كتاب (( التاريخ الحقيقي لليـ هود: منذ نشأتهم وحتى الآن)) لمؤلفه نجيب زبيب.
(مراجعة بقلم فيصل كريم)
أود الإشارة إلى أن قراءتي للكتاب بدأت قبل 3 أسابيع، أي قبل شن الصهاينة عدوانهم الحالي على #غزة_العزة، وأجريتُ في هذه الأثناء عملية مياه بيضاء في العين اليسرى، ثم تمكنتُ بحمد الله من استئناف قراءة الكتاب. وبناءً عليه، يمكنني القول إن هذه القراءة غير متأثرة بالأحداث الحالية، مع أن تأثير القضية الإسلامية والعربية في فلسطين دائما تمثل في الأذهان ولا تغيب.
صدر الكتاب في عام 2002، وعلى الرغم من أن المؤلف درس مجال “تاريخ الأفكار”، لا أستطيع الجزم بمدى توفيقه في تكوين صورة منطقية وواقعية لقراءة هذا المشهد التاريخي الواسع، ويبدو أن من الأفضل كذلك العودة لمراجع تاريخية أخرى، مثل سلسلتي محمد عزة دروزة ومحمد بيومي مهران، وربما كذلك مجموعة الكتب التي وضعها عبد الوهاب المسيري، إذا سعينا فعلا إلى الحصول على فهم أفضل لذلك التاريخ الشائك.
لكن قبل الاسترسال في ذلك، لا بد من توضيح سبب إعادة قراءتي للتاريخ اليـ هودي؛ إذ بدأت هذا المشوار الطويل ربما منذ أواخر الثمانينيات بقراءة الكتاب الشهير (خرافات يهـ ودية) [صدر 1977] لمؤلفه أحمد أسعد الشقيري (مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية).
ويتجلى السبب في محاولة التعرّف على تفاصيل ما حدث لبني إسـ رائيل بعد عبورهم سيناء والتيه فيها، لا سيما ما حدث داخليا بعد النجاح في تأسيس المملكة في #فلسطين وذلك في عهود طالوت (الذي تسميه التوراة “شاؤول”) وداود اليسّى وابنه سليمان عليهما السلام. فيتبيّن أن هذا التاريخ ينقسم إلى ما يلي:
1- عصر التيه وسيناء في عهد موسى وهارون
2- عصر يوشع بن نون، وبداية تكوين اللبنات الأولى للدولة
3- عصر القضاة: وهم شيوخ الأسباط وزعمائها
4- عصر الملوك: وهم ثلاثة: طالوت ثم داوود فسليمان، ويمثل أوج قوة الدولة بوصفها مركزا للإيمان بالله والدين الصحيح
5- عصر الانشقاق وانقسام الدولة إلى مملكتين: يهوذا وإسـ رائيل
وما انصب اهتمامي به استكشاف جوانب الصراع الداخلي الخفيّ في عهدي داوود وسليمان، وعدم طاعة هذين الملكين المعززين بالنبوة؛ إذ واجه داوود مثلا عدة حركات تمرد، كالتي قادها ابنيه: أبشالوم ثم دان (فاجأتني هذه المعلومة) وقد باءتا بالفشل، مع أن التوراة تزعم أن داوود فر هاربا من احتمال وقوع تمرد واسع من بقية الأسباط عليه. ثم أن النقمة على سليمان كانت تعتمر في نفوس شيوخ الأسباط وكبرائهم، فأطلقوا إشاعتهم القائلة بكفر سليمان وعبادته لأصنام أقوام زوجاته، مثل بعل، وهو ما جاء القرآن الكريم ليكذبه وينفيه جملة وتفصيلا {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} البقرة-102 بل زاد القرآن المجيد على ذلك أن أثنى على سليمان ووالده (عليهما السلام) ثناءً عظيماً.
ويعلل الكتاب هذا الموقف المشين من كبراء بني إسـ رائيل تعليلا مقتضبا بأن سليمان فرض عليهم ضرائب ومكوس أرض، وهو ما لم يعتادوا عليه من قبل. والمبرر الذي دعا سليمان لذلك أن هذه الأرض، التي فتحها القوم بأمر من الله، ينبغي أن تؤخذ بالرضا لا أن تنتزع بالقوة والغصب؛ لأنها أرض مقدسة، وتسع كل من يؤمن بالله حق إيمانه، لكن هذا كله لم يرق لمعظم بني إسـ رئيل، الذي رأوا كذلك أنهم “شعب الله المختار” ودينهم مبنيّ على اصطفائهم العرقي والقومي (وهي كذبة، ووهم ما زال يُردد حتى اليوم، مع أنه زال واندثر بزوال الممالك الإسرائيلية وآخرها على يد الرومان وحكامهم تايتوس وهادريان).
لكن كتاب الأستاذ نجيب زبيب تكتنفه مشكلة منهجية واضحة، ولعل هذه المشكلة تنسحب على معظم الكتب العربية التي تناقش التاريخ اليهودي، ألا وهي مشكلة قراءة التاريخ الديني حسب سياقه المنطقي. وأقصد أن المصدر الأساسي لهذا التاريخ المعقّد ينحصر تقريبا في المصادر الدينية: التوراة والقرآن. ويقع كثير من محاولي مناقشة هذا التاريخ في مغبة عدم التفريق بين حملة لواء الحق من حملة لواء الباطل. فمما لا شك فيه أن بني إسـ رائيل كانوا هم المكلفين بنشر الرسالة، والأمم التي من حولهم عاشت على الوثنية، وعلى الشرك والأباطيل (وهي أمم عربية، لكنها حين خاطبها النبيان داوود وسليمان بخطاب العقل والإيمان، آمنت ورضخت للحق). ومن ثم لا يصح النظر لهذا السياق بمنظور قومي معاصر، وإسقاطه على ذلك العصر.
ولا بد كذلك من التفريق بين الخطاب الصهيوني الحالي وفساد بني إسـ رائيل في ذلك السياق؛ لأن الأول لا ينطلق من دوافع ذاتية، بل يأتي بتحريض غربي حاقد على عالمنا العربي ويستهدف نهب ثرواتها وتفريق أبنائها، في حين أن فساد بني إسـ رائيل الذي استعرضه القرآن الكريم بالتحليل والتفسير له أسبابه ودوافعه الذاتية، مع أن الاثنين لهما قواسم مشتركة معينة من ناحية النزعة العرقية والقومية، غير أن التمايز بينهما يظل ماثلا، والخلط بينهما يؤدي إلى أخطاء قاتلة في التقدير والفهم الدقيق لهذا التطور التاريخي المشؤوم، الذي آلت إليه الديانة اليـ هودية، التي اختطفها الخطاب الصـ هيوني الإجرامي، الذي صنعه الغرب على عينه. هذا كل ما لدي عن هذه القراءة، وسأنتقل بعدها إن شاء الله إلى قراءة جديدة.
رابط لتحميل الكتاب==

