أفكار حول ترجمة كتاب (الاستشراق) لمؤلفه إدوارد سعيد، ومترجمه محمد عناني


لعل إحدى مشاكل الترجمة غير الظاهرة مشكلة تستحق أن نسميها “التوجيه” orientation. فهنالك أعمال موجهة لثقافة بعينها وذاتها، وغير موجهة للثقافات الأخرى. وربما هذا ما لم يدر بحسبان معظم الأساتذة الفطاحل الذين ترجموا كتاب الاستشراق للمفكر الراحل إدوارد سعيد. فكان جلياً أن الرجل وجّه كتابه إلى القارئ الغربي “النخبوي”، وليس حتى إلى القارئ الغربي العادي. ويبدو أن من باب أولى عدم توجه الكتاب إلى القارئ العربي بفئتيه النخبوية والعادية.
لعل هذا (وما زلت مصرا على “لعل”) سبّب الإشكاليات المتتالية في ترجمة هذا العمل، إلى حد إقدام الدكتور حمزة المزيني على ترجمة أخرى للكتاب نفسه، لكنها للأسف حبيسة “القرص الصلب” بسبب عدم الحصول -حتى الآن- على إذن بالترجمة والنشر، فعسى أن يفك الله سبحانه عن حبسها ويعجل بفرجها قريبا.
طالت الانتقادات ترجمة الدكتور محمد عناني للكتاب، وهو أمر مدهش للغاية؛ لأننا نتحدث عن “شيخ المترجمين” وأحد الكتاب البارزين في المسرح والأدب العالمي. لكن المشكلة مركّبة كما يبدو؛ ربما لأن الاستشراق كتاب ليس كما يظنه القراء أو حتى المهتمين، فهو عمل ينبني على قراءات أدبية جزلة وغزيرة ومدروسة، استغرقت من البروفيسور سعيد عقودا لتجميعها وتصنيفها وترتيبها، ثم اتضح له هذا “الكيان الذي له وجوده النظري والعملي” (ص 50)، فقرر -كما يبدو لي على الأقل- أن يوجه بحثه إلى عقر دار القارئ الغربي النخبوي، الذي صُعق ليس من الاكتشاف بحد ذاته، بل من الكيفية الدقيقة والمتقنة لهذا الاكتشاف، الذي يقتضي قراءات أدبية ونقدية دقيقة لم يتصور الناقد الغربي أن شخصيا عربيا سينجح في بلورة صورة نهائية ومركبة لها.
كان الزميل الأستاذ المترجم المميز محمد أمين الشامي فاتحني بحصوله على نسخة من ترجمة الدكتور محمد عناني رحمه الله لكتاب الاستشراق، فوجدتها فرصة للاطلاع على النص (على الرغم من تعقيده)، وتبادل الأفكار حول هذه المحاولة الترجمية الأخرى. بيد أن الأستاذ الشامي أعرب عن نقاط استفهام وغموض شابت النص، قبل اطلاعه على توطئة المترجم. فارتأيت البدء بهذه التوطئة لعلها توضح لنا شيئا من مسار هذه الترجمة الشاقة و”ذات المطبات”.
فنرى أن عناني يذكر في توطئته المنهج الذي حاول اتباعه للوصول بهذه الترجمة إلى بر الأمان. إذ يصل به الشرح إلى نقطة منهج لورنس فينوتي Lawrence Venuti (الذي تشير له تغريدة مركز الترجمة والتعريب أدناه) حول مسألة المقاربة بين Domestication وForeignization (ص 17)، إذ تُعنى الأولى بما يطلق عليه عناني “منهج التقريب” والثانية “منهج التغريب”. وبعيدا عن هذا السجع، يُقصد بهذين المنهجين التفسير الأوضح الذي أشار له الدكتور محمد حسن يوسف في كتابه “كيف تترجم” حول مسألتي المعنى والأسلوب بين اللغتين المصدر والهدف، (وهو ما حاولت شرحه في مقابلتي التلفزيونية على قناة العربي مؤخرا.) فعناني يقول إن ترجمته تعمد إلى “إضفاء طابع الألفة على الأفكار والصور حتى يتقبلها قارئ الترجمة في إطار مفاهيم لغته وأساليبها البيانية” (ص 17). وهو منطق جميل نظريا، لكننا سرعان ما نصطدم بواقعية مشكلات الترجمة.
لنأخذ هذا المثال المبكر (لسوء حظ مترجمي الاستشراق). يصدّر إدوارد سعيد كتابه بعبارة استقاها من رواية بنيامين ديزرائيلي (رئيس الوزراء البريطاني في أواخر القرن التاسع عشر) “تانكرِد” Tancred يقول فيها:
The East is a career
وهذه الرواية غير مترجمة سابقا (وربما لم تترجم حتى الآن حسب علمي)، والعبارة تحمل في طياتها غموضا يقتضي قراءة الرواية، لمحاولة استيعاب المعنى الحقيقي لكلمة career التي ترجمها الدكتور كمال أبو ديب إلى “صنعة” (فالشرق صنعة)، والدكتور محمد عناني ترجمها إلى “حياة عملية” (ص 82) فهي عنده “الشرق حياة عملية”. لا أقول إن الصواب جانبهما في ترجمتهما للعبارة، ولا أجزم بصحتها في الوقت نفسه، فلا بد من قراءة دقيقة للرواية.
وعند العودة إلى رواية “تانكرِد” وإحصاء مفردة career سنرى أنها وردت 23 مرة تقريبا، والسياق المقصود هنا هو المرة العاشرة لورود الكلمة في العمل، وبعد الاطلاع عليها ضمن السياق الواسع، أخذ الشك يتسرب إلى نفسي، مع عدم الجزم حتى الآن بشيء.
إذن هذا شك بوجود مطب واجه الترجمة، وذلك من بدايتها، فما بالك في بقية الكتاب الذي يكتظ بالقراءات الأدبية والتاريخية العميقة التي لم تمسسها أيادي العرب منذ القرن الثامن عشر، وتتطلب حركة ترجمة ونقد وتحليل هائلة لكل الأعمال الكبرى التي اضطلع بها نجباء الغرب ومثقفيهم.
هنا ربما يأتي مكمن مهم بصعوبة ترجمة الاستشراق وغيره من الأعمال المركبة. لكن السؤال الذي يتبادر إلى ذهني: لماذا يصرّ المثقفون العرب على ترجمة عمل فكرته هم أصلا يعيشونها ويتلمسونها دوما؟ لقد لخصها لنا إدوارد سعيد بقوله إنها “الهيمنة (الغربية)”!

أضف تعليق