكبر مثال على ذلك هي مصر حيث لم تتحول أكثرية الشعب للإسلام إلا بعد ما يزيد على 300 عام وحدث هذا التحول -كما تذكر المراجع التاريخية الغربية- بهدوء وبناء على قناعات ذاتية للناس. أما مقولة “انتشار الإسلام بحد السيف” فهي مقولة متهافتة لا تستند على أساس ولا تفرق بين مواجهة الأباطرة والملوك الذين كانوا يقفون بوجه إبلاغ الرسالة للناس عامةً وبين القسر والإكراه كما عمدت بذلك الكنيسة الكاثوليكية في روما.ولكي ندحض نظرية الصراع الديني، ما علينا سوى النظر لحال مسيحيي الشرق حاليا وعلى مر التاريخ. فهل هناك ما يثبت أنهم تعرضوا لقمع أو مجازر -لاسمح الله- أو أي انتهاكات وهم في بلدانهم الشرقية؟ ويحضرني بهذا الإطار سلسلة المحاضرات التي ألقاها المفكر د. محمد سليم العوا حول الفتح الإسلامي لمصر حيث اعتمد اعتمادًا كاملاً على مراجع قبطية وغربية مثبتة علميًا بأن المسلمين عند دخولهم لمصر حافظوا على الكنائس والأديرة ولم يمسوها بسوء، في حين يذكر المؤرخون الغربيون أن الحكم الروماني لمصر سام الأقباط أبشع أنواع القهر الديني، لأنهم أرادوا تحويل الكنيسة الشرقية الأرثوذوكسية في مصر إلى الكاثوليكية ولو بالقوة وتعرض المطارنة والقساوسة والشمامسة لكافة أنواع التعذيب المادي والمعنوي من قبل الحاكم الروماني وتعرض بعضهم للطرد القسري وفضل بعضهم النفي الطوعي على الانصياع لرغبات روما. والتاريخ بهذا الجانب مليء بالوثائق والوقائع التاريخية المثبتة. وخذ كذلك بالتاريخ الوسيط ما قام به الناصر صلاح الدين بالحروب الصليبية من احترام للكنائس والأديرة رغم قتاله للصليبيين إلى درجة أن كثيرا من المسيحيين الشرقيين قاتلوا الصليبيين دفاعا عن أوطانهم لكي لا يدنسها هؤلاء القادمين من الغرب الذين كالوا لصلاح الدين بعد أن هزمهم مديحا وذكروا سيرته باحترام غير مسبوق لهذا السبب. وبالتالي فإن إسقاط ضعف المسلمين على الإسلام أمر غير مقبول تماما، وإسقاط عدوان وإمبريالية المسيحيين الإنجليكانيين على المسيحية أمر غير وارد لا منطقيا ولا واقعيا. فالحقيقة التي لا مفر منها أن الغرب الذي تنامت قوته مع بداية عصر النهضة والانقلاب الصناعي بدأ يبحث عن التمدد والتوسع لكي يعمل على الحصول على الموارد اللازمة لتحريك آلته الصناعية الجرارة، فوجد بالشرق بعد ضعف امبراطورياته في الدولة العثمانية والامبراطورية المغولية في الهند والدولة الصفوية في إيران، وجد موطيء قدم لكي ينتشر في جسد الشرق شيئا فشيئا. ولقد اتبع بذلك -ممثلا ببريطانيا العظمى- من التجارة وفرض فتح السوق المحلي والتبادل التجاري وسيلةً لتحقيق أغراضه عبر الاستئثار بخيرات هذه المناطق.

