الثورات العربية، وسياسة جوبلز… والجامعة العربية العرجاء: معوقات أم لعنات؟

يتحتم عليّ كمواطن عربي أن أذكر هدفي أو أمنيتي التي أسعى لتحقيقها، وهي لن تبتعد كثيرا عن مفهوم احتواء الخطر الصهيوني الماثل بالمنطقة وتحرير الأراضي العربية وعلى رأسها القدس الشريف. ولكن كيف يتوازى هذا الهدف مع ما يجري الآن من ثورات عربية تسعى للتخلص من أنظمتها القمعية الظلامية كما يجري الآن في كل من سورية واليمن وليبيا؟ ونضيف لها ما يجري الآن -على نار هادئة تغلي شيئا فشيئا- في كل من المغرب والجزائر، وذلك بعد نجاح الثورتين التونسية والمصرية بإزالة رؤوس نظاميهما وتعملان الآن على تكريس مفهوميهما الثوري ومؤسساتيهما لبناء الدولة من جديد.

قد يتجاهل البعض ذلك الهدف الأكبر من هذه الثورات ويكتفي بالهدف الأصغر وهو نيل الحرية والكرامة. وهذا بلا شك قصر نظر واضح. ولعل من المثير للإعجاب تلك الشعارات والهتافات التي صدحت بها الحناجر في كل من ميدان التحرير بالقاهرة والميادين المختلفة في سورية والتجمعات الشعبية في تونس وأكدت على مبدأ ألا تطبيع مع الكيان الصهيوني وعدم الموافقة على الإغراءات الأمريكية بهذا الشأن. ولم تكتفِ بهذا الحد بل تجاوزتها إلى المطالب القومية العربية الكبرى كالدعوة إلى يوم الزحف الكبير نحو فلسطين وتحرير القدس شعبيا وسلميا، بعد أن فشلت بذلك الجيوش العربية مجتمعة وفرادى اسوأ فشل. ولا بد هنا أن الصهاينة أصيبوا بالذعر من هذه الروح العربية التي بدأت تتدفق بشرايين العرب من جديد بعد أن ظنوا -أي الصهاينة- أنها قد ماتت واختفت إلى الأبد.

ومما لا شك فيه أن هذا الهدف النبيل تعترضه الكثير من المعوقات الكبيرة التي تجعل من الصورة مشوشة بأذهان الناس. ومنها على سبيل المثال لا الحصر أن هنالك أنظمة تدّعي المقاومة والممانعة ضد المشاريع الغربية والصهيونية، كالنظام الأسدي البعثي الدموي الحاكم في دمشق، وهو الذي لم يطلق رصاصة واحدة على الصهاينة الذين يحتلون الجولان منذ أكثر من 38 عاما. ولعل منطق الإنسان البسيط لا بد أن يطرح تساؤلا بديهيا ألا وهو “كيف لي أن أحرر أرضي المحتلة وأنا مهان وأشعر بالذل داخل بلدي وليس لي صوت أعبر به عن رأيي بمصيره ومستقبله”؟ بالتأكيد المعادلة مقلوبة ولن يستقيم الأمل بتحقيق الهدف الأكبر الذي نسعى له ما دام هناك قمع وظلام وخوف. وقد أثبتت الأيام الأخيرة أن النظام السوري الحالي في دمشق المنكوبة لا يعبأ بالممانعة ولا مقاومة الاحتلال، ولكنه من الممكن أن يقدم الدعم لحركات المقاومة طالما هي بعيدة عنه وما دام أن الخطر لن يصل لأعتاب عرشه في دمشق. فلا بأس أن يقوم حزب الله بعملية هنا في جنوب لبنان، أو أن تقوم حركة حماس بعملية هناك في غزة. فالمهم هو ألا ينتقل الشرر إلى الحصن الأسدي المنيع في دمشق وهي التي لا تبعد عن هضبة الجولان سوى مسافة 50 كيلومترا. وتبين كذلك أن هذا ليس حقنا للدماء السورية “الغالية” وسفحا للدماء اللبنانية والفلسطينية “الرخيصة”، فقد ظهر أن الدماء السورية أرخص بكثير عندما تجحظ عيون الشعب السوري على الحاكم بأمره في دمشق. وليس هناك أسهل من توجيه الدبابات والآليات الثقيلة لدك المدن السورية واحدة تلو الأخرى إن تجرأ مواطنيها على المطالبة بالإصلاحات الحقيقية والحرية. ولعل ما يلخص حالة النظام السوري مع شعبه هو ذلك المقطع المرئي الذي سربه أفراد القوات الأمنية السورية ذاتهم ويظهر فيه رجل أمن أو “شبيح” يكيل أحد المتظاهرين ركلا ودهسا بقدميه ويقول له: “هل تريدون حرية وكرامة؟ تفضل!” فيمعن بالركل والدهس. ويستخدم النظام السوري تغليفا للإذلال تلك الدعاية الممجوجة ذات الاسطوانة المشروخة حول “العصابات الإرهابية المسلحة التي ثير الفتنة”، وهي تذكرنا بالسياسة الإعلامية الشهيرة لوزير الدعاية للنظام النازي في ألمانيا الهتلرية جوزيف جوبلز “اكذب! اكذب! اكذب! حتى يصدقك الناس” ويستثمرون بذلك بعض “الشبيحة الإعلاميين” ممن ماتت ضمائرهم لتسويق نظرية الكذب تلك. ولكن علينا أن نفهم بدقة الغرض من هذه السياسة الإعلامية التضليلية، فأظن أنها موجهة بالأساس للداخل السوري ولغرضين أساسيين أولهما، استغلال جهل البعض بما يدور على أرض الواقع أو خوفه مما يجري. وثانيهما، التهويل لخطر الفتنة الطائفية في حال تغيير النظام. أما خارجيا، فيدرك النظام السوري أن سياسته هذه لن يبتلعها أحد، وهو بهذا كان يتمنى عدم اختراع تقنيات الانترنت والأقمار الصناعية والهواتف الذكية المجهزة بكاميرات رقمية حتى يسوّق بضاعة الكذب للخارج أيضا. فهل ستنطلي هذه المزاعم على المترددين حاليا من اللحاق بركب الثورة في سورية؟ لا اعتقد أن من يعتمد على السياسات “الجوبلزية” يستحق أن ينظر له بعين الاطمئنان الشعبي لمستقبل بلادهم من نظام لا يستحق الجلوس على كرسي السلطة.

ومن المعوقات الأخرى المؤسفة التي ظهرت واضحة بعد أن سال حمام الدم في سورية وحدث ما كنا نخشاه، هو ذلك الوضع الغريب والمستنكر بموقف ما تسمى بـ”الجامعة العربية”. حيث لم يرف لها جفن جراء كل هؤلاء الشهداء الذين سقطوا في سورية فضلا عمن سبقهم في كل من تونس ومصر اليمن وغيرها. وأصدر أمينها العام السيد نبيل العربي بيانا هزيلا “يرجو” فيه الحكومة السورية بوقف العنف. وحمدا لله أنه لم يمهر رسالته بدمعتين ساقطتين تحت حبرها المطبوع. ورغم ذلك علينا ألا نتعجب كثيرا من موقف الجامعة العربية، فهي بالأساس مؤسسة أنشأت بفكرة غير عربية أتت من بريطانيا وأوعزوا بها للملك فاروق لتجميع الدول العربية التي كانت بمعظمها ملكية وتدور بفلك الخط البريطاني والغربي بالمرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة. ونظامها الأساسي لا يدل سوى على أنها منظومة عاجزة وفاقدة للإرادة -كما هو الحال الفعلي للعالم العربي- وليست لديها أي أدوات أو مقومات تصلح بها من اعوجاج وضع أي نظام عربي سيء، وهي كذا ألعوبة من الداخل بيد بعض أعضائها المؤثرين، أما من الخارج فهي ألعوبة بيد القوى الغربية ولا تتحرك -أي الجامعة- إلا بعد أن ترى الضوء الأخضر الأمريكي أو الغربي. والمقارنة بين المشهدين الليبي والسوري يوضح تماما دور الجامعة العربية الهزيل والمتواطيء مع الغرب. فلم تتحرك الجامعة بشأن ليبيا إلا بعد أن لاحظت الضغوط الأمريكية والأوروبية بهذا الاتجاه، ولم تطلق كذلك أي تصريح بشأن سوريا رغم مرور أكثر من خمسة شهور على المجازر والقمع ، إلا بعد أن رأت الضوء الأخضر الأمريكي والغربي، بينما لم تتحرك شعرة بهذه الجامعة منذ بداية المذابح تجاه هؤلاء اللذين ضحوا وجاهدوا من أجل نيل كراماتهم وحرياتهم. وعلينا ألا نقسو كثيرا على نبيل العربي فهو لا يمثل إلا حالة الضعف والانقياد السلبي بهذه المنظمة بما أنه ارتضى على نفسه الخروح مبكرا من موقعه كوزير للخارجية المصرية حتى لا يذهب موقع الأمين العام للجامعة “المبروكة” إلى مرشح عربي آخر غير مصري. ولكننا نطالبه بفهم هذه الحالة وعدم القفز عليها بشكل مبالغ به، وألا ينجر وراء أقاويل ودعايات الحكام اللذين وصفناهم بمقال سابق بـ”أمراء حرب” مصلتين على رؤوس الشعوب. وعلى السيد العربي أن يