اليـهـود والبحث عن الأمان – نظرة موجزة – وترجمة الفيلم الألماني الرائع Nowhere In Africa

من الأعمال الرائعة التي مايزال كثير منها غير مسلط الضوء عليه عربيا رغم أهميته ربما لحداثة عملية ترجمة الافلام وأعني هنا بعالم الانترنت تحديدا. وهذا العمل حصل على جوائز مهمة كان من أبرزها أوسكار أفضل فيلم أجبي (أي غير أمريكي) عام 2002، بالاضافة للعديد من الجوائز الأخرى التي منحته ما يستحق من تقدير، بالرغم مما يمثل لنا كعرب من موسألة حساسة إذ يناقش فكرة شتات اليهود وقت الحرب العالمية الثانية وهروبهم من وسط أوروبا بعد أن غزا هتلر معظم بلدانها. سنتطرق إلى العمل أولا، ثم نحاول أن نناقش موضوعه وأفكاره بمنطقية وموضوعية قدر الامكان.
——————————————-
51hwyomf0jl-_sl300_
Nirgendwo in Afrika

Nowhere in Africa

بـلا مـلـجـأ فـي أفـريـقـيـا



قدمت المخرجة الألمانية كارولاين لينك رائعتها المميزة

Nirgendwo in Afrika

أو بلا ملجأ في أفريقيا عام 2001 ولاقى هذا العمل الضخم استحسان النقاد والجماهير على حد سواء. الفيلم مقتبس عن رواية ذاتية بنفس العنوان للكاتبة الألمانية اليهودية ستيفاني زويج وتروي حكاية هروب عائلتها من ألمانيا قبيل اندلاع الحرب العالمية ولجوئهم في كينيا كلاجئين بتلك المستعمرة البريطانية آنذاك. وأود بداية تقديم طاقم العمل

النجمة الألمانية جوليان كوهلر

mv5bmta5mtqwmzq0mdjeqtjeqwpwz15bbwu4mdkxodk2mziy-_v1_uy317_cr1310214317_al_

النجم الجورجي ميراب نيندزيه

41b6fcb32.JPG
النجم الكيني سيديدي عنيولو

mv5bmwjizjdjogitmjlhmi00ntqwltg4ntgtymmznwy1zgjizjhjxkeyxkfqcgdeqxvymtc4mzi2nq-_v1_ux214_cr00214317_al_

النجم الألماني ماتياس هابيخ

600full-lea-kurka
(النجمة الصغيرة ليا كوركا (بدور ريجينا الصغيرة

1024full-karoline-eckertz

النجمة كارولاين إيكيرتز بدور ريجينا بسن المراهقة وراوية أحداث الفيلم


مؤلفة الرواية والفيلم الكاتبة ستيفاني زويج


مخرجة الفيلم وكاتبة السيناريو كارولاين لينك وهي تستلم
جائزة “لولا” -جوائز أكاديمية السينما الألمانية عن الفيلم

 

ارتباط الانسان بالأرض والمكان

نجحت المخرجة لينك بإيصال هذه الفكرة للمشاهدين، وجعلتها فكرة رئيسة بالفيلم وهي تعلّق الانسان بالارض بحيث يؤثر ذلك على كل شيء بحياته وسلوكياته وتصرفاته وثقافته، وهل تغيّر المكان بالتالي سيغير من كل هذه الاعتبارات على حياة الفرد إلى درجة تخليه عن أفكار مسبقة كان يعيش من خلالها ويؤمن بها. فيحدث ذلك التغيير الصعب عبر تكيف المرء وتعايشه مع هذه الارض الجديدة، وتمكنت المخرجة من إبراز هذا التكيّف إبرازا منطقيا ومعقولا، فنلحظ صعوبة عملية التأقلم كلما كبر سن الانسان وتسهل كلما صغر. فرأينا مثلا تعلق الابنة ريجينا بأسلوب الحياة والمعتقدات في كينيا بشكل أسرع من والديها، وكانت علاقتها مع طباخ المزرعة عوفور (سيديدي عينولو) تتويجا لهذا التكيف والارتباط الانساني بالارض. وهذه حقيقة لا مناص منها، فللأرض دائما مفعول السحر على الانسان بكل مناحي حياته

