إيران بين حلم الثورة وخطر الغرق بالخليج – الترجمة المشتركة للسلسلة الوثائقية Iran And The West (BBC)

نقدم لكم أيها الأخوة والأخوات الكرام سلسلة وثائقية هامة تدخل من ضمن إطار التأريخ المعاصر والقراءة السياسية المعاصرة لأحد أهم المواقف والأحداث التي أثرت على العالم عموما والشرق الأوسط والخليج العربي خصوصا. إنها الضفة الشرقية للخليج تلك الدولة الكبيرة التي تمثل الميزان الثالوثي بالشرق الأوسط بالإضافة إلى مصر وتركيا، ألا وهي إيران. وتصور لنا هذه السلسلة مدى سوء العلاقة التي شابت الغرب منذ اندلاع الثورة الشعبية الهائلة ونجاحها في بداية عام 1979. سنتحدث بإذن الله عن هذه الثورة ونتائجها وعلاقتها بنا نحن كعرب وكخليجيين بالرد الثاني، ولكن اسمحوا لي بالبداية بتقديم أعضاء الفريق الذين اشتركوا بترجمة هذه السلسلة بعد أن نقدم السلسلة بشكل موجز.

Iran And The West

إيـران والـغـرب

اشترك بترجمة السلسلة الوثائقية كل من الأخوة الزملاء

أحمد الزعبي

الحلقة الأولى

The man Who Changed The World

الرجل الذي غيّر العالم

وتتدرج الحلقة الأولى من سلسلة إيران والغرب زمنيا بتوصيف العلاقة المتأزمة ما بين الغرب وإيران منذ قيام الثورة وتشجيع الغرب لاندلاع الحرب ما بين العراق وإيران وكذلك محاولة عرض فكر وشخصية آية الله الخميني بشكل مبسط. وتعرض الحلقة لقطات نادرة لكل من قائد الثورة وكذلك الشاه بلحظاته الحائرة وأيضا الإذلال الذي تعرض له الأمريكيين وتآمرهم على بعضهم البعض (تآمر فريق ريجان على رئاسة جيمي كارتر).

جبر البرعي

الحلقة الثانية

The Pariah State

الدولة المنبوذة

ومن خلال الحلقة الثانية، تتطرق السلسلة إلى اقتحام إيران للوضع المتدهور جراء الحرب الأهلية لبنان والغزو الإسرائيلي عام 1982 وظروف تأسيس حزب الله، وتعرِض كذلك تبعات الحرب العراقية الإيرانية المدمرة على الطرفين، وكيفية حصار الغرب لإيران وجعلها دولة مكروهة ومعزولة من جوارها الأقليمي وبالمجتمع الدولي.

فيصل كريم

Nuclear Confrontation

المواجهة النووية

وتسلط الحلقة الثالثة الضوء على محاولة إيران كسر طوق العزلة التي فرضها الغرب وساعدها بذلك التوازنات الإقليمية المتباينة بوجود القاعدة في أفغانستان ونظام صدام حسين في العراق، ما أدى إلى تقاطع المصالح الإيرانية-الأمريكية عبر الرغبة بإزالة هذين النظامين من الوجود. إلا إن إيران حاولت استثمار هذا التقاطع من خلال السعي للحصول على الطاقة النووية فأدى ذلك لإجراء مفاوضات طويلة وشاقة ما بين الإيرانيين من جهة والأوروبيين والأمريكيين من جهة أخرى.

وتتحدث السلسلة التي انتجتها البي بي سي عام 2009 بمناسبة مرور 30 عام على الثورة الإيرانية، تتحدث عن العلاقة المتوترة والعدائية ما بين إيران والغرب. وتحاول تقديم قراءة متوازنة لخلفيات وأسباب العداء المستحكم ما بين الطرفين. وتمثل هذا باستضافة كبار الشخصيات والمسؤولين من الطرفين بالإضافة إلى عرض مقابلات مسجلة مع زعماء رحلوا عن الدنيا تشرح مواقف معينة اتخذوها إبان الأزمات المتتالية التي وقعت بعد نجاح الثورة في إيران وطرد الشاه وعائلته من طهران إلى الأبد. ومن أهم اللقاءات المعروضة شرائط مصورة تعرض لأول مرة لآية الله الخميني يتحدث بها لصحفيين قابلوه طوال المدة التي كان منفيا بها بضاحية (نوفل لو شاتو) قرب باريس، وهي فترة لم تدم أكثر من ثلاث شهور إلا إنها تميزت بحركة دؤوبة من الجهاز الإعلامي للسيد الخميني قابل بها عشرات الصحفيين المهمين بالعالم في باريس التي أصبحت خلال هذه الفترة البسيطة قبلة لصحفيي العالم لمعرفة وجهة نظر هذا الشيخ الديني الهام. ومن أهم الصحفيين الذين قابلوا الخميني الاستاذ محمد حسنين هيكل الذي سمح له “الإمام” بجلسات موسعة ومطولة عرض بها آراءه بالساحة الإيرانية والشؤون العربية والإسلامية، فألف الاستاذ هيكل بعد هذه اللقاءات كتابه الهام “مدافع آيات الله” بأواخر عام 1980 باللغة الإنجليزية بعنوان The Return Of Ayato Allah ثم ترجم كتابه للعربية د. عبد الوهاب المسيري رحمه الله. وهذا الكتاب سيشكل مرجعا مهما لنا لتأريخ مرحلة بداية الثورة الإيرانية وخلفياتها ومعطياتها التاريخية المسببة لها.

أسلوب ترجمة السلسلة

كنتُ قد تقدمت باقتراح ترجمة هذه السلسلة التي كانت لها ترجمة نصية. ولكن تبين لنا لاحقا وأثناء ترجمتنا أن الملفات النصية لا تشمل الحوارات والنقاشات غير الإنجليزية التي كانت تعرض مترجمة على الشاشة Hard-Subbed، مما أرهق فريق المترجمين كثيرا. والحقيقة أن ما يدعو للإرهاق أن هذه الحوارات بالشاشة تظهر متقطعة وغير متصلة وأحيانا متداخلة ما بين المتحدثين، وهو ما يتطلب دقة شديدة بوضع السطور الجديدة في ثنايا السطور الموجودة فعلا بالنص. وكان الثقل يتركز بالحلقتين الأولى والثانية حيث تجاوزت عدد السطور المترجمة “قرائيا” إن جاز التعبير 300 سطر مضاف، بينما كانت وطأة الحلقة الثالثة أخف كثيرا حيث بلغ عدد سطورها 100 سطر تقريبا. إلا أن لغة السلسلة سلسة وواضحة ولا تحمل تعقيدات لغوية تستدعي مهارات استثنائية بالترجمة، فالمشكلة التي واجهتنا تمثلت بالسطور القرائية التي يجب ترجمتها، كما أنني واجهت مشكلة أخرى قد لا يحظها المشاهد وهي وجود أعطاب معينة بنسخة السلسلة المسجلة من قناة البي بي سي (بمعنى أنها ليست نسخة ديفيدي بل DVB) ويبدو أن هذه الأعطاب لم تسمح -كما ظهر لي- لبرنامج الووركشوب بضبط توقيف المشاهد عند الإعادة، لكنها على العموم لم تكن مشكلة مؤثرة ولن يلاحظها المتابعون للسلسلة.
وما دعاني لاقتراح ترجمة السلسلة في واقع الأمر، هو الحالة الغريبة التي ظهرت لنا إبان وقوع المظاهرات التي جرت في البحرين في شهر فبراير الماضي، حيث واجهنا اصطفافا مذهبيا واضحا فيما بين ضفتي الخليج أدى لوجود احتقان طائفي مؤسف داخل البلد الواحد. بينما كان المشهد مناقضا تماما في كل من الثورتين التونسية والمصرية ويشاركهما في ذلك الثورات المندلعة حاليا في كل من اليمن وليبيا وسورية، حيث لا وجود للشعارات الطائفية تماما ولا المطالبات المذهبية، بل صدحت الشعارات الوطنية المطالبة بالإصلاح الجذري وإطلاق الحريات والتخلص من الاستبداد. وبالتالي فإن الموقف بالخليج العربي (أو كما يحلو للأخوة الإيرانيون تسميته الخليج الفارسي) يحتاج لمزيد من القراءة والتمعن لفحص خبايا العلاقات المتوترة بين ضفتي الخليج الثريتين بالنفط، والتي يجزم الكثير من المراقبين أن الغرب هو الذي يشعل من فتيل الكراهية والعداء ما بينهما. وهو ما سنتحدث عنه بالرد التالي كمحاولة لتفسير مغزى التوتر بين إيران والغرب الذي جر بدوره بلا مبرر الشكوك والتوجس بين الخليجيين بكلتي الضفتين.
ولا يسعني بالنهاية سوى شكر زميلي مترجمي السلسلة الأخ أحمد الزعبي والأخ جبر كمال البرعي على صبرهما بتنفيذ ترجمة السلسلة الوثائقية رغم المشقة الوافرة بترجمتها