هل صدق هانتنجتون وفوكوياما؟

لقد لاحظ العالم التحولات التي طرأت على المفكرين الغربيين لا سيما الأمريكيين منهم بعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي من نزوح نحو الاعتقاد بأن العالم الرأسمالي قد تفوق بصراعه مع أكبر آيديولوجية تتهدده منذ بداية القرن العشرين ألا هي الشيوعية. والغريب أن هؤلاء المفكرين وجهوا سهامهم نحو دول الشرق الأوسط التي يغلب عليها الطابع الإسلامي رغم أن هذه المنطقة لم تكن توجه لهم أي خطر أو تهديدات آنذاك، بل كانت متحالفة مع الغرب للتخلص من الخطر الشيوعي المشترك حيث كان أسامة بن لادن يومها -بنظر الغرب- هو المجاهد البطل والمقاوم ثم انقلبت الآية ليصبح الرجل نفسه وبأثر رجعي” الإرهابي والمجرم والسفاح” كما ذكر ذلك الدكتور حسن الترابي في الحلقة الثانية من السلسلة. وقد يكون مرد هذا إلى الحالة النفسية المرضية التي تعتري بعض القطاعات العريضة والمؤثرة في الغرب وهي حالة Ethnocentrism أي نظرة الاستعلاء والفوقية العرقية، بينما يعاني البعض منا وخاصة ذوي الأماكن الرفيعة والعليا حالة Self-Underestimation وهي النظرة الدونية للنفس والإعجاب الدائم بالآخر وخاصة القادم من الغرب. ومن أهم المفكرين الذين طرحوا فكر الانتصار للقيم الغربية الدكتور صامويل هانتنجتون الذي توفي قبل ثلاثة أعوام، حيث طرح نظرية “صراع الحضارات” أي صراع الديانات كالمسيحية والإسلامية والبوذية والهندوسية… إلخ كبديل عن الصراع بالحرب الباردة القائم على الإيديولوجيات التي سادت بالقرن العشرين كالرأسمالية والشيوعية. ومن سمات الصراع الحضاري -حسب رأي هانتجتون- أنه أكثر عنفا ودموية من الصراع الآيديولوجي. ومن جهة أخرى، طرح الدكتور فرانسيس فوكوياما نظريته الأخطر وهي “نهاية التاريخ“. حيث قصد بها “نهاية تاريخ الاضطهاد والنظم الشمولية قد ولى وانتهى إلى دون رجعة مع انتهاء الحرب الباردة وهدم سور برلين، لتحل محله الليبرالية وقيم الديمقراطية الغربية.” ورغم أن نظرية هانتجتون أقل حدة وعدوانية من نظرية فوكوياما كونه من المحافظين الجدد، إلا أن الأخير يبدو أنه تراجع عن هذه النظرية الجامحة بعد أن تلمس مدى ازدياد كره الشعوب العالمية لأمريكا، وطالب حكومات الولايات المتحدة بعدم اللجوء للخيار العسكري المهلك إلا بعد استنفاذ جميع الوسائل السلمية والديبلوماسية. وهكذا يتبين لنا بقدر كبير من الوضوح أن نظريات العنف والإقصاء لن تفلح بتحقيق ما يصبو إليه الغربيون. ودعونا معا نتأمل هذا الخبر الجديد برابطه المرفق

رابط الخبر كاملا

قالت إليزا مانينهام ـ بولر الرئيسة السابقة للاستخبارات الداخلية البريطانية (إم آي فايف) إن بلادها والولايات المتحدة تدرسان سبل التفاوض مع تنظيم القاعدة بهدف التوصل إلى تسوية سلمية.