ومن الأفكار الهامة كذلك التي وردت بالفيلم فكرتي العنصرية اللاسامية. فمن الغريب فعلا على لاجئين ببلد ما أن تكون نظرتهم عنصرية ودونية للافارقة مضيفيهم، لكن هذا هو واقع الحال و”موضة” ذلك العصر الاستعماري الإمبريالي. ولكن هذه النظرة التي تحملها الشخصية الرئيسة بالفيلم ييتل (جوليان كوهلر) تتغير شيئا فشيئا عبر السنوات التي قضتها مع عائلتها بالملجأ وتتحول إلى رفض وخشية من العودة إلى ألمانيا حتى بعد انقضاء أوزار الحرب حيث تأقلمت وتكيفت بكينيا تماما.

أما فكرة اللاسامية فهي حاضرة بقوة بالعمل بلا شك، وهذه سمة من سمات أي عمل يناقش “المسألة اليهودية” في تلك الفترة. وهي لا تعني سوى العداء لليهود في أوروبا، وهي فكرة لا يجوز تطبيقها خارج هذه القارة بحكم انغلاق اليهود وتقوقعهم عن المجتمعات الأوروبية الأوروبية المتعصبة عرقيا ومذهبيا ونشوء التطرف اليميني بذلك الحين. وبالتالي تعالج المخرجة هذا الأمر من ناحية هذا الهروب واللجوء بعيدا عن سعير هذا التطرف الذي أدى لما يسمى بـ”الهولوكوست” أو المحرقة كمحاولة بائسة من النازيين لتقديم “حل نهائي” للمسألة اليهودية” في أوروبا، وإشارة الفيلم لبولندا لهذا الجانب واضحة. ويتضح لنا من العمل، مع أن كاتبته يهودية الديانة، أن ليس فقط نازيي ألمانيا هم اللاساميين أو المعادين لليهود في أوروبا، بل معظم الأوربيين ومنهم حلفاءهم البريطانيين حيث يظهر تهكّم العديد من الشخصيات البريطانية بالفيلم على سلوكيات :الانسان اليهودي من اهتمام دائم بالمادة وجمع المال. وهذه الجزئية تحديدا لها دافعان الأول هو كره الأوروبيين لليهود، والثاني أن اليهود بقرارة أنفسهم يعلمون أنهم كانوا مستحقين لهذا الكره. فنجدهم دائما ما يتبادر إلى أذهانهم هذا التساؤل الرهيب: “لماذا نحن (اليهود) مكروهين؟” وهذا بالضبط ما سألته شخصية الفتاة الصغيرة ريجينا لأمها ييتل التي أشفقت على نفسها من هذا السؤال الصعب وتهربت جاهدة من الاجابة عليه.

فيلم Nirgendwo in Afrika قد يكون ليس العمل الأول الذي ناقش مسألة الحياة بأفريقيا أو الهجرة إلى مناطق ذات ثقافات مختلفة عن الغرب مثل الصين والهند واليابان وأمريكا الجنوبية حيث رأينا بالسابق أفلاما ذات معالجات مشابهة مثل فيلم المخرج الامريكي سيدني بولاك Out Of Africa بطولة ميريل ستريب وروبرت ريدفورد، حيث السكان المحليون الودودين والـ(باوانا) والـ(ميمصاحب) [حسب اللغة السواحيلية الأول يعني مدير المزرعة والثانية تعني السيدة زوجته]. لكن ما يجعل هذا الفيلم مميزا هو تبني فكرة لاجئين يهود يهربون لهذا المكان الفقير من العالم، وذلك فرارا من نير النازية مما يعطي للفيلم بعدا وخلفية تاريخية سواءً من ناحية المعاني السياسية الشاملة أو من ناحية مصير أفراد وشخصيات العمل.