تحميل تورنت للسلسلة

من هنا

الحلقة الأولى على اليوتيوب مترجمة
الحلقة الثانية على اليوتيوب مترجمة
الحلقة الثالثة على اليوتيوب مترجمة
ولمزيد من المناقشة عن هذا الموضوع يرجى قراءة التالي –>
iranandthewestcover
——————————————————————————————————————–
اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة السيد حسن نصر الله
هناك بالمنطقة من يحاول شيطنة إيران خدمة لأهداف إسرائيل

الرابع والعشرون من يونيو 2011

————————————————————–
لا شك أن من أهم الأسباب التي دعتنا للتطرق للعلاقة مع إيران هو ذلك الإحباط الناجم عن الموقف الإيراني السلبي مما حدث من تظاهرات في البحرين وكذلك الثورة الجارية حاليا في سورية. لكن الصورة قد تبدو ضبابية بعض الشيء حول من يقف مع من، ومن يعارض من، ومن لا يهمه أمر من! ولعلني قد أحاول الاجتهاد بهذا لأقول أن الصورة العامة وخصوصا بالخليج قد تنقسم بالشكل التالي:

أولا: إيران بجمهوريتها الإسلامية والأطراف المؤيدة لها والمتعاطفة معها سواء مذهبيا من جمهور الشيعة غير القليل بل والمؤثر بالخليج أو ممن يرجحون المنطق العقلاني الرامي إلى إحداث نوع من التوازن الاستراتيجي بالمنطقة مقابل الكفة التي كانت سائدة ما قبل الثورات والمتمثلة بأمريكا والكيان الصهيوني والدول التي توصف بـ”المعتدلة”.

ثانيا: معظم دول ومشايخ الخليج التي تقطنها أغلبية سنية كاسحة، وهي تشعر بشكوك عميقة وارتياب كبير من الدور الإيراني وطموحه بالضفة الغربية للخليج.

ثالثا: أصوات نحاول قراءة الموقف بصورة منطقية وموضوعية ولا تنجرف لأي من التيارين المتعارضين، ولكنها عند نشوب الأزمة فضلت الصمت حيث لا يجدي التعقل وقت هبوب رياح الجنون العاتية من كل حدب وصوب.

وبهذا فإن المواقف كانت غاية في التعقيد والتشابك لا سيما بعد نشوب الأزمة بتلك الجزيرة الصغيرة بقلب الخليج، ما بين رغبة بالسير على نهج الإصلاح وإطلاق الحريات العامة والتخلص من الفساد المستشري بدول الخليج الذي بدأ مع انطلاق الثورات في كل من تونس ومصر، وبين ظهور غول الاصطفاف المذهبي والاحتقان الطائفي الذي لا زلنا نشهد معالمه حاليا. ولا أنفي كمتابع لما جرى بالساحة شعوري بالغضب الشديد من وصول الوضع إلى ما وصل إليه، وكأن الطريق إلى الإصلاح مفخخ باحتقان الطائفية والاصطفاف المذهبي إلى ما لا نهاية. وكأن هناك من يكبل هذه المنطقة عن السير باتجاه إقامة الدولة العصرية الحديثة المبنية على احترام حقوق الإنسان والديمقراطية وحرية التعبير والحريات العامة المكفولة بالدستور والقانون. كل هذه الأماني ذهبت أدراج الرياح حين ارتفعت الشعارات المذهبية من كلا الفريقين، ودقت طبول النزاع والصدام.
لكن علينا أن نتحلى بأقصى قدر ممكن من الموضوعية للوصول لنقاط مفهومة تفسر لنا كيفية التفكير الإيراني الذي تدور حوله شبهات الرغبة بالهيمنة على الخليج. وعلينا أيضا تحليل الأمور من الجانب العقلاني الواقعي والنأي بقراءتنا عن الجوانب الآيديولوجية -مع احترامنا لها- حتى نتمكن من فهم بعض النقاط الأساسية بالمزاج الإيراني العام.

الدولة الصفوية والـتشـيـّع

قد تكون بداية تأسيس أول كيان سياسي في إيران يتبنى المذهب الشيعي الإثنا عشري بشكل تام في عام 1501م عند ظهور الدولة الصفوية على يد إسماعيل الصفوي. وقد قيل الكثير عن هذه الحقبة الغامضة منها أن الحكام الصفويون لجأوا إلى فرض التشيع بالقوة، وقيل أيضا ما هو أكثر خطورة بإن إسماعيل الصفوي قد عمل على عقد تحالف مع ملك البرتغال مانويل الأول بنفس العام السابق واتفقا على غزو مكة المكرمة عن طريق قوات صفوية قادمة من الشرق وقوات برتغالية بحرية تهجم من البحر الأحمر، وفشلت هذه الخطة لظروف محلية واجهت الملك البرتغالي. ورغم أنني لا أملك تأكيد أو نفي هذه الواقعة لصعوبة العثور على مرجع موثوق منه بهذه المسألة تحديدا، إلا إن هذه الرواية يغلب عليها التهافت وعدم الدقة بالغاية. على أن الدولة الصفوية دخلت في نزاع مسلح مع القوة الإسلامية الأكبر في ذلك ألا وهي الدولة العثمانية وتجلى ذلك في معركة جالديران عام 1514 التي انهزم بها جيش إسماعيل الصفوي على يد الجيش العثماني بقيادة سليم الأول.

