قضاء عدالة المنتصر – الترجمة المشتركة للرائعة الكلاسيكية Judgment At Nuremberg

نحييكم أيها الأخوة والأخوات الكرام أطيب تحية، ونقدم لكم عملا يعتبر من ضمن روائع الأعمال السينمائية العالمية. ولعل أهم قضية يناقشها العمل فكرة لطالما تمناها الإنسان وسعى لها بكل قوة. إنه مفهوم العدالة، بكل ما يحتويه من أمل بالحياة على الأرض، ومساواة بين البشر كبيرهم وصغيرهم، واستقرار اجتماعي سائد، وأمن شعبي عام راسخ الأركان. بل إن مفهوم العدالة المطلق هو ما تنشده كل الحضارات الإنسانية على اختلافها وتباينها، وهو الظل الذي يستظل به المجتمع من نار الظلم والقمع والبطش وسفك الدماء. فهل تحقيق العدالة قابل للوجود على الأرض؟ أم أن هذا المسعى هو مجرد وهم وسراب يجري وراءه البشر الذين لمّا يتعافوا بعد من أمراض أهواء السلطة والاستحواذ وأكل حقوق الضعفاء؟



وفيلمنا الذي يصنف على أنه من الروائع العالمية Judgement At Nuremberg من إخرج المخرج الأمريكي اللامع ستانلي كريمر وبطولة سبنسر ترايسي وبيرت لانكستر وريتشارد ويدمارك ومجموعة من النجوم الألمان أبرزهم ماكسيمليان شيل ومارلين دايتريتش. وقد فاز العمل بجائزتي أوسكار منها لماكسميليان شيل الذي برع بدور المحامي عن المتهمين وكان أحد أسباب اقتناعي بترجمة العمل حيث نال جائزة أفضل ممثل، والجائزة الأخرى تمثلت بأفضل قصة وسيناريو. وترشح العمل كذلك لكل الجوائز الهامة كأفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل مونتاج وأفضل تصوير. أما موقع IMDB فقد منحه المركز 185 ضمن أفضل 250 فيلم بتاريخ السينما حسب تصويت المشاهدين وأعضاء الموقع. والعمل ككل يعتبر من دراما القضاء والمرافعات التي ظهرت كثيرا عبر أفلام ومسلسلات وأصبحت بمثابة صنف درامي يفضله كثير من المشاهدين. ولا شك أن المخرج تميز بعرض الجو الذي يسود قاعات المحاكم الدولية ومتعددة اللغات حيث الترجمة الفورية، ولكنه دخل بشيء من الانسيابية باستخدام لغة موحدة وهي الانجليزية حتى لا يخرج المشاهد عن الانفعال الدرامي المرغوب به مع تصاعد حدة المرافعات واحتدام المعركة القضائية بقاعة المحكمة. وقد تميز المخرج بعرض صورة درامية متوازنة ومتكاملة سواء في قاعة المحكمة أو خارجها، واستخدم أسلوبا خلابا بالتصوير السينمائي الذي قد يشعر المرء بأنه موجود بقاعة المحكمة بالفعل ولا يشاهده عبر الشاشة فقط، رغم أن التصوير كان باللونين الأبيض والأسود ولكن هذا الأمر كان عاملا مساعدا لجودة التصوير ولم يؤثر بالسلب عليه إطلاقا. والحقيقة أن هناك مزايا كبيرة بهذا العمل السينمائي الضخم ولكني أفضل تركها للنقاد السينمائيين الذين سيبرعون أكثر مني بالإشارة لها وتوضيحها للجمهور.


قضاء المنتصر

المحامي (ماكسيميليان شيل) مستميتا بالدفاع *أوسكار*

 

الإدعاء العام (ريتشارد ويدمارك) ورغبة المحتل

العدالة المطلقة المفقودة

إن نوع العدالة التي نواجهها بهذا العمل يراد لها أن تبقى نسبية وبتراء وغير شاملة، لأنها تمثل عدالة المنتصر. وقد حلم الإنسان بتحقيق العدالة على الأرض بشكل مطلق، ولكن هيهات له أن يحقق ذلك ما دام يلجأ لاستخدامها كأداة يحقق بها مآربه وأغراضه المختلفة على اختلاف البشر والعصور. وبما أن العدالة لم تتوج بعد على عرش الحكم الإنساني على وجه الأرض، فإن صراط العدل غائب مفقود بهذا الكون. ومن المحال أن تتحقق العدالة وهي لا ترى إلا بعين واحدة. ولعل الكارثة تتمثل بأن عدالة العين الواحدة يسهل توجيهها وتطويعها نحو مآرب ضيقة تخرجها عن رحب العدل المطلق، ومن السيء كذلك أن تكون عدالة محصورة بزمن معين أو بقعة جغرافية أو لرهط من الناس بعينهم. وهكذا هي عدالة المنتصر الذي يحتكر قيمة الحق والحقيقة مهما كانت الظروف.

