في فيلم جسر الجواسيس Bridge of Spies تظهر الرسالة التاريخية والسياسية التي يعرضها المخرج ستيفن سبيلبيرغ: إن المبادئ والقيم التي قامت عليها أمريكا لم تعد موجودة.
مثلت العودة للوراء لستيفن سبيلبيرغ واقتناص واقعة تاريخية في الستينيات فرصة مناسبة لمناقشة الفكرة التي يجادل فيها، وربما أصبح على قناعة تامة بها. ورؤية الفكرة من منظورها الشامل هو السبيل الوحيد لاستخلاص النتيجة التي أراها أمامي جلية، وقد لا يراها آخرون كما أراها بهذه الصورة.
المفارقة التاريخية واضحة ولا تحتاج ذكاء خاصا لملاحظتها: جاسوس سوفييتي يقبض عليه وهو متلبس ولا ينكر جريمته. لكن فعاليات وثنايا النظام الأمريكي تجبره على توفير كافة فرص العدالة للجاسوس. والنقطة البارزة أن المحامي يدافع عن حقوق الحرية والعدالة والمساواة لوكيله الجاسوس، لأنه يؤمن -وهنا المحور- أن هذه القيم هي التي تأسست بها الولايات المتحدة في نهاية القرن الثامن عشر، وهو مقتنع كذلك أن لا معنى ولا قيمة للولايات المتحدة دون هذه المبادئ العليا. لكن أمريكا اليوم غير أمريكا الستينيات عندما كانت واثقة من نفسها ومن مبادئها (سواء اختلفنا أو اتفقنا بمدى مشروعيتها الأصلية)، فأمريكا اليوم تورطت في غزو بلدان أخرى واحتلالها، ووقعت في أزمة أخلاقية عميقة يلمسها المفكرون والفلاسفة في الغرب. ويلمح سبيلبيرغ من بعيد -ودون أن يأتي باللفظ المباشر- بأزمة معتقل غوانتنامو كونه يمثل الرمز الكبير لسقوط المبادئ الأمريكية ولعله يشير إلى ما هو أبعد من ذلك: اضمحلال الحضارة الأمريكية الوشيك وزوال الدافع الأخلاق والقيمي لثباتها واستمرارها.
وبالمناسبة، فإن عددا من الأفلام البارزة هذا العام ينذر بسقوط الحضارة الغربية والرأسمالية كفيلم The Big Short الذي ناقش الانهيار الاقتصادي بدءا من عام 2008 وذكر حوار الفيلم مباشرة “أنه سقوط للرأسمالية” دون تلطيف. وهناك أيضا الفيلم المرشح بقوة لحصد جوائز الأوسكار “العائد من الموت” The Revenant الذي يعود للماضي ليناقش المبرر الأخلاقي لإبادة القبائل الأصلية في أمريكا الشمالية (قيل أن تعداد من أبيدوا وصل إلى 120 مليون نسمة) وإن كان على شكل قصة انتقام واقعية حدثت في منتصف القرن التاسع عشر.