ترجمة ثلاثية (ألمانيةسويحلية انجليزية سماعية)

كانت تجربة ترجمة هذا الفيلم مثيرة للاهتمام لأنها عرفتنا على اللغة السواحيلية وهي اللغة التي يتم التحدث بها في كينيا وبعض البلدان المجاورة لها في القرن الأفريقي. وهي عبارة عن مزيج من اللغات واللهجات ومنها العربية، حيث نجد مثلا أن شخصية (عفور) يقول كلمات عربية أو تستخدم بلهجات عربية مثل “دريشة” وهي النافذة وتستخدم هذه الكلمة عندنا بمنطقة الخليج العربي، وكلمة “صحن” وكلمة “ماي” بمعنى ماء وغيرها من الكلمات بالسواحيلي القريبة للعربي. ثم انتقلت للمسألة الأصعب ألا وهي الترجمة السماعية للحوار الانجليزي حيث أن الملف انجليزي ولم يتكلف عناء نقل الحوار الانجليزي مما اضطرنا تحريا للدقة للترجمة السماعية عبر البرنامج المنقذ Subtitle Workshop فزادت سطور الترجمة بمقدار أكبر.
——————————————-

معلومات عن نسخة الفيلم:

اسم النسخة: Nirgendwo.in.Afrika.2001.SE.DVDRip.XviD.AC3-C00LdUdE
حجم النسخة: واحد جيجا و460 ميجا
مدة الفيلم: ساعتان و21 دقيقة
عدد الاسطوانات: اسطوانة واحدة
معدل الاطارات: 23.976
ملحوظة: الفيلم للكبار فقط لبعض المشاهد الساخنة

تورنت نسخة الاسطوانتين


رابط للترجمة لنسخة الاسطوانة الواحدة

تعديل لنسخة الاسطوانتين (قام به مشكورا الاخ مصيول)


من هذا الرابط


فيلم Nirgendwo in Afrika يثير بالفعل مجموعة من التساؤلات ونقاط الاستفهام حول البعد التاريخي لمعاناة اليهود وشتاتهم سواءً ما قبل الحرب العالمية الثانية أو ما بعدها. وعندما نتصفح الأوراق التاريخية لهذه القضية سنجد أننا وبكل منطقية لا نملك سوى التعاطف مع هذا الشعب إلى حد الشفقة (رغم ما يرتكب الآن في فلسطين المحتلة من فظائع أكبر)! فلقد تعرضوا لا سيما بالغرب إلى أبشع أنواع التنكيل والاضطهاد وصلت إلى حد العزل الشامل سنة 1555 ميلادية بعد نشرة البابا بولس الرابع التي تأمر بهذا، وذلك في معظم أوروبا الكاثوليكية. وكانت هذه العزلة الإجبارية بكل شيء، من تعاملات تجارية وأماكن اقامة ومقابر وغيرها من الأمور الأخرى. وبعد نشوء النزعات القومية ( التي كانت الصهيونية من بينها) في أوروبا، ازداد التوجس اليهودي من خطر قادم خاصة وأنهم محاصرون ببيئات معادية تنتظر الفرص المناسبة للخلاص منهم. فظهر تاليا ما سمي بـ”المسألة اليهودية” خاصة بعد القرن الثامن عشر رغم أن الثورة الفرنسية (1848-1850) منحتهم حقوق المواطنة الكاملة إلا أن معضلة اليهود استمرت تفاقمت بسبب انعزالهم الطوعي واندلاع حركات التحرر القومي بأوروبا. وبلغت ذروة الأمر بتفشي اليمينية (التي ما زالت موجودة بأوروبا إلى اليوم) وارتفاع شعبية الحركات النازية والفشيستية، حيث كانت هذه هي الفرصة المناسبة التي ينتظرها متعصبي أوروبا للانقضاض على اليهود الأووربيين الذين يكنزون ثروات طائلة ويسيطرون على مراكز القرار والنفوذ. وكان من العوامل التي سهّلت هذا الاضطهاد هو وجود اليهود بمعظم الأحيان بأماكن وأحياء خاصة بهم بشكل شبه مستقل وهي ما اصطلح عليها “غيتو”. فحدث ما هو معروف من أمر المحرقة.