الدولة الصفوية في أقصى امتداد لها

وما يهمنا هنا مسألة فرض تشيع بلاد فارس من عدمه وهو أيضا أمر يصعب التحقق منه لصعوبة العثور على دلائل تثبته. ولكنه على أي حال لن يكون مستغربا، “لأن الناس على دين ملوكها” كما يقال، ولكن إحقاقا للحق، فإن المسؤولين الإيرانيين الحاليين ما انفكوا ينفون عن أنفسهم الصلة بالجانب الصفوي وأن نظامهم لا يحمل شيئا من هذا التراث. وخلاصة الأمر أن إيران بحلول القرن الثامن عشر قد سيطر عليها التشيع -سواء فرضا أم طوعا- وأصبحت هذه مسألة واقعية ولا تمثل بحد ذاتها مشكلة، لأن الدين الإسلامي منفتح وتستفيد منه العقول وتستنير ويتقبل الفكر المستنير، فمن يرضى إدخال عقيدته بعالم الغيبيات والأساطير التي ينسجها البشر فهو حر بذلك وجزاؤه عند ربه ليبلغه إن كان قد سلك طريق الحق أم حاد عنه. ولا أر داعيا للتشنج أو الكراهية أو حتى بالانزلاق لمغبات التكفير من كلا المذهبين. ولا يمكن لأي حاكم الآن أن يلجأ لفرض دين أو مذهب بعينه كما فعل الصفويون بالماضي -فيما لو صح فرضهم للتشيع بالقوة- لأن العصر قد اختلف تماما. ولو جاز لنا عقد مقارنة بهذا الإطار فسنجد أن مصر أيضا تعتبر بلدا شيعية الهوى ولكنها اتجهت لهذه الوجهة دون غلو أو بعث لأساطير ما أنزل الله بها من سلطان، وهي كذا كانت ولا زالت غير مغالية بسنيتها ومتسلحة بالوسطية روحا وعملا. فلا ضير من التشيع وحب آل البيت إن كان به خير ويؤدي إلى التقاء المسلمين وتعاضدهم.

الحروب العالمية تكرس آل بهلوي حكاما لإيران

عائلة الشاه محمد رضا بهلوي المخلوع

لا شك أن إيران بمساحتها الواسعة تقع في منطقة خطيرة جدا من العالم، بحيث أنها تمثل نقطة التقاء الشرق الأقصى بوسط العالم القديم. وأغرى هذا الوضع بعد ضعف حكم القاجاريين في إيران كلا من الامبراطوريتيين البريطانية والروسية لتقاسم النفوذ بها ما بينهما، حيث سيطر البريطانيون على جنوب البلاد ومنابع النفط الغزيرة التي ظهرت لاحقا وهيمن الروس على شمال إيران. وظل الوضع كذلك حتى موت أقوى ملوك القاجار الشاه مظفر الدين عام 1907 واندلاع الحرب العالمية الأولى بعد ذلك. وتحكـّم البريطانيون والروس بكل مقدرات البلاد بما في ذلك حق تشكيل قوات الشرطة والجيش التي كانت عبارة عن قوات غير نظامية ومشتتة وغير وطنية. وبعد ضعف آل قاجار، ظهر من الجنود الفرس الذين أمكن لكل من البريطانيين والروس الاعتماد عليه بعد أن أثقلت على كاهلهم الحرب رقيب يدعى رضا خان وكان رجلا أميّا جاهلا إلا إنه يتمتع بقوة الشخصية. فطلب منه الإنجليز تشكيل حكومة مؤقتة تدير البلاد، غير أنه فضل تنصيب نفسه ملكا بلا أي امتداد أو حق طبيعي يمنحه هذا الملك. ثم كان أن خلع على نفسه لقب “بهلوي” وهو اسم للغة فارسية قديمة. فتبين أن كل ما قيل عن عراقة آل بهلوي ما هي إلا دعايات زائفة حيث لم يحكم منهم سوى هذا الشاه الذي خلعه الحلفاء عام 1941 بسبب تأييده لألمانيا النازية بالحرب العالمية الثانية، والثاني هو ابنه الشاه محمد رضا بهلوي الذي أسقطته ثورة 1979.

مرجعية قـُم بمواجهة الشاه

آية الله الخميني

إن الحياة الدينية في إيران تعتبر مظهرا من المظاهر الغالبة بهذا البلد والتي لا يمكن التغاضي عنها أبدا. وهو ما شكل صراعا دائما مع الشاه الذي اتجه بعد نجاته من ثورة د. محمد مصدق عام 1951 إلى التغريب والارتماء بإحضان القوى الغربية مبتعدا عن محيطه الإسلامي والعربي. وهذا ما لم يرق بطبيعة الحال للإئمة والملالي المتواجدين في مدينة قم التي تعتبر ثاني أهم مرجع جعفري إثنا عشري بعد مدينة النجف في العراق. وفي نهاية الخمسينات برز عالم دين شاب أخذ يتجمع بحوزته الكثير من المريدين وطلاب العلم الأدنى درجة منه. وكان هذا الشاب الفقيه يدعى أحمد مصطفى الموسوي الخميني أي أنه من مدينة الخمين الإيرانية وحاز لاحقا على الدرجة العلمية من الحوزة في قم فأصبح يطلق عليه آية الله روح الله الخميني. ولكن قبل أن نتحدث عنه علينا أن نشرح بإيجاز معاني هذه التسميات التي يختلط على البعض فهمها. تعتبر تسميات الألقاب الدينية في الحوزات الفقهية في قم والنجف بمثابة درجات علمية يتدرج بها طالب العلم (الديني) وهي كالتالي تصاعديا:
– طالب علم
– مجتهد: طالب أجهد نفسه كي يكوّن رأيا
– مبلّغ الرسالة
– حجة الإسلام
– آية الله
-آية الله العظمى: وهو مرجعية يعود إليها جميع العلماء الآخرين

 

وهي تتشابه مع الدرجات العلمية المعروفة لدينا كالحائز على البكالوريوس والماجستير والدكتوراة والبروفيسور، إلخ. وينص الدستور الإيراني بعام 1906 على عدم محاكمة أو إلقاء القبض على من يأخذ لقب آية الله العظمى. ولا يزيد من يأخذ هذه الدرجة العلمية عن خمسة أشخاص في نفس الوقت.
الشاهد أن آية الله الخميني رفع الصوت بوجه الشاه واعترض جهارا نهارا على كل قراراته وإجراءاته الاستبدادية. ويبدو كما ذكر الاستاذ محمد حسنين هيكل بكتابه “مدافع آية الله” أن معظم المرجعيات في قم لم تشاركه هذه الحماسة والتشدد تجاه الشاه وسلطته، لا سيما وأن الأخير قد تعاظم نفوذه بعد القضاء على ثورة مصدق الوطنية التي كانت تسعى لتأميم النفط بوقت مبكر جدا. ولكن بذات الوقت فإن المراجع العليا أرادت أن تحمي هذا الفقيه الشاب المجتهد الذي بلغ درجة آية الله ولما يصل بعد للدرجة التي تليها “آية الله العظمى” والتي تحمي صاحبها من الإلقاء بغياهب السجون. وبما أن آية الله الخميني كان غزير الإنتاج والعلم، اتفقت المرجعيات على منحه لقب آية الله العظمى بناء على كتابه الملفت للإنظار “تحرير الوسيلة“. لكن الشاه أراد التخلص من هذا الفقيه الجديد آنذاك بأية وسيلة فكان أن أمر بنفيه خارج البلاد عام 1963. فنقلته مروحيات إيرانية لموقع نائي على الجبال ما بين تركيا وإيران، لكنه نجح بمشقة بالوصول إلى جنوب العراق ليستقر عند آل الحكيم في النجف، وكان الخميني قد أوصى زوجته السيدة خديجة سقفي -رحمها الله- ألا تلحق به، لكنها أبت ذلك فسافرت إليه بالنجف عند سماعه خبر وصوله هناك. وهناك قصة طريفة يرويها الاستاذ هيكل عن زواجهما وهي أنها لم توافق عليه عندما خطبها ذلك أنها كغيرها من الفتيات تريد رجلا موظفا في طهران يؤمن لها بيتا وحياة رغدة. لكنها بعد الليلة التي خطبها بها جاءها منام ظهر لها به علي وفاطمة والحسين عليهم السلام وطيف يؤشر عليهم ويقول أن هؤلاء لا يحبونك لأنك رفضتِ ابنهم. فحدثت أباها مباشرة بالصباح التالي أنها موافقة على الزواج من السيد الخميني، وبالفعل كانت خير رفيقة له بالوطن والغربة وبعد نجاح الثورة.

