الثائرة “فيوريوسا” على درب ماكس المجنون في أرض “القيامة الأمريكية”

شاهدت مؤخرا فيلم المخرج الأسترالي “المجنون” جورج ميلر،


Furiosa: A Mad Max Saga


وهو بمثابة “تفريعة” سابقة عن الجزء الذي سبقه عام 2015 “درب السخط” Fury Road.
لكن ما أود قوله هنا إن على المشاهد والقارئ الكريم إدراك تصنيف مثل هذا العمل السينمائي وغيره من الأدبيات المماثلة.
يندرج هذا العمل ضمن تصنيف لم يطفُ على السطح إلا بعد النصف الثاني من القرن العشرين، وهو ما يطلق عليه Post-Apocalypse، وإذا أردنا تعريب المصطلح بدقة فلا شك أننا سنقع في حيرة من أمرنا؛ لأن جوهر الفكرة فيه أظنها غير موجودة في الثقافة العربية الإسلامية. لكن دعونا نحلله قليلا عبر الأداة “التفكيكية” إذا استعرنا مصطلحات المسيري.
منذ أن آمن الغربيون (أي البريطانيون والهولنديون وبعض الألمان والفرنسيين وغيرهم) بالبروتستانتية في منتصف القرن السادس عشر، تغيّرت نظرتهم لأنفسهم وللعالم من حولهم. فأيقنوا، بعد ترجماتهم للكتاب المقدس، لا سيما العهد القديم ونبوءاته، أن يوم القيامة واقع غدا بلا ريب، وإن لم يقع غدا فسيقع في اليوم الذي يليه. وعلى سبيل المثال لا الحصر، جزم الإنكليز قبل عام 1588 أن القيامة واقعة مع حلوله دون شك، ومن يصرّح بخلاف ذلك فهو من خوارج القوم، وعليه من الرب ما يستحق. لكن ذلك العام حلّ دون “قيامة” ولا هم يجزعون، ومع أنه أُسقط في أيديهم بعد هذه الخيبة، لجأوا إلى تأويل الأمر تأويلا مفتوحا إلى يوم يبعثون.
فكانت تلك المرحلة الأولى للتأويل الغربي ليوم القيامة حسب تفكيرهم المبتذل، وكونوا ما أطلق عليه “تراثا قياميا” Apocalyptic Legacy لا يقل جنونا عن جنون صاحبنا جورج ميلر. وقد انخرط في هذا الجنون كبار مثقفيهم، ومنهم مثلا إسحق نيوتن الذي كتبنا عن كتابه Observations on Daniel and The Apocalypse of St. John مقالا موسعا (الرجاء العودة إليه في هذه الصفحة).
أما المرحلة الثانية فتجلّت بعد الحرب العالمية الثانية، إذ اكتشف الغربيون، وخصوصا الأمريكان منهم، أنهم ليسوا مضطرين إلى انتظار التدبير الإلهي ليوم القيامة (في أذهانهم) بعد نجاحهم في تطوير أسلحة دمار شامل فتاكة قادرة على تدمير العالم بأسره. والحق أن كثيرا منهم اعتقدوا (وما زال أكثرهم كذلك) أن “الرب ماطل كثيرا في وعده لهم بإيقاع يوم القيامة، الآن، وليس لاحقا” [ولاحظ أن هذه الفكرة المبتذلة سخر منها المخرج الآخر فرانسيس فورد كوبولا حين صنع فيلمه Apocalypse, Now “القيامة الآن” الذي علينا أن نعيد مشاهدته حسب هذا المنظور القيامي]. فقالوا إن يوم القيامة -بما فيه من أهوال وكوارث عظمى حسب تأويلاتهم المتعسفة للنبوءات- بات في أيدينا الآن؛ لما لنا من قوة وجبروت، وعدم وجود قوة حقيقية تردعنا أو تمنعنا من إيقاع هذه “القيامة” التي نريدها لكي ينزل المسيح نزوله الثاني [أو يجبرونه على النزول بناء على هذا التفكير ما بعد القيامي]. وبطبيعة الحال، لا بد من تجميع اليـ هود في فلسطين لكي يكتمل المشهد القيامي المأمول.
وبذلك، تقع “القيامة” المصنوعة في أمريكا Apocalypse Made in the USA، لا القيامة الربانية في آخر الزمان.
فطفق أدباء ما بعد الحرب العالمية (ما بعد الحداثة) في عرض صور مفزعة للعالم ما بعد هذه “القيامة المصنوعة أمريكيا”، لعل من أهمها روايات مثل: 1948 لجورج أورويل، وفهرنهايت 451 لراي برادبيري، وكوكب القردة للفرنسي بيير بول، والأرض تتجلد Earth Abides لجورج ستيوارت، والعالم الغارق The Drowned World لجيمس غراهام بالارد. وفي عالم التلفزيون والسينما نتذكر مثلا مسلسل الأنيمي الياباني العنيف “سيف النار” وباليابانية 北斗の拳، وكذلك مسلسل الأنيمي “الهجوم على العمالقة” 進撃の巨人، أما أفلام “ما بعد القيامة المصنوعة” فهي أكثر من أن نحصرها، لكن من أهمها “ماتريكس” و”المدمر” و”ألعاب الجوع”، وطبعا فيلم “ماكس المجنون” الذي ظهر بداية في عام 1979 من بطولة ميل جيبسون ونجح نجاحا جنونيا آنذاك، فأنتجوا له جزئين بعد ذلك، ثم نام جورج ميلر نومة عميقة، لا نعلم أسبابها، فأتى لنا منذ عام 2015 بما يسميه “ملاحم جنونية” تظهر لنا النظرة الغربية بتدمير العالم، إلى الحد الذي يمسي فيه أن قطرة ماء تساوي كنوز الدنيا قاطبة.

أضف تعليق