إذن لماذا شنت الولايات المتحدة وحليفتها الغربية بريطانية هذه الحرب التي زادت عن عشرة أعوام في أفغانستان مع القاعدة؟ ألا يعد هذا إفلاسا سياسيا كبيرا، لا سيما وأن القاعدة، ومع أنها تلقت ضربة كبيرة باغتيال أسامة بن لادن، قد تنال مكاسب عديدة من جراء هذه المفاوضات. وبمناسبة الحديث عن مقتل بن لادن، فقد اعترف الأمريكان أن معظم أفراد الفرقة الخاصة التي قتلت قائد القاعدة لقوا مصرعهم بالعملية النوعية التي قام أفراد جهاديون في أفغانستان بإسقاط طائرة الهليكوبتر التي كانت تريد إقلالهم لمكان عملية جديدة. ولا نعلم حقيقة صدق المزاعم الأمريكية بهذا الشأن لا سيما أن الصدق والكذب لديهم يتساويان، ولكن بفرض صدق هذا الزعم، ألا يعطيهم هذا دليلا نهائيا أن لجوءهم للعنف ولدوامة القتل وترديد الإسطوانة المشروخة “الإرهاب” لن يوصلهم لبر الأمان الذي ينشدون. ومن الواضح للعيان أن بعض معالم هذا الاتفاق أو الهدنة المبدئية قد ظهر في ليبيا، حيث أن معظم الذين ثاروا ضد نظام معمر القذافي هم من شباب القاعدة الذين سلمهم الأمريكان للسلطات الليبية السابقة التي عقدت معهم عددا من المراجعات الفكرية على أمل الاستفادة منهم بالنظام ولكن انقلبت الصورة عليهم وبالا، ولعل أشهر هؤلاء الجهاديون الليبيون عبد الحكيم بلحاج قائد معركة طرابلس الذي كان قبيل الثورة بوقت قليل يشكر النظام الليبي لا سيما سيف الإسلام القذافي على رعايته لهذه المراجعات. إلا إن حكم التاريخ يؤكد للغربيين أنهم حتى لو قتلوا مائة رجل بقيمة بن لادن لن يرتاحوا ولن يخمدوا فورة المقاومة بهذه المنطقة. ذلك أن مناطقهم وخيراتهم هناك لم يعتد عليها أحد، فلماذا يعتدون على هذه المناطق وينهبون خيراتها؟ ألا يتوقعون حدوث أي نوع من المقاومة؟ القصة بسيطة وواضحة ولا تحتاج لبن لادن ولا غيره لكي يرويها على هذه الشعوب التي تعتمر نار المقاومة والدفاع عن الأرض بقلوبها ودمائها.

هنالك نقطة تظهر لنا عند المقارنة ما بين القوة العظمى القديمة بريطانيا والقوة العظمى الجديدة الولايات المتحدة، وهي تتعلق بمسألة حبك المؤامرات والمكائد والدسائس. فلا شك أن لبريطانيا مبررات مفهومة لاستخدام هذه الوسائل بكل مهارة ولنا أن نضيف لذلك أيضا سياستها الشهيرة “فرق تسد” Divide to rule لأن بريطانيا بالواقع بلد صغير نسبيا ولا تقوم قائمة لحكمه على خُمس مناطق العالم إلا عبر هذه الوسائل “القذرة”، ولن نستغرب كذلك أنها -أي بريطانيا- كانت تستخدم أكبر جيش مرتزقة بالعالم (مع الاعتذار للبائد القذافي) وذلك لمحدودية مواردها البشرية. في حين لا أرى من جانب آخر أي مبرر للولايات المتحدة لانتهاج نفس الوسائل القذرة السابقة، ذلك أنها من المفترض أن تكون دولة كبرى متعددة الموارد والطاقات الطبيعية والبشرية ولا تلجأ سوى للوضوح والانفتاح على الشعوب، ويُفترض بها عدم دعم الأنظمة الاستبدادية بالمنطقة، بل الضغط عليها لتشريع الحريات العامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ونبذ الفساد. ولكنها بكل أسف لن تقوم بكل هذه الخطوات لأنها قررت انتهاج الخط الإمبريالي، بالرغم من أن الأمريكان أنفسهم قاتلوا البريطانيين لنيل حريتهم واستقلالهم كغيرهم من شعوب العالم الثالث، وكلمة السر بذلك هي “إسرائيل” وهي علاقة تحولت إلى حالة مرضية سايكوباتية لم يعد حتى الأمريكان والغربيين أنفسهم يفهمونها.

لا يفوتني ذكر نقطة أخيرة، وهي أن المشاهِد لحلقات السلسلة سيلحظ نزعة الانتقام الدموي التي سيطرت على الامبراطورية البريطانية بدءًا من العصر الفيكتوري لإخماد جميع حركات التحرر والاستقلال التي أخذت تظهر على السطح بمختلف المناطق التي كانت تحتلها من العالم. والسبب في ذلك باعتقادي أنها تخلت عن شعاراتها التي دخلت بها هذه المناطق وهو أنها لا ترغب باحتلالها بقدر ما ترغب بفتح الأسواق وتنشيط التبادل التجاري. فتحول هذا الشعار، مع حلول العصر الفيكتوري، إلى نقل الحضارة الغربية إلى هذه “المناطق المتخلفة والهمجية” حسب منظورهم الأعور، وبالتأكيد فإن هذا يتطلب فرض ثقافتهم ودينهم الذي يتعارض والمسيحية الحقّة. وقد مارسوا ذلك أبشع ممارسة في كلٍ من أستراليا وجنوب أفريقيا والهند وبعض المناطق في القارة الأفريقية وأمريكا الشمالية. فتحول وجودهم من التجارة وإنشاء سوق عالمي مفتوح إلى التسبب في أكبر صراع حضاري على مدار التاريخ.

شخصيات مميزة من السلسلة

السيد أحمد البريلوي

لا نعلم حقيقة سبب تركيز السلسلة الوثائقية على هذه الشخصية بالهند والإدعاء أنه من نقل الفكر السلفي الوهابي إلى الهند بالعقود الأولى من القرن التاسع عشر. فهذه الصفحة مثلا: نشأت الوهابية في الهند، تقدم استعراضًا لأهم العلماء والشخصيات الذين نقلوا الفكر الوهابي للهند وتحديدا بشمال الهند. ونحن نتحدث هنا عن الهند الكبرى التي تضم حاليا باكستان وبنغلادش إلى جانب الهند. ولعل مكمن أهمية السيد أحمد البريلوي ينبع من كونه قد التجأ إلى جبال بيشاور وأفغانستان حتى يحق له إعلان الجهاد شرعيًا. ومن هنا تكوّنت الكهوف والمقار الجبلية التي يلجأ إليها مقاتلو القاعدة حتى وقتنا الحالي، وهذا ما يود الغرب أن يعرف ظروفه التاريخية. والحقيقة أن هذه المسألة تثير الدهشة فعلا، فقد ظلت هذه الكهوف تقدم ملاذًا آمنًا للثوار والمجاهدين والمقاتلين والخارجين عن القانون إلى يومنا هذا، وعجزت كل الدول المحيطة كباكستان وأفغانستان عن السيطرة على هذه المناطق الجبلية الوعرة، وامتد العجز ليشمل القوى العظمى كافة مثل الاتحاد السوفييتي (السابق) ثم القوات الغربية الموجودة حاليا في أفغانستان وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا. وهذا الأمر يمثل إرثًا للسيد أحمد البريلوي ورفاقه ورمزًا خالدًا لروح المقاومة التي لا تنطفيء مع مرور الزمن. ولعل الحلقة الأولى التي تناقش الانتفاضة الهندية عام 1857 ستفتح لنا المجال بإذن الله للتطرق للتاريخ الهندي الحديث والمعاصر وهو ما نفتقده بترجماتنا للأعمال التاريخية وذلك لأهمية شبه القارة الهندية واستراتيجيتها المحورية بالعالم

الإمام محمد أحمد المهدي

– “يا أخي، هل كذبتُ عليك قط؟”

– “والله لم تكذب بحياتك قط لا علي ولا على غيري”

– “فماذا تقول لو قلت لك أنني جئتك من الحضرة النبوية
ومن جدي رسول الله -ص- أنني أنا المهدي المنتظر، وعليكم السمع والطاعة؟


إن الحركة المهدية بالسودان عبر رمزها الإمام المظفر محمد أحمد المهدي تمثل روحا وأملا للسودان الحديث. وقد استشعر المهدي أن هذه البلاد تحتاج لمن يحقنها بدفعة هائلة من الأمل والروح الجديدة. وفي الواقع لا يهمنا كثيرًا في هذا السياق ما ادّعاه من كونه “المهدي المنتظر” حيث أنكر عليه ذلك العديد من العلماء، بل يعنينا بالدرجة الأولى أنه قدم نقطة فاصلة في تاريخ السودان الحديث لتخليصها من حالة اللامبالاة وعدم استشعار الخطر الأجنبي. استأذنكم بأن اترك الحديث عن هذه الشخصية الهامة والمفصلية بتاريخ أمتنا لموضوع متكامل قادم، فقد صدق المهدي وعده رغم كل شيء.