السيد الخميني والسيدة حرمه

وهو في المنفى بالنجف

والخميني شخصية لا تهادن ولا تقبل المساومة خاصة بما يخص مواجهة الطغيان والظلم، وقد يكون من أوائل من استخدم كلمة “الطاغوت” بالقرن العشرين لإسقاطها على حاكم يعاصره بلا خوف أو جزع. وقد تفسر لنا طبيعة نشأته هذا الأمر، فقد قتل أحد كبار الملاك والده السيد مصطفى موسوي بسبب دفاعه عن حقوق المستأجرين الضعفاء، وكان الخميني طفلا صغيرا لم ينعم بمشاهدة أبيه ولا يتذكره إطلاقا. وهو بهذا لا يؤمن أبدا بالحلول الوسط، ولا شك أن هذه الصفات قد جعلت منه أقوى الثوريين بالعالم في القرن العشرين. إلا أن ما ساهم بتعزيز كراهية النظام القائم هو سياسات الشاه الرعناء وارتمائه بأحضان الغرب ولجوئه للقمع الشديد ونفشه لريشه كالطاووس أمام إيران والعالم والإنفاق الشديد على بذخه من ميزانية الدولة، كل هذه العوامل قد جعلت من الشعب الإيراني يلجأ للخميني لأملهم الكبير به للتخلص من هذا الفساد المستشري رغم أنه كان منفيا بالعراق. فشعر الشاه متأخرا بخطر وجود الخميني على مقربة منه بالعراق، فطالب العراقيين بطرده وضغط على الكويتيين بعدم استقباله أو استضافته. فعرض الحسن بني صدر استضافة آية الله الخميني في باريس مع توفير وتنسيق كافة متطلبات الثورة التي اشتعلت بوجه الشاه بأواخر عام 1977. ولا نغفل أن الناس كانت متواصلة مع الخميني قبل ذلك عبر شرائط الكاسيت التي كانت ينسخها أتباعه ويوزعونها على كافة المدن الإيرانية. ولا نبالغ إن قلنا أنه إذا عطس الخميني حينها في باريس فسيشمّته الناس في طهران، وأي كلمة تصدر منه بالمنفى فهي مطاعة ومستجابة فهو روح الثورة وقلبها وعقلها.

السيد الخميني لحظة وصوله طهران قادما من المنفى بعد نجاح الثورة

ولا نجافي الحقيقة إن زعمنا أن الأقدار أيضا قد وقفت مع آية الله الخميني بنجاح الثورة التي أطاحت بحكم الشاه وطردت البهلويين من إيران إلى الأبد. وتوجد حادثتان تشيران لهذا الأمر. أولهما، أن الطائرة التي أقلت الخميني من باريس إلى طهران انطلقت على مسؤولية من وفرها وبلا أي ضمان للحماية في إيران. وكان طاقم الطائرة الفرنسي يتساءل “هل سيطلقون علينا النار في مطار طهران؟” ولم ينعم بالنوم بالطائرة أيا من ركابها، ولهم كل الحق بذلك فالقتل والإعدامات وصلت للآلاف باليوم الوحد فيما بين الجيش والشعب وما بين ضباط وأفراد الجيش بعضهم البعض، ولم ينم بالطائرة سوى شخص واحد افترش “الدوشق” بها ونام قرير العين، إنه الخميني بلا ضير. وبالفعل فقد كانت مخاوف الكثيرين في محلها، حيث ذكر لاحقا شاهبور بختيار، رئيس الوزراء الذي عينه الشاه قبل هروبه من البلد ولم يرض عن تعيينه السيد الخميني، أن أوامر إطلاق النار على الطائرة وهي تحلق بالهواء كانت جاهزة تماما، “ولكنني خشيتُ أن يكون الخميني هو المهدي المنتظر” ولا علم لي الحقيقة بمصدر هذه المقولة سوى ما يتناقله الناس من كلام يعطي هالة من القدسية على هبوط الخميني بأرض طهران، وعلى أي حال فإن بختيار كان قادرا على قصف الطائرة ولكنه لم ينفذ تهديده أو هو لم يجرؤ على ذلك من الأساس. أما الحادثة الأخرى، فهي ذات دلالة أقوى. فقد قرر الرئيس جيمي كارتر أن يلجأ للخيار العسكري لإطلاق سراح الرهائن الأمريكيين الذين اعتقلتهم الجموع الطلابية الثائرة عام 1979 حيث حدثت أزمة الرهائن الشهيرة التي استغرقت 444 يوما. فأطلق كارتر أول عملية للفريق العسكري ديلتا وسميت بمخالب النسر وتقضي بإرسال ما لا يقل عن 8 طائرات هيليكوبتر كبيرة الحجم لاستعادة الـ55 أسيرا بالسفارة الأمريكية المحاصرة. إلا أن الأمر المثير للدهشة أن أيا من هذه الطائرات لم تصل لوجهتها المحددة حيث ضربتهم هبوب عاصفة رملية شديدة أدت لتصادم إحدى الطائرات العمودية بطائرة وقود ضخمة مما أدى لمقتل ما لا يقل عن 8 جنود أمريكان، فكانت بالتالي أفشل عملية عسكرية تقوم بها القوات الأمريكية على الإطلاق

طائرة التزود بالوقود الأمريكية التي تحطمت في صحراء إيران

ويجدر بنا ألا نستنكر عملية احتجاز الرهائن التي جرت بعيد انطلاق الثورة الإيرانية لعدة أسباب:

أولا: الدور الأمريكي الواضح والفاضح بالانقلاب المضاد على حكومة مصدق عام 1953 بحيث أن السفارة الأمريكية لم تكن كغيرها من السفارات، بل كانت وكرا هائلا للجواسيس وعملاء الاستخبارات والعسكريين. إلى درجة أنني تفاجأت مثلا من ذكر الاستاذ هيكل بكتابه الصادر عام 1981 عن الثورة لاسم نورمان شوارزكوف الذي كان يعمل منذ تلك الحقبة كمدير أو مستشار للشرطة الإيرانية.وهذا الرجل شهير للقاصي والداني بالظروف المدمرة التي حدثت لاحقا حين وقعت حرب الخليج الثانية 1990-1991.

ثانيا: هروب أحد الجواسيس من السفارة الأمريكية محملا بوثائق خطيرة وإلقاء الثوار القبض عليه مما كشف النقاب عن مخطط ومؤامرة أمريكية تنفذها وكالة المخابرات المركزية تهدف إلى إعادة الشاه أوتشكيل حكومة عسكرية ديكتاتورية تعمل على إبادة الثوار حتى لو تطلب ذلك قتل أكثر من 50 ألف قتيل.

ثالثا: الدور التقليدي السيء للسفارة الأمريكية في إيران كونها تحاول استغلال جميع الظروف لصالحها دون اعطاء أي اعتبار للشعب الإيراني وما يعانيه من فقر وأمراض اجتماعية إبان حكم الشاه. فكان هذا الشعب يتأفف من مجرد ذكر هذه السفارة والعبء الذي مثلته على نيل الإيرانيين لحريتهم.

وهكذا فإن الأمريكان تعرضوا لأكبر إذلال في تاريخهم وتجرعوا من نفس الكأس التي سقوها لمضيفيهم في إيران عام 1953 وما بعده، ومن الشواهد الدالة على ذلك أنه عندما طالب الرئيس جيمي كارتر مساعديه ومستشاريه بعمل شيء ما عند وقوع الأزمة، لم يعي أن الأوان قد فات فقال له أحد مسؤوليه عبارة لم تخضع للرقابة Jim, they caught us from the balls. والأدهى من ذلك أن الأمريكان خانوا بعضهم البعض بثنايا هذه الحادثة، حيث فاوض فريق المرشح رونالد ريجان الإيرانيين سرا وطلبوا منهم عدم إطلاق الرهائن إلا بعد تنصيبه رئيسا. وسنلحظ بالحلقة الأولى لقطات مثيرة للشفقة للرئيس كارتر وهو زائغ البصر ويتمنى وصول أنباء جيدة عن الرهائن حتى لو في آخر دقيقة من عهده. ومن المثير للاستهجان والسخرية أن هذا الوضع بذاته قد تكرر لاحقا مع الفرنسيين، فقد غدر الفرنسيين بعضهم بببعض مقابل الحصول على مكاسب انتخابية على حساب قضية الرهائن الفرنسيين في لبنان الذين احتجزهم حزب الله. فعقد الحزب الاشتراكي بقيادة جاك شيراك صفقة سرية مع اللبنانيين وعلم بها الإيرانيون بوقت متأخر تقضي بأن يدفعوا لهم أضعاف ما ستدفعه حكومة الرئيس فرانسوا ميتران وهي التي تكبدت عناء المفاوضات مع الإيرانيين عبر الصحفي المعروف إيريك رولو، مقابل أن يسلم الرهائن إلى فريق شيراك لا لفريق ميتران بعد فوز الفريق الأول بالانتخابات، كل هذا يجري والرهائن بعد تحريرهم غافلون عن هذه المساومات الرخيصة والتي قد ترقى للخيانة العظمى بالأوضاع الطبيعية.

أعضاء السفارة الأمريكية في طهران الذين قبض عليهم كرهائن

ومن هنا يتبين لنا أن الإيرانيين بقيادة آية الله الخميني الصلبة وغير المهادنة قد نجحوا باستراتيجية الثورة وقضائها على أعدائها واحدا تلو الآخر. ولكن هل تمكنت الثورة من النجاح بالتحدي الصعب الذي يلي نجاح أي ثورة؟ وفي هذا الإطار يشرح الاستاذ هيكل مغزى عنوان كتابه “مدافع آية الله” بالقول “أن الخميني نجح باستراتيجية وتكتيك القضاء على نظام الشاه وإسقاطه تماما، ولكن هل سينجح بالتحدي التالي المتمثل ببناء مؤسسات الدولة ومراكز القوى الموالية للثورة بكل ما تحتويه من تعقيدات واستراتيجيات اقتصادية واجتماعية وسياسية؟ بالمعنى العسكري أن قيادة الثورة كانت لها مدافع دكت النظام السابق بنجاح، لكن من هم المشاة الذين سيعملون على بناء الأرض التي سيطروا عليها؟” هذا ما واجهته الثورة، وعلينا أن نفطن إلى نقطة قد تبدو بسيطة ولكنها تحمل دلالات تصب في هذا الاتجاه، وهي أن “الإمام” الخميني ذكر بعد نجاح الثورة أنه لا يرغب بالسلطة وترك طهران بعد أن عاد إليها عودة مؤزرة ورجع إلى بيته في مدينة قم. وليس من الواضح إن كانت تلك بادرة تواضع جمة يتحلى بها هذا الفقيه، أم أنه إدراك لمقتضيات وصعوبات إنشاء نظام جمهوري متكامل بينما هو مجرد رجل دين وفقيه متبحر بالشؤون والقضايا الدينية. ومن الطريف أن نلاحظ هذا برد السيد الخميني على تساؤل الاستاذ هيكل ما قبل نجاح الثورة حيال تصوره لبناء مؤسسات الثورة بعد نجاحها، فكان رده “لاذعا” حيث قال “وماذا يفهم أصحابك العسكر والقادة العرب بهذه الأمور؟” وفعلا اتفق معه رحمه الله أن قادتنا الكرام لا يفقهون شيئا من الشؤون الاقتصادية ولا الاجتماعية ولا الحقوقية بل حتى القضايا السياسية والاستراتيجية الكبرى. لكن بلا شك فإن هذا الفكر الصريح لا يكفي لإدارة شؤون بلد كبير كإيران.

لحظات وفاة السيد الخميني

تصدير الثورة والحرب المفروضة

على غرار الثورة الفرنسية، اصطدمت الثورة الإيرانية منذ البداية بإعدائها من الداخل والخارج. ومن نتائج هذا الاصطدام بروز نقطة حرجة للعيان وأدت إلى حدوث اضطراب كبير بمنطقة الخليج العربي. حيث ظهرت مقولة “تصدير الثورة” بكل ما تحتويه من نتائج وإسقاطات خطيرة بالأوضاع الداخلية بالدول الخليجية. وهذه الدول تحتوي على “موزاييك” اجتماعي متماسك ومحافظ، ومتعدد ومتباين من الناحية المذهبية إلا إنه كان يعيش -كما كان يظهر على السطح- بقدر كبير من التسامح والتعايش. إلا إننا إذا نزلنا للأعماق فسنكتشف أن هناك فئة تشعر على مدار التاريخ أنها مهمشة ومقموعة فكريا وماديا، أي أن أفرادها مواطنون من الدرجة الثانية أو الثالثة. إنهم الشيعة المحملون بكل هذا العبء الذي يثقل كاهلهم ويشعرون من جراء الواقع الذي يعيشونه بالغبن والظلم. وبكل أسف فإن معظم أحاسيسهم هذه واقعية ولا تبتعد عن الحقيقة كثيرا لعوامل عديدة لن نناقشها أو نجادل بشأنها حاليا. وهكذا فإنه عند ظهور “الإمام المنقذ” شعر الكثير منهم أنه حانت ساعة إيقاف هذا التهميش المستمر (وفي أماكن أخرى البطش والقمع الذي تعرضوا له). وزاد من هذا رواج وانتشار عبارة “تصدير الثورة” التي جعلت البعض منهم ينشط بلا حصافة ودون حتى أن توافق على تحركاتهم القيادة السياسة للثورة في طهران. ولكن العقول بتلك الأثناء قد غيبت والحكمة قد غابت، فقد اندلعت الحرب المريرة بين الجارين العراق وإيران (وهي ما سنتحدث عنها بموضوع مستقل بإذن الله) ولحق بدمارها آثارٌ كريهة من الشك والارتياب بين ابناء الوطن الواحد.
وقد يجادل أي شخص منطقي أن عبارة “تصدير الثورة” قد حمّلت معانيها بأكثر مما تحتمل، ومن المحتمل أنها لا تعني إحداث القلاقل والنزاعات الداخلية بالشريط النفطي بالخليج، وليس من الضروري أن العبارة التي ذيل بها الخميني رسالته لصدام حسين “السلام على من اتبع الهدى” دليل على شن الحرب وحتى لو كانت كذلك فإنها ليست مبررا لاندلاع المعارك على الإطلاق. فلا بد إذن من التفاهم والجلوس بمائدة الحوار لإزالة الشوائب أو الشكوك التي بدأت تسود أوائل الثمانينات. لكن هذا لم يحدث وتاهت الأصوات المنطقية وسط دق طبول الحرب. إلا إن الثورة ورغم ظروف الحروب أكملت مسيرتها الشائكة وغير المعبدة بالزهور.

قيام حزب الله

السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله

أدت الحرب الأهلية اللبنانية 1976-1991 إلى وجود فوضى عارمة بالمنطقة واستغلها الكيان الصهيوني لتنفيذ أجندته الخاصة فغزا عام 1982 لبنان واقتحم بيروت. فقرر القادة الإيرانيون المساعدة بتشكيل ميليشيا مسلحة بنفس عام الغزو وتنصب مهمتها الأساسية بمواجهة المشروع الصهيوني وإسقاطه بجميع الوسائل. وأطلقوا على هذه المليشيا المسلحة اسم المقاومة الإسلامية المسلحة “حزب الله” انطلاقا من روح الآية الكريمة

((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُون)) المائدة.

وكذلك بما ورد من الذكر الحكيم في سورة المجادلة

((لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون)).

وقد ظهر الحزب بقوة في البداية وقيل أنه نفذ عملية تفجير مبنى جنود المارينز والجنود الفرنسيين في بيروت عام 1982. إلا أن الشيخ صبحي الطفيلي أول أمين عام معلن للحزب ذكر مرارا “أننا كنا نتمنى أن نحوز على هذا الشرف ولكننا لم نقم بهذه العملية”، وظني بالشيخ الطفيلي أنه صادق فيما يقول، حيث أعلنت حركة الجهاد الإسلامي مسؤوليتها عن العملية الضخمة آنذاك. إلا أن الحزب أثبت فعالية كبيرة جدا بمقاومة الكيان الصهيوني ولم يتأثر باغتيال القوات الصهيونية لأمين حزب الله العام السيد عباس الموسوي عام 1992. ولمع نجم السيد حسن نصر الله في سنوات التسعينات كأكثر الشخصيات تأثيرا بالمنطقة. وهكذا فإن الحزب استمر بسياسة المقاومة الحكيمة للصهاينة ونال تعاطفا كبيرا من الشعوب العربية والإسلامية، ونجح بتكبيد جنود الاحتلال في جنوب لبنان وعملائهم خسائر فادحة أجبرت الصهاينة على الانسحاب من الجنوب في مايو 2000 دون أن يتخلوا -بغباء- عن مزارع شبعا مما قدم لحزب الله فرصة ذهبية لمواصلة أعمال المقاومة. ثم صمد الحزب صمودا هائلا في حرب صيف عام 2006، ولم يكن سبب هذه الحرب الطويلة التي شنها جيش الصهاينة سوى لأن الحزب اختطف 3 جنود، ويتناسى البعض أن الصهاينة يخطفون ويحتجزون ما لا يقل عن 10 آلاف أسير ومعتقل فلسطيني وعربي. لكن الحرب بلا شك تسببت بدمار كبير في لبنان وظهر أن من الصعب اتخاذ قرار الحرب أو أي فعل سيؤدي له دون استعداد جماعي أو إنذار مبكر للشعب اللبناني الصبور، وهو ما أدى إلى انتقادات ظاهرة للحزب وأخرى ضمنية داخليا وخارجيا. ولكن بعض الانتقادات لم تكن صادقة أو ذكرت بغير وقتها المناسب ومثلت خنجرا بظهر من يقاوم الصهاينة.

الشيخ صبحي الطفيلي أمين عام حزب الله الأسبق

وعلى أي حال، فإن لحزب الله معادلتين دقيقتين إن أحسن التعامل بينهما سينال النجاح المستمر والتضامن الدائم. أولهما، مقاومته للصهاينة حيث أن هذا هو الهدف الأساسي من إنشائه ولكن عليه أن يراعي المعطيات الداخلية بلبنان ويدرسها بدقة حتى لا ينكشف الغطاء الذي نجح بالحصول عليه على مدار السنوات السابقة. وثانيهما، يتمثل بعدم توجيه بوصلته لما دون هدف المقاومة المسلحة والتطرق للشؤون السياسية والتعقيدات المحلية للدول العربية الأخرى. وأظن جازما أن التعاطي السلبي بهذا الشأن سيصيب الحزب بمقتل. فما هو الداعي لخوض أمين الحزب بالشؤون البحرينية المعقدة والمتشابكة كما ذكر بخطبه عند قيام المظاهرات في البحرين؟ فقد نزع السيد حسن نصر الله من رصيده كثيرا بتدخله السافر بأحداث البحرين، لأن القضية تحولت من مطالبات وطنية محقة وصادقة إلى اصطفاف مذهبي لا يسر الناظرين. وكذا تكرر الأمر بموقفه السلبي من الانتفاضة الهائلة التي تجري في سورية حيث ساند النظام الديكتاتوري في دمشق دون أي اعتبار للدماء التي سفكها من ابناء الشعب السوري. فعلى حزب الله أن يحذر ويحذر ويحذر، ويترك له غطاء سياسيا ملائما بكل الأحوال في حالة بقاء نظام الأسد أم في زواله، ولا أود هنا تصديق المزاعم التي تذكر أن أفرادا من الحزب قد ساعدوا نظام دمشق بقمع المظاهرات في سورية لأنه أمر إن تم تأكيده فسيجعل الناس تعيد النظر بموقف الحزب برمته.

إيران ما بعد التنمية بمواجهة الثورات العربية

الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني

دخلت إيران مرحلة معالجة آثار الحرب العراقية الإيرانية في التسعينات. وقد تولى إدارة هذه العملية الصعبة الرئيس هاشمي رفسنجاني بحنكة، ثم انتقلت إيران شيئا فشيئا إلى التنمية ومتطلباتها خلال فترة تولي الرئيس محمد خاتمي لفترتيه الرئاسيتيين (1997-2005). وقد حدث نجاح باهر بإدارة عملية التنمية لم يعكر من صفوها سوى المقاطعة الاقتصادية التي مارسها الغرب على إيران وتركت بعض الآثار الاقتصادية والمعيشية بالبلاد. ويتميز كل من رفسنجاني وخاتمي بقدرات سياسية وبعد نظر استراتيجي كبير فقد تمكنا من تجنيب البلاد الوقوع في حرب مع أفغانستان عام 1998، وذلك بعد أن قامت حركة طالبان بالهجوم على مدينة مزار شريف شرقي أفغانستان والتي تقطنها أغلبية شيعية، وهجموا كذلك على القنصلية الإيرانية وقتلوا كل أعضائها بما فيهم القنصل العام. فدقت طبول الحرب في طهران وحشدت القوات الإيرانية جيشها على طول الحدود مع أفغانستان. ولكن خاتمي، وبالتشاور مع المرشد الأعلى السيد على خامنئي ورفسنجاني، فضل طرح الأمر بالأمم المتحدة للحصول على تأييد دولي واستنكار لما ارتكبته طالبان من انتهاك لأبسط الأعراف الدبلوماسية. إلا إن السبب الحقيقي يكمن في أن القيادة في إيران تعلم تماما أن الوقوع بالوحل الأفغاني سيؤدي لورطة كبرى قد لا تخرج إيران منها وهي متعافية، فهذا ما حصل للسوفييت عندما تورطوا بذلك البلد القاحل وما يحصل للأمريكان والأوروبيين حاليا من أزمات بالسيطرة على هذا البلد ذو الجغرافيا والطبيعة القاسية. وعلينا هنا أن نقارن بين حكمة خاتمي ورفسنجاني بعدم الانزلاق لمغبات الحرب وبين تهور الرئيس العراقي السابق صدام حسين ورعونته بالتسرع بشن الحرب على إيران وعدم وعيه لتداعيات ومتطلبات الحروب الحديثة ونتائجها الداخلية حتى لو كان هناك أسباب تكفي لشنها (وأسباب شنها لم تكن مبررة على أي حال). وبالفعل فقد استفادت إيران من انقلاب الظروف الأقليمية والدولية بعد أحداث سبتمبر 2001، وتركت الآخرين يحاربون عنها في أفغانستان والعراق وأطيح بأخطر نظامين يهددان إيران. وتفرغت البلاد للتنمية إلى أن ظهرت قضية المفاعلات النووية وتعقيداتها وهي ما ستشرحها الحلقة الثالثة بشيء من التفصيل.

الرئيس السابق محمد خاتمي

وفي بداية هذا العام، قامت الثورتان التونسية والمصرية وأطاحتا برئيسي النظامين الحاكمين. ثم تبعتهما ثورات ومظاهرات في بلدان عربية أخرى، ومنها ما حدث في البحرين وسورية اللتين سيظهر بهما تأثير إيراني سافر وواضح. ولا شك أن المتظاهرين في البحرين كانت لهم مطالب محقة وعادلة مثل إصلاح العملية الديمقراطية المزيفة التي تجري هناك واستئصال الفساد والقضاء على التهميش ومعاناة طبقات كثيرة من الشعب. فانطلقت المظاهرات بالبداية بأسلوب وطني وحضاري، لكنها سرعان ما انقلبت نحو شعارات غريبة منها ما هو طائفي أو مذهبي ورفعت صور ولافتات للسيد الخميني رحمه الله والسيد خامنئي ورأينا بأم العين لعلم بحريني يختلف عن العلم المعروف ذي الخمسة قباب التي ترمز للأركان الخمس للإسلام واستعيض عنها بعلم لإثنا عشر قبة ترمز للمذهب الإثنا عشري، ثم كان أن هتفوا “الشعب يريد إسقاط النظام” بوقت مبكر جدا بلا إدراك لأهمية التوقيت أو مدى الحاجة إليه بالأصل. وهنا تدخلت إيران بشكل سافر ومتعجل بالقضية البحرينية، فظهرت بوادر فشل هذه المطالبات التي بدأت بشكل سليم وانتهت بصورة سلبية. وظهر أن الحكومة بالبحرين -على غير العادة- قد تعاملت بذكاء مع الموقف، فرغم أن الشرطة لجأت للعنف بالبداية وقتلت عددا من المتظاهرين إلا أن الحكومة سرعان ما قدمت اعتذارا رسميا على لسان وزير داخليتها، وعرض ولي العهد حوار شاملا وصادقا مع الجميع. وعلاوة على ذلك، تركت المتظاهرين بدوار اللؤلؤة ليفعلوا ما يريدون، والسماح بالتغطية الإعلامية مفتوحة لجميع القنوات العالمية. ولكن القيادة الإيرانية خانها الذكاء هذه المرة فلم تتحفظ عن التصريح بالتدخل بالشأن البحريني وجازفت كثيرا بذلك. وسمح تدخلها السافر للحكومة البحرينية بطلب المساعدة من قوات درع الجزيرة لحماية المواقع الحساسة بقيادة البلاد. فظهر للإيرانيين المأزق الذين أوقعوا أنفسهم به، فهم لم يساعدوا ثوار البحرين الطائفيين من جهة ومن جهة أخرى تعرضت علاقاتهم بدول الخليج الأخرى لأضرار بالغة حيث تفجرت كذلك قضية الشبكة الجاسوسية في الكويت. ثم كرر الإيرانيون خطأهم في سورية وما يجري بها من ثورة عارمة ضد النظام الدموي المتسلط في دمشق. ولكنهم كرروا الخطأ بشكل معكوس، حيث اعتبر المسؤولون الإيرانيون أن ما يجري “مؤامرة خارجية تحركها أصابع صهيونية ضد سورية”. وما يظهر بكل وضوح أن هذا منطق بائد وعفى عليه الزمن، ولا يستخدمه سوى من لا حجة لديهم أو لا يمتلكون مشروعا حقيقيا للخروج من الأزمة. ويخطيء الإيرانيون كثيرا إن ظنوا أن الأنظمة المستبدة الموجودة حاليا ستبقى للأبد سواء أكانوا حلفاءهم أم خصوما لهم، وهم بهذا يخرجون عن الخط الثوري الذي تخلصوا به من نظام الشاه الطاغي. ويخطؤون أيضا إن ربطوا بين ما يجري في سورية وبين الاحتجاجات التي تلت تزوير الانتخابات التي تم التجديد بها لولاية الرئيس محمود أحمدي نجاد، فالموقف مختلف تماما لأن الثورة السورية تطالب بإزالة نظام ثبت أنه غير صالح لقيادة سورية سلما أو حربا وهو نظام أجرم بحق الشعب السوري وفتك به ولم يسلم منه لا طفل ولا امرأة ولا شيخ كهل، ومن المؤسف أن تربط إيران مصالحها بنظام منتهي الصلاحية كنظام عائلة الأسد، فالمسألة لم تعد ترتبط بتكتيكات ومصالح استراتيجية فقط بل دماء شعب يضحي من أجل نيل الحرية والكرامة اللتين يسعى لهما بقوة، وخير من يعي ذلك تماما هو الشعب الإيراني الذي ناضل لعقود طويلة من أجل التخلص من الشاه الطاغية ونظام حكمه القمعي والدموي.

جانب من مظاهرات البحرين

جانب من مظاهرات الثورة السورية حيث رفعت
الجموع الغفيرة صورة شهيد الثورة الطفل عمر الخطيب

وقد أدى هذا بمسؤولي النظام في إيران إلى مراجعة الموقف المتدهور لعلاقة إيران بدول الجوار. حيث أعرب رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني عن عدم رضاه على المستوى السيء الذي وصلته العلاقات الإيرانية الخليجية. حيث انتقد رفسنجاني بصورة عامة السياسة الخارجية الراهنة لإيران، واصفاً إياها بأنها “غير ملائمة”، وأفضت إلى “علاقات سيئة” بين طهران وبلدان المنطقة. وقال إن “القادة الإيرانيين يؤكدون أنهم يريدون علاقات مع كل بلدان العالم، لكن الأمر مختلف عملياً. وليست، بلا سبب، علاقاتنا بالبلدان المجاورة سيئة إلى هذا الحد”. ولكن مواقف المسؤولين الإيرانيين تشهد تناقضا مثيرا للدهشة إزاء الموقف من الثورات العربية، حيث دعا السيد أحمد جنتي رئيس مجلس صيانة الدستور وقاضي الثورة إلى ما اسماه “تحرير البحرين” وإقامة “نظام حكم إسلامي بها”. وهنا سنكتشف أن أذرع السلطة في إيران تتحدث بألسنة مختلفة، فوزارة الخارجية تتحدث بلغة معينة بينما رئاسة الجمهورية تتحدث بلغة تختلف والمرشد الأعلى والحرس الثوري لديهم لغة خاصة بهم تختلف عن الآخرين. كل هذا يخلق صورة ضبابية وتوترات قد لا تكون حقيقية، ولعلي أجزم من الناحية الأخرى أن الساسة بالخليج لم ينجحوا إلى حد الآن بفهم معطيات السياسة المؤثرة في طهران، فمن هو الطرف الحقيقي الذي يحرك الأمور في إيران؟ فإنهم في الغالب لا يعلمون. وما يثير الاستغراب أن معظم السفارات الخليجية في طهران إن لم تكن كلها لا يوجد أحد من أعضائها يتقنون اللغة الفارسية، وهذا سيؤدي بلا شك إلى ضحالة قراءتهم للفكر السياسي الإيراني ما بعد الثورة. فإن كان الخليجيون يعتمدون على الفهم الأمريكي لإيران فلن يفلحوا، لأن الأمريكان أعلنوا بدورهم عن فشلهم الذريع بهذا الجانب. فعلى الخليجيين أن يحسنوا التعامل مع الموقف في إيران عبر القراءة الصحيحة للمعطيات المحلية والسياسية بذلك البلد، وإلا فإنهم والإيرانيين سيظلون يراوحون من أزمة إلى أخرى بشكل عقيم جراء الجهل بالتعامل المباشر وعدم القدرة على بناء علاقات متوازنة وبنـّاءة.

صداقة أم عداء مع إيران؟

لا شك أن العلاقة مع إيران منذ الثورة وحتى الآن لم تتمتع بأفضل أحوالها بالشكل الطبيعي فيما بين الجيران على الأقل، ناهيك عن العامل المشترك الذي يجمعنا كمسلمين بدين واحد. فقد تخللت العلاقة الكثير من الأشواك والشكوك والارتياب وزرع بذور الفرقة والتنافر، وكان من مظاهرها الفجة الحرب العراقية الإيرانية التي أزهقت أرواح خيرة شباب البلدين وأضاعت مقدراتهما. ولا يعترينا الشك أن من استثمر هذه العلاقة السيئة مع إيران هو الغرب بكل أطرافه الرئيسية وأهمهم الولايات المتحدة لصالح مخططاتهم التي لا تستقيم إلا بوجود هذه الفرقة والتنازع ما بين الجيران المسلمين. فهل نحلم إن قلنا أن هنالك ثمة إمكانية للتعايش جنبا إلى جنب ووخلق سد منيع للطامعين القادمين من الغرب الذين لا يختلف اثنين أنهم لا يضمرون الخير لهذه المنطقة؟ قد يكون هذا حلما، ولكنه قابل للتطبيق لو تصافت النوايا وحسنت قولا وفعلا. فمع مجيء رسول البشرية محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام من كان يتخيل أن هذه المنطقة المتنازعة والمتشتتة ستتآلف قلوبها وتتحد بعد أن كانت شعوبا وقبائل متصارعة تحمل إرثا من الدماء. وإذا تطلعنا للتاريخ البشري المعاصر ونظرنا لكيفية تحقيق المهاتما غاندي لأحلامه، وكذلك لمارتن لوثر كينج في أمريكا حينما اعتبروا مطالبته بإلغاء نظام الفصل العنصري مجرد أحلام، فقال قولته الشهيرة Yes, I have a DREAM، ورأينا كيفية تحقيق هذا الحلم على أرض الواقع مثلما رأينا انهيار دولة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا عام 1991، وقبلها لم يكن ليصدق ذلك أحد. وعلى الجانبين أن يصلا لتسوية قائمة على الاحترام المتبادل والتنازلات المعقولة، ولن يجدا بذلك صعوبة كبيرة لأن كل ما يواجههما من اختلافات قابل للحل عبر تقريب وجهات النظر بصورة أو بأخرى. ولكن لن يتم ذلك إلا بعد أن تحسم دول الخليج أمرها وتوحد من صفوفها من خلال تحقيق الكونفدرالية الخليجية والتفاوض مع الإيرانيين وغيرهم بصورة موحدة، وقبل ذلك يتحتم على الخليجيين التخلص من فكر المشيخة وإقامة نظام الدولة القائم على الديمقراطية والمشاركة الشعبية بالحكم وتكريس حماية حقوق الإنسان وتعزيز واستقلال القضاء والانتخابات الحرة النزيهة للبرلمانات المحلية. وهنا ستجد إيران أنها ستتفاوض مع طرف واضح وستكون الكفة متوازنة نوعا ما ولن تراود مراكز القوى بإيران أية أفكار غير صحيحة حيال المشهد الخليجي، وسيتعين على إيران أيضا أن تترك العراقيين يقررون مصيرهم بأنفسهم بلا أي ضغوطات أو تأثيرات سلبية. ومن خلال أجواء كهذه، يمكن الحديث عن علاقة إيجابية مع إيران الثورة، ولن نصل لمرحلة “شيطنة إيران في المنطقة خدمة لأهداف إسرائيل” كما زعم السيد حسن نصر الله بالاقتباس الورد أعلاه. وعلينا أن نتذكر جميعا أن هذه الثورة المظفرة سعد بها العرب بشكل خاص لأنها عبرت عن مواقفها المتضامنة مع القضية الفلسطينية وطردت أعضاء السفارة “الإسرائيلية” في طهران وسلمت مبنى السفارة إلى منظمة التحرير الفلسطينية لتقيم عليها سفارة فلسطين في قلب الأراضي الإيرانية.

وتقبلوا بالنهاية من فريق ترجمة العمل أطيب تحية

أحمد الزعبي

و

جبر كمال

و

فيصل كريم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المصادر والمراجع:


كتاب: “مدافع آية الله“. محمد حسنين هيكل. ترجمة: د.عبد الوهاب المسيري

مقابلة للشيخ صبحي الطفيلي ببرنامج زيارة خاصة للإعلامي سامي كليب بقناة الجزيرة 23-7-2004
الجزء الأولالجزء الثاني

http://aljaridaonline.com/2011/07/13/125433/
http://aljaridaonline.com/2011/07/13/125518/

http://www.alqabas.com.kw/Article.as…&date=15072011

One response to “إيران بين حلم الثورة وخطر الغرق بالخليج – الترجمة المشتركة للسلسلة الوثائقية Iran And The West (BBC)

  1. التنبيهات: قطع الذراع الطويلة (2-2)-قصف مفاعل تموز والشهيد بإذن الله يحيى المشد- ترجمة Raid On The Reactor | faisal175·

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s