في مسألة “إحياء اللغة العبرية”، لا يمكن الزعم بثقة تامة حول الجهة التي قامت على هذا المسعى بدأبٍ إلا بعد دراسة شاملة. غير أن الإشارات التاريخية المتاحة ترجح الظن بحدوث جهود أكاديمية ولغوية كبرى قامت عليها جهات منظمة، وممولة تمويلا جيدا طوال قرون ليست بالقصيرة. وما نعتقده مبدئيا أن الجماعات اليـ هودية لم تكن قادرة على حمل تلك المسؤولية الثقيلة، ولم تتمتع برفاهية كافية تمكنها من تحقيق هذا الإنجاز (راجع أسباب ذلك مثلا في مؤلفات سيسيل روث Cecil Roth).
ويعرض لنا الكتاب المذكور أدناه جانبا من الجهود الأكاديمية الأمريكية الحثيثة بإحياء اللغة العبرية في القرن الثامن عشر. في حين سبقته بقرن أو قرنين تقريبا مساعي أكاديمية بريطانية مماثلة تحقيقا للهدف نفسه (الرجاء ربط هذه الجهود بمسألة “المذهب الإسرائيلي لبريطانيا” British Israelism الذي أشرنا إليه في غير مقال). ومن ثم، فقد سبقت هذه الجهود اقتناع المجتمعات اليهودية في الشتات (دياسبورا) في “الحل الصهيوني” (وقد حدث ذلك بصعوبة) بقرون عديدة، أي أن هذا يدل دلالة لا تخفى عن كل قارئ مجتهد على نشأة “الحل الصهيوني” وولادته حصرا في القوى الغربية (بريطانيا وهولندا ثم أمريكا)، ولم يحصل الاقتناع اليـ هودي بهذا الحل إلا مع عصر هرتزل، ومن تلاه في نهايات القرن التاسع عشر.
الخلاصة أن “إحياء اللغة العبرية” إنما هو على الأغلب ثمرة لجهود غربية (لا يـ هودية)؛ وذلك لأسباب مفهومة، منها ارتباط “الدين الغربي الجديد” -كما وصفناه سابقا- بالعهد القديم أكثر من ارتباطه بالأناجيل المسيحية. ومهما يكن من أمر، فإن حسم هذا الجدل يقتضي دراسات تخصصية موسعة، وحركة ترجمة ناشطة.
==============================
الصورة مقتبسة من كتاب “تلمود العم سام: الأساطير العبرية التي تأسست عليها أميركا”، لمؤلفه منير العكش، دار رياض الريس، ط 1، بيرو 2004، ص 246.