تشارلز جوردن باشا “الصيني”

إنه شخصية بريطانية صرفة ويعد من أهم الشخصيات العسكرية البريطانية في العصر الفيكتوري على الإطلاق. ولقب بـ”الصيني” لدوره بالقضاء على ثورة تايبينج الصينية التي اشتعلت ضد آل تشينج حكام الصين بدءًا من عام 1850. وجوردن من الشخصيات الغريبة وغير المألوفة في بريطانيا وصعُب على أقرانه الإنجليز فهمه واستيعاب سلوكياته المتطرفة. فهو يتمتع بالاستقلالية وعدم الخضوع للخطط المرسومة من قبل الحكومة وغالبًا ما أحرج رئاسة الوزراء بعصيانه للأوامر، فكان أن واجه مصيره المحتوم رغم مناشدة المهدي له مرارًا وتكرارًا بعدم خوض هذه المواجهة غير الضرورية، لكنه أبى واستكبر وتصلب بموقفه حتى النهاية. وهو ما سنناقشه تفصيلا بموضوعنا القادم عن فيلم الخرطوم الكلاسيكي بحول الله.

عن ترجمة السلسلة الوثائقية

لم تواجهنا بحلقات السلسلة مشاكل كثيرة، سوى أننا تفاجئنا ببداية شهر رمضان أن جوجل أغلقت موقعها GoogleDictionary وهو كان موقعا مفيدا للغاية لمن يريد ممارسة الترجمة السماعية لأن المترجم إن سمع كلمة غير معلومة المعنى ووضع تهجئة قريبة منها بهذا القاموس فإنه سيقدم أفضل تصحيح ممكن للكلمة المرغوبة ودون أن يضيع وقت المترجم الثمين بعرض مجموعة كبيرة من الاختيارات كما يفعل موقع قاموس ويبستر. وقد طالب كثير من زوار موقع قاموس جوجل أن تعيده شركة جوجل دون تصغي لهذه المطالب الكثيفة. وسنضطر بغياب ذلك الموقع الذي كنت أعمل عليه مدة تزيد عن 4 سنوات لاستخدام 3 أو 4 مواقع متعددة لتعويضه وهذه عملية مرهقة الحقيقة بالترجمة السماعية تحديدا.

وكما تفضل الأخ جبر كمال، فإنني حاولت قدر الإمكان جعل عملية الترجمة السماعية بالنسبة له ممتعة ومشوقة وعملنا معا على إزالة نقاط الصعوبة وعدم الوضوح. والحقيقة أن حلقة فلسطين بما حوته من معلومات مثيرة لم تكن لحسن الحظ بذاك القدر من الصعوبة لأن شخصياتها ومواقعها معلومة ومحفوظة تماما. بينما ضمت حلقتي الهند والسودان بين جنباتها ضرورة تدقيق اسماء الشخصيات والمواقع المختلفة مما سبب نوعًا من الإبطاء الضروري للتقصي وتحري الصحة. ورغم أنني لم أضع ترجمة هذه السلسلة ضمن جدول ترجماتي المستعجل، إلا أنني وجدت فرصة بترجمتها لإصرار أخي جبر على ترجمة مادة وثائقية عن فلسطين وبالتالي لم يكن من الجميل ترك الحلقتين الأولى والثانية بلا ترجمة، لا سيما وأنني أعجبت بموضوع سلسلة صراع الحضارات بنهاية عام 2008 تقريبا، فكانت هذه الفرصة المناسبة لعرض ترجمتها أمام حضراتكم.

ولا يسعني بالنهاية سوى حمد الباري عز وجل على ما أفاء علينا من نعم لا تعد ولا تحصى
فله الفضل والمنة لا إله إلا هو وحده لا شريك له.

وصلي اللهم على نبينا وشفيعنا الرسول المصطفى النبي الأمي الأمين

وتقبلوا أطيب تحية من مترجمي العمل

جبر كمال

و

فيصل كريم

One response to “صراع المسيحية والإسلام أو صراع الغرب والشرق- الترجمة المشتركة للسلسلة الوثائقية CLash Of Worlds (BBC)

  1. التنبيهات: قطع الذراع الطويلة (2-2)-قصف مفاعل تموز والشهيد بإذن الله يحيى المشد- ترجمة Raid On The Reactor | faisal175·

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s