مراجعة كتاب إسحق نيوتن: Observations upon the Prophecies of Daniel and the Apocalypse of St. John (ملاحظات على نبوءات النبي دانيال وقيامة القديس يوحنا)

أخذني الوقت وكثرة المشاغل عن سرد بعض من انطباعاتي (القليلة) عن حبيب الملايين ومعشوق الجماهير ((إسحق نيوتن))، إذ عاشت أجيال وماتت أخرى وهي تظن (ربما) أنه ما كان لها أن تربض على الأرض، لولا اكتشاف هذا الحبيب والمعشوق ما أُطلق عليه لاحقا “قوانين الجاذبية”، وعساك ألا تسألني عن شأنها شيئا، إذ لا أعرف منها أمرا جازما سوى جاذبية نيوتن وسحر شخصيته اللتين ظفر بهما -وما زال- في اهتمام الخلق به.
بيد أن لكل عملة وجهان. والوجه الآخر لنيوتن سطّره بشناتره التي أكلتها ديدان الأرض، وأتعسني الحظ بقراءة تدوينات هذا الوجه الغريبة والمملة حول قناعاته الدينية (بل قل تخرصاته المدهشة).

هذا ما حدث حين قرأت له قبل شهرين ونيف تقريبا كتابه “الكارثي”
Observations upon the Prophecies of Daniel and the Apocalypse of St. John
[ملاحظات على نبوءات النبي دنيال، ورؤيا القيامة للقديس يوحنا]

وهو كتاب “كارثي” ليس من باب القدح، بل لأنه يتحدث عن كوارث قيامية خالصة. غير أن المشكلة الأشنع والأفظع تجلّت بالتأويلات المتعسفة التي طرحها نيوتن على طاولة البحث، وهذا يتناقض مع عقليته التي شهدها العالم عبر عمله الكبير
Philosophiæ Naturalis Principia Mathematica
[الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية]
الذي قدم في مجلداته الثلاث قوانينه للحركة، والجذب العام، كما استفاد من “قوانين يوهان كبلر لحركة الكواكب” التي “ثبّت فيها مركزية الشمس بوصفها نموذجا للكون” كما وصف ذلك كوبرنيكوس وجاليليو (مطنشين بذلك -كالعادة- مساهمات العلماء المسلمين في هذا المجال). كما أن نيوتن ساهم بقوة في مجال البصريات، إذ درس “انكسار الضوء” وتحدّث عن “المنشور المشتت الذي يمكنه تحليل الضوء الأبيض إلى ألوان الطيف”. بالإضافة إلى “وضعه أسس التفاضل والتكامل”، [ويبدو أن ابن الهيثم كان فقط يتحدث عن تحليل الملوخية😇].

وهذا الكلام اللطيف والجميل “لحسه” نيوتن لحسة واحدة ولاذعة في كتابه الكارثي المذكور أعلاه. والظاهر لنا أن كتاب نيوتن “ملاحظات” إنما جاء بعد أعماله العلمية ذائعة الصيت، أي أن المرء اللبيب يفترِض أن عقل الرجل قد توسع، وأضحت مداركه أفضل، لكن ما رأيناه هو العكس.

المنهجية التي يتبناها نيوتن في “ملاحظات” يتأسّف لها كل شخص يحترم التفكير العلمي الموضوعي. إذ ينقلب حال نيوتن من ذلك العالم الرصين، إلى مجرد قارئ فنجان وعرّاف، وربما إلى دجال. لكنه لا يُقدم على ذلك مباشرة، بل بعد أن يغطيه بعملية سرد، تصل إلى درجة الملل، يملأ بها متن كتابه حول تاريخ أوروبا ما قبل العصور الوسطى، والإمبراطورية الرومانية، ثم القبائل الجرمانية والقوطية والتترية، وقبل ذلك تناول الإمبراطوريات الآشورية والبابلية والأخمينية (مع أنني ممن يعشقون مثل هذه السرديات التاريخية)، وربط ذلك كله بالنبوءة التي ذكرها النبي دنيال عليه السلام، والتي يُطلق عليها “نبوءة السبعين أسبوعا”، ونعلم أن سندها لدنيال يكاد يكون معدوما، كعادة أسفار العهد القديم، لكن يرد فيها ذكر لرأس أسد ذهبي، ويقرنه نيوتن بنبوخذ نصر والدولة البابلية، وله صدر فضي مرتبط برأس دب ويقرنه بقورش والدولة الأخمينية، وهكذا دواليك؛ إذ يمضي نيوتن بسرد التاريخ في أوروبا القديمة، ثم عصورها الوسطى، ثم ما لحقه، مقرونا بتأويله لكل حدث من هذه الأحداث مع هذه النبوءة الخيالية. غير أن نيوتن يكشف عن يقينه الذي لا يشوبه شائبة بهذه النبوءة حين قال جملة فاقعة في صفحة 155:
and to reject his Prophecies [i.e. Daniel], is to reject the Christian religion
فهي بالنسبة إليه دليل على الإيمان الناصع، ومنكرها خارج على الملة. لكن ما هي الملة التي يؤمن بها نيوتن بالضبط؟ هنا سنضطر إلى الانتقال إلى كتاب آخر كتبه نيوتن بنفسه، ألا وهي رسالة وضع لها مركز نماء للبحوث والدراسات العنوان التالي:
((وصف تاريخي لتحريف نصين مهمين من الكتاب المقدس: التثليث والتجسد))
والحق أن ترجمة الرسالة سيئة لسوء الحظ، لكن مقدم الكتاب ذكر أن نيوتن “تأثر بالطائفتين السوسنيانية والآريوسية” [السوسينيانية: هي إحدى الطوائف التي ظهرت في عصر النهضة والتي تنكر الثالوث، وتُنسب إلى الإيطالي ليليو سوتسيني…] ص 44. ويبدو أن هذا الكلام مجرد رجم في الغيب في حق هذا الرجل الذي برع في إخفاء معتقداته الدينية.

ينتمي إسحق نيوتن في حقيقة الأمر إلى الدين الجديد الذي ابتدعته البروتستانتية ودوائر حلقاتها المعقدة، التي تكشفت شيئا فشيئا مع مرور الزمن. إنه الدين الذي يعبّر عن الرجل الأبيض المتفوق، المتمسك بالعلم والتقدم من جهة، ومن جهة أخرى التصالح مع خط “العهد القديم” والمهيمنين عليه (وأقصد بطبيعة الحال اليـ هـود وتياراتهم المتصالحة مع الغرب المسيحي بدورهم). وهو دين جديد ظهر منذ القرن السادس عشر مع بروز البروتستانتية على يد مارتن لوثر (على الرغم من تراجعه عنه في اللحظات المتأخرة من حياته). غير أن قطار هذا الدين، الذي انطلق مع حرية ترجمة الكتاب المقدس بعهديه إلى اللغات الأوروبية المختلفة، لم يكن له التوقف عند نزوات مارتن لوثر ومراجعاته، بل مضى بكل قسوة نحو إعادة احتضان العنصر اليـ هودي إلى المكوّن الثقافي في الغرب الأوروبي، وذلك بعد قرون طويلة من الاضطهاد والتعذيب والملاحقات والمطاردات. لينتهي الأمر إلى ضرورة إنشاء الكيان الصهيوني من العدم.

وهذا العدم يضع إسحق نيوتن حدا له في صفحة 226 حين يدعو حسب النص الآتي:
For by joining the accomplishment of the vision with the expiation of sins, the 490 years are ended with the death of CHRIST. Now the dispersed JEWS became a people and city when they first returned into a polity or body politick
والـ490 سنة المذكورة ما جاءت إلا بعد الطريقة العجيبة التي ابتكرها لتفسير معنى الأسابيع المذكورة في النبوءة، في حين يذكر النص صراحة ضرورة تجميع اليهود في كيان سياسي موحد في القدس (وليس مكانا آخر). وهكذا، فنحن أمام أولى الشخصيات الصهيونية المعلنة، سابقا بذلك كلاً من صموئيل هيرتزل وحاييم وايزمن وغيرهما من متأخري الصهاينة بما لا يقل عن قرنين. على أن من الجدير أن نلاحظ أن بواكير الفكرة الصهيونية تبلورت عند الغرب البروتستانتي قبل ذلك بقرنين آخرين. ثم لا ننسى أن نيوتن الذي يقال عنه إيمانه “بالتوحيد”، (وهو وصف يحلو لمحبيه من العرب والمسلمين أن يدحرجوه هكذا من باب التفكير الرغبوي) إنما يشكّل إيمانه بالخالق الأوحد بناءً على هذا الدين الجديد الذي لا يخفى على كل ذي لب مدى ارتباطه (أو إعادة ارتباطه) بفكرة الرب الواحد عند اليـ هود “يهوه”، وهو أقرب إلى ذلك من أي إنجيل نصراني. ومن الواضح أن هذا الدين المختلط الجديد (الذي خصصوا له كتابا مقدسا جامعا، ممثلا في “كتاب الملك جيمس”) أمسى بمنزلة القاعدة للروح الصهيونية العميقة والمتجذرة في الوجدان الغربي، إلى أن بات واقعا راسخا من خلال تأسيس الولايات المتحدة “الصهيونية الهوي والمنبع”، كما يجدر أن توصف.

ويحرص نيوتن على ألا ينهي كتابه إلا بعد أن يذكر مسألة، رأيتها طريفة وتدلل على عقله الديني التالف، إذ يقول إن الجراد والدخان الذين يخرجان من حفرة لا قرار لها، حسب ما تذكره نبوءة يوم القيامة “إنما هم العرب SARACENS وخليفتهم، إذ يخرجون من جزيرة العرب لينشروا وباءهم إلى الأمم الأخرى”! ص 340.

أضف تعليق