لكننا أيها الناس، قوم نحمل رسالة خالدة ولدينا الجرأة بأن نسمي الأشياء بمسمياتها. فقد ذكر الباري عز وجل بآيات بينات
«من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعاً» المائدة 32>>
فالله سبحانه يقول لنا “نفس”، ولم يقل لنا مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا أو غيرهم. فالنفس البشرية بمجملها محرمة. ومن هنا فإننا نستنكر إعجاب بعض أخوتنا بالنازية وقائدها هتلر، ونشفق عليهم من منزلق هذا الشعور غير المدرك لخطور الفكر اليميني المتطرف في أوروبا والغرب. ولعل من الغريب والمستنكر كذلك أن بعض المفكرين والمثقفين الأوروبيين دخلوا بمتاهة عدد من هلك بالمحرقة أو “الهولوكوست” التي ارتكبها النظام النازي في الدول التي احتلها بشرق أوروبا. وأتذكر بهذا الإطار الجدل الذي حدث بنهاية التسعينيات حول كتابة المفكر الفرنسي روجيه غارودي عن عدد ضحايا المحرقة وتشكيكه بالعدد، هل هو 400 ألف أم 6 ملايين فعلا. وللأسف فإننا جميعا وقعنا بهذا المنزلق الفكري -ولا أنفي التهمة عن نفسي حيث أخذتنا الحمية مع غارودي- ولعلي أزعم أن مجرد التفكير بهذه المتاهة يعد أمرا لا أخلاقيا بالمطلق. وهذا القول ليس حبا باليهود، بل إنحيازا للحق أينما وكيفما كان، وتغليبا له على ميل هوى النفس. وكما ذكر الفيلم، فإن قيمة البشر بهذه الأرض قائمة على الإنسان الواحد الأوحد، وكما شددت قبل ذلك آيات الذكر الحكيم بحرمة النفس الواحدة. ومن الإثم والجرم أن نتجادل بكمية مقتل الناس وأعدادهم بغض النظر عن كونهم يهودا أو غجرا أو بولنديين أو غيرهم من الأقوام. وهذا ما يقع به الغرب الذي يمعن باستخدام العين العوراء والمعايير المزدوجة حين يتباكى على مذبحة المحرقة لا سيما على ضحاياها اليهود، ويتعامى عن جرائم الكيان الصهيوني بفلسطين ولبنان وبكل مكان وطئت أقدامهم به. وهو ما يجعلهم غير مؤهلين إطلاقا لحمل لواء العدالة في العالم، وقد انكشف القناع عنهم حين مارسوا هذه الجرائم بالأصالة لا بالوكالة في فييتنام والجزائر ورواندا والعراق.

judgment-at-nuremberg-title-still1

بالتالي فإن من المعيب أن نعجب بالفكر اليميني الذي مثله الحزب الوطني الاشتراكي المسمى اختصارا بـ”النازي”، لسبب بسيط وواضح وهو أن الفكر النازي يمثل أقصى طموحات ورغبات الثقافة الغربية بالتفوق العنصري والعرقي. فالفكر الغربي بشكل عام محمّل بتراث يميني متطرف نكتشفه بقرارة نفس الإنسان الأوروبي والأمريكي رغم محاولة كثيونر منهم ركب موجة اليسار والإدعاء بالتحرر من قيود الدين والتوجهات اليمينية (للمزيد من التعرف على بعض من ملامح هذا الفكر وعلاقة النازية بالصهيونية يرجى قراءة هذا الموضوع من هنا). ولعل هذا التوجه ازدادت ملامحه وبانت مع اندثار الامبراطورية السوفييتية حامية حمى الفكر الشيوعي. ومن يلاحظ الأجواء الأوروبية حاليا سيجد عودة تنامي التطرف اليميني بشكل صارخ وسافر لا سيما لدى الشباب منهم. ومن اللافت أن هذا اليمين وجّه سهام عداوته الآن إلى المسلمين المقيمين بالبلدان الأوروبية، معلنا كرهه الشديد لكل المظاهر الإسلامية المعتادة مثل المساجد والمآذن. ومن هنا لنا أن نقارن أن النازية على سبيل المثال لم تكره اليهود لكونهم يهودا فقط بل لكرهها كل ما هو أجنبي وغير “أصيل” أوروبيا حسب منظورها. ولو استبدلنا وجود اليهود آنذاك بالعرب أو المسلمين فلن يختلف مصيرهم عن مصير تلك الأقليات والقوميات.