صورة لأحد حوائط أحياء الجيتو في بولندا بالأربعينات

ولعل هنالك من يستنتج من هذا الأمر أن اليهود تعرضوا للظلم بشكل تام بسبب هذه الأحداث والتحولات الخطيرة. فنرد قائلين: ليس هكذا تماما! الحقيقة هي أن اليهود قد ظلموا أنفسهم قبل أن يظلمهم الآخرون، وإن كان هذا لا يبرر قيام جرائم كبرى بحق البشرية أيا كانت الضحية. وأود هنا اقتباس مقتطفات من دراسة قيمة قدمها د. علي خليل بعنوان “اليهودية بين النظرية والتطبيق مقتطفات من التلمود والتّوراة” عام 1997، يقول فيها عن هذه النقطة تحديدا:

 

“التعاليم الدينية اليهودية كانت دوماً وراء هذه العزلة، لأنّها تحضُّ على الاستعلاء والتوجّس من الأغيار، وعدم الاختلاط بالشعوب وضرورة التقّيد بالقوانين والأنظمة الدينية الصارمة، وقد لعب الحاخامون والأثرياء اليهود دوراً هاماً في تكريس هذه العزلة وتعميق الشعور بالانتماء إلى عرق متضامن متفوق، فأنشأوا في أحيائهم المغلقة كلّ أسباب التعلّق بهذه التعاليم والالتزام بها، كالمعبد والمقابر الخاصة والطقوس والذبائح والأزياء الخاصّة.

المعبد هو المركز الدّيني والثقافي والتعليمي والاجتماعي. وقوانين ” الشولحان عاروخ” تنّظم اللوائح الأخلاقية للحياة الخاصّة، ومدارسهم التعليمية تبدأ ب” الحيدر” وهو المدرسة الابتدائية حيث يتعّرف الطفل خلالها وهو في سن الرابعة على هويته وأسلافه ويدرّب على الاحتراز من الأغيار وعدم مخالطتهم وتزرع في عقله الباطن فكرة التفوق والإختيار والقداسة، ويتعّلم الأبجدية العبرّية وقصص أسلافه وأعمالهم المجيدة وفتوحاتهم وما أصابهم من النفي والتشريد على أيدي الكفرة، فينشأ الطفل حاقداً مؤمناً بعدالة قضيته وصحة انحداره من أعرق الأصول. وفي سن المراهقة يستّمر نظام التعليم اليهودي مع ” تلمود توراة” وتتوّج ب ” اليشيفا”، الأكاديمية التلمودية التي تماثل الدراسات العليا، فيتشبّع اليهودي بالأفكار الدينية التعصبية، وتتبلور شخصيته الانعزالية المتوجسة، والمؤهلة لتقبّل العدوان.

من خلال هذا التعليم الديني المشبع بالغيبية والعنصرية، يقف اليهودي من الدولة التي يقيم فيها موقف اليهودي المتفّوق المقدّس المعارض للقومية الحقيقية بقوميته الوهمية التي صوّرها له حاخاموه على أنهّا حقيقة ثابتة، ويشعر أنّ من حّقه الانفصال عن سائر البشر.‏

في هذه الأحياء اليهودّية المنعزلة بالطقوس والتعاليم الدينية الغيبية والعنصرية، حصدتْ الحركة الصهيونية ثمارها بعد أن لمستْ تأثير هذه التربية الدينية على عقلية النشء اليهودي.‏”

أما من الناحية الأخرى، في العالم العربي والاسلامي حيث يوجد التسامح الديني وتقبل الآخر فإن الأمور كانت على شكل مغاير تماما. فلنطلع على صورة من هذه الناحية حتى نتلمس الفرق الواضح، فيسترسل د. خليل عبر ذات الدراسة:

 

“لابّد من الاشارة إلى أنَّ اليهود في البلاد العربية والاسلامية وعلى الرغم من عزلتهم داخل أحياء خاصّة ، كانوا يعاملون معاملة تختلف تماماً عن يهود أوروبا من حيث المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكانت كلّ الظروف متاحة لهم للذوبان في مجتمعاتهم هذه ، نظراً لتسامح العرب والاسلام تجاه الأديان السماوية.

ففي اليمن ازدهرت حياتهم وتطورت تجارتهم وثقافتهم وتوسعت ممتلكاتهم وانتشرت معتقداتهم حتى الدرجة التي اعتنق فيها ملك اليمن” أبو كريبه أسد طوبان” وابنه ذو نواس، ديانتهم حوالي القرن الخامس بعد الميلاد. وقد استمّر وجود هذه الطائفة في اليمن حتى العصر الحاضر الذي تدخلّت فيه الحركة الصهيونية واقتلعتهم من أماكنهم.

وفي الاسكندرية بمصر كانت الجالية اليهودية تتمّتع بكامل حقوقها المدنية والدينية، وكان تعدادها يفوق تعداد كل الجاليات اليهودية في العالم، وقد أدارت ظهرها لصهيون، واستمرت في حياتها الهادئة المستقّرة تمارس شعائرها الدينية في معابدها الخاصّة. وخلال النصف الأوّل من القرن العشرين أطلقت أيديهم في الصحافة المصرية فضلاً عن الصحافة اليهودية فكان لهم أساتذة في المعاهد المصرية، ولعبوا دوراً هاماً في مجال المال والاقتصاد، فأثرى عدد كبير منهم، كما كان لهم مقاعد في مجلس النواب المصري، وفي عام 1924 عيّن وزير يهودي للمالية في الحكومة المصريةهو:” يوسف قطاّوي باشا.”

كما تغلغلوا في جميع نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العراق، وقد ازدهرت حياتهم في العصر العباسي وارتقوا مراكز ذات تأثير، ومنذ الأيام الأولى للتاريخ الاسلامي عمد الخلفاء إلى إعطاء اليهود امتيازات مهمّة، فكان لهم في العراق مدرستان متخصّصتان بالدراسات اليهودية والتلمودية في مدينتي صورة وبمبديثة، حققتا ازدهاراً تحت الحكم العباسي جعلهما القبلة التي يقصدها اليهود من طالبي العلم من جميع أنحاء الشتات العالمي. وكان الرئيس الأعلى لهاتين المؤسّستين يدعى ” الفون” ويعتبر المصدر الأعلى للفتاوى اليهودية لجميع العالم، وكان مسؤولاً عن الاستئناف وتعيين القضاة اليهود في عموم العالم الاسلامي. وقد عرفت القرون الخمسة للتاريخ اليهودي تحت الحكم الاسلامي ” بالعصر الفوني” ومن أشهر من ارتقى هذا المنصب” سعديا بن يوسف الفيّومي” من الفيوم بمصر، واصبح رئيساً لأكاديمية صورة لغزارة علمه، ومن أعماله ترجمة العهد القديم إلى اللغة العربية، فأصبح الحاخامون يتلون النسخة العربية في صلواتهم في الكنس، ومع اللغة العربية أصبح اليهود يسّمون أنفسهم أيضاً أسماء عربية صرفة.”

jewishchristian-heads_hp

 

وإذا أردنا أن نوازن بين الوضعين، وضع يهود أوروبا ووضع يهود المشرق سنجد فرقا شاسعا. ولعل المحيط والجو الذي يعيش من خلاله المجتمع اليهودي هو ما يؤثر على نموه وترعرعه. فالتعصب الديني -المتهم به حاليا العالم الاسلامي بشكل غير صحيح- الموجود في أوروبا كان سببا لوجود هذه المشكلة منذ البداية. فكانت البداية عبر الاحتكاك اليهودي لمسيحي عند ظهور السيد المسيح عليه السلام وتبليغه رسالته للمحيطين به، لكن أول من عارضه هم اليهود ثم اشتد أذاهم عليه إلى أن واتتهم فكرتهم الجهنمية بإيغار صدر الحاكم الروماني على المسيح واخباره أنه -أي المسيح- ينوي أن يكون ملكا عليهم بفلسطين، وهو -أي الحاكم- يعلم علم اليقين أنهم كاذبون. فنهاهم، فلما لم ينتهوا غسل كلتا يديه تبريئا لنفسه من ذنب المسيح عليه السلام. ولعل من صور الاحتكاك الأخرى المثيرة للجدل ما بين اليهود والمسيحيون هو شخصية القديس بولس الملقب “ببولس الرسول” الذي يعد أحد أهم الشخصيات والركائز بالديانة المسيحية بشكلها الحالي. فهذه الشخصية المؤثرة كانت بالأصل تدين بالدين اليهودي وكان اسمه شاؤول الطرسوسي -نسبة إلى طرسوس بسوريا حاليا- وتلقى الدراسة اليهودية في القدس مبكرا على يد أفضل المعلمين اليهود، ثم بعد أن أصبح متمكنا من علومه اليهودية عمل على محاربة وتعذيب الشمامسة والرهبان والمبشرين للمسيحية، وقام كذلك بتشتيت المسيحيين جميعا من القدس وواصل مطاردتهم حتى دمشق والضواحي البعيدة كما تقول المراجع. ثم أصبح فجأة بعد ذلك من كبار الدعاة للمسيحية.