والرسالة هنا، أننا نحترم النفس البشرية الواحدة ولا نقيّمها بالكم، ولكننا نطالب بعدالة ترى وتسمع الجميع بنفس المنظور والمعيار، ولا تخذل الحي بالميت ولا تضرب الحق بالباطل. إلا أن محاكماتهم في كل من نورمبرج وطوكيو ولاهاي لم تؤت بثمار سارت على هوى الغرب حيث افتضح أمر تطويع العدالة لمصلحة الاستقطابات السياسية والاستراتيجية التي تؤدي لتحقيق مصالحهم وغاياتهم. وهو ما جعل محاكماتهم الدولية التالية مثل محاكمة مانويل نورييجا وصدام حسين تتسم بعدم احترام أبسط قواعد العدالة، وأمعنوا في غيهم عندما وجدوا أن مثل هذه المحاكمات تشكل كابوسا لهم فآثروا استخدام التصفية الجسدية فقتلوا أسامة بن لادن وسهلوا مقتل معمر القذافي. ولعل هذا الجانب يعرضه ويشدد عليه مخرج العمل بكل وضوح، ولكن كالعادة الأمريكية المتأصلة، كان نَفَس الحقيقة لديه قصيرا، فجعل كل ما قيل بالمحاكمات بميزان، والحقّ بميزان آخر.

ميزان الترجمة

الحقيقة أن مجرد التفكير بترجمة هذا العمل الضخم يعتبر خطوة محفوفة بالصعوبات والمشقة. وقد اعتبرت أن حماس أخي العزيز سيد العطار لترجمة هذا العمل شجاعة محمودة، فأشكره على هذا الأمر كثيرا لأنه ساعدنا على إخراج الترجمة حسب ما نتمناه من توفيق الله. ولا شك أن هذا العمل يستخدم اللغة بكل ما بها من مجازات وعبارات مركبة واصطلاحية وأسلوب ترافع لغوي راقي، ويستخدم المنطق لتغليب الرأي ودعم الحجة، مما يجعل المترجم بمواجهة غير سهلة إذا ما خاض هذه المعركة فرديا. وبهذا الإطار فإنني أشكر من الأساتذة الكرام د. أحمد فوزي وأحمد الزعبي والأخ الكبير عباس مشالي على دعمهم ومساندتهم الفكرية بصياغة العديد من العبارات التي تطلب وضع أفضل المعاني المقابلة لها بالعربية، وهو ما مكننا من أن نخرج بميزان الترجمة منتصبا قدر الإمكان والسعة. ولا شك أن عبارات مثل:

Cut-and-dried Wear and tear

Mankind hasn’t crossed over
into Jordan

I know where the body is buried

عبارات تحمل الوداعة بمظهرها، لكنها كالألغام المتفجرة بوجه أي ممارس للترجمة المرئية. ولقد دار جدل طويل فيما مضى حول الترجمة وقضاياها ومسائلها: فهل هي علم أم فن أم كلاهما معا؟ وهل يحق للجميع ممارستها لتصبح ميدانا مفتوحا بلا حدود أو قواعد؟ ولكني أجزم أن الترجمة تعرضت للخيانة من قبل من يفترض أن يرعاها ويطورها ويحسن مدخلاتها ومخرجاتها. وأول من ارتكب ذلك الحكومات والأنظمة المتخلفة التي تركت هذا المجال ضعيفا مهلهلا ويخلو من القواعد المؤسساتية، كما هو حال جميع المعارف ومجالات الثقافة والحياة بالوطن العربي. وهذا موضوع ذو شجون يصعب نقاشه هنا.

نسخ الفيلم

Judgment.At.Nuremberg.SE.1961.DVDRip.XviD.AC3-NDRT

من اسطوانتين

Judgment.at.Nuremberg.1961.720p.BluRay.X264-AMIABLE

رابط ترجمة النسخة الأولى مع التورنت

من هنا

رابط ترجمة النسخة الثانية

من هنا

وتقبلوا أطيب تحية من مترجمي العمل

سيد العطار

و

فيصل كريم

2 responses to “قضاء عدالة المنتصر – الترجمة المشتركة للرائعة الكلاسيكية Judgment At Nuremberg

  1. إعادة كتابة الرسالة لتصحيح أخطاء (إهمال المراجعة):
    الحقيقة ترجمة رائعة دفعتنى للبحث عن من هما فيصل كريم (و) سيد العطار.
    توقفت عند عبارة (فطفق ياننج يوبخه).
    عند (طفق) كان لابد من البحث عن المترجمين فوصلت لهذا الموقع.
    شكرا لإحترامكما مشاهد الفيلم المستعين بالنرجمة.
    وشكرا لإحترامكما لغتنا

    إعجاب

    • حياكم الله أستاذ رفعت كامل
      احترامنا للغتنا نابع من احترامنا لثقافتنا وهويتنا العربية الأصيلة، على الرغم من مشقة الاجتهاد في ذلك، وسط استسهال واستهتار في استعمال اللغة، تفشى وشاع بين الناس، نظرا لانتشار الأخطاء الشائعة وغير الشائعة. ولا يبقى يا أخي الكريم إلا الصحيح، أما الزبد فيذهب جفاء.
      وشكر الله لك حسن التواصل

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s