القديس بولس

ومن الواضح أن هناك علاقة تكاملية (أو أريد لها ذلك) ما بين اليهودية والمسيحية. والكتاب المقدس Holy Bible هو عبارة عن اصحاحات وأسفار تلمودية وتوراتية وإنجيلية مجمعة بعهديه القديم والجديد. وهذا يدعو إلى وجود تقارب ديني يمنع على الأقل سفك الدماء لكن ما حدث هو العكس تماما على مدار العلاقة المتوترة ما بين الديانتين لا سيما في أوروبا منبع التعصب والتطرف في السابق وخاصة لدى كاثوليكية الفاتيكان. أما في المشرق فإن العلاقة كانت بأزهى صورها وأرقاها ما بين الديانات الثلاثة جميعا. وعلى هذا، فإن العلاقة المتوترة منذ البداية ازدادت توترا، فكرها، فتشنجا، ثم رغبة بالاقتلاع والاستئصال ما بين أصحاب الديانتين في أوروبا، فحدثت الكارثة في أوروبا في أواسط القرن الماضي والتي لم يكن أشد المتشائمين يتصور أن تبعاتها ومآسيها ستنتقل لنا هنا في قلب العالم العربي، فلسطين. وكان من المفترض على الأمة العربية والاسلامية إدراك مخاطر استئصال اليهود من أوروبا مبكرا. لكن العوامل الكثيرة كانت متشابكة ومعقدة جدا ومن السهل قول هذا الكلام الآن، إذ اجتاح العالم “الجنون” القومي منذ نهاية القرن التاسع عشر في حين سبّب ضعف الدولة العثمانية تخلف العرب والمسلمين الثقافي والحضاري، وخلقت مساعدة اليمين المسيحي في أمريكا منذ بداية القرن العشرين لليهود عاملا آخر لدعم نظرية القومية الصهيونية وتطبيقها في “أرض الميعاد” حسب زعمهم. ثم أخيرا، لم تكن ظهور النزعات العنصرية اليمينية في أوروبا مثل النازية والفاشية إلا قطعة الدومينو التي حرّكت وسرعت من تنفيذ هذا المخطط الهائل الذي رسمه تيودور هيرتزل ومن أتى بعده ليحركوا هذا الشعب اليهودي المسيّر تبعا لمصالحهم ومصالح القوى العظمى على اختلاف توجهاتها. فبريطانيا وفرنسا كانتا تهدفان إلى التخلص من “المسألة اليهودية” عبر هذا الحل أما أمريكا فهي لها توجهان ومصلحتان استراتيجي وآيديولوجي من هذا الواقع الذي استفادت منه وما زال قائما.

ثيودور هيرتزل

هذا باعتقادي محاولة لمناقشة اسباب “كره الجميع لليهود” وهو السؤال الذي سألته شخصية الفتاة الصغيرة ريجينا لأمها ولم تستطع الأخيرة الرد عليه. ولا شك، فإن حتى ما بعد انشاء دولة الكيان الصهيوني فإن اليهود أصبحوا أكثر عرضة للقلق والتوتر وعدم الاطمئنان ولجئوا إلى لعبة الموت علها قد تزيح عن كاهلهم هذا الشعور الفتاك بعدم الأمن وعدم عثورهم على السلام الذ يسعون نحوه بشكل بائس ويائس إلى يومنا هذا.

وتقبلوا بالنهاية من مترجم العمل ومقدم المناقشة جزيل التحية

فيصل كريم

———————

المراجع والمصادر:

كتاب- “العـلـمـانـيـة: نشأتها وتطورها وآثارها بالحياة الإسلامية المعاصرة“. تأليف الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي

http://www.awu-dam.org/book/97/study…book-sd001.htm

http://en.wikipedia.org/wiki/Jewish_question

http://en.wikipedia.org/wiki/Saint_Paul

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%…88%D8%B3%D9%8A

http://en.wikipedia.org/wiki/Nowhere_in_africa

http://en.wikipedia.org/wiki/Stefanie_Zweig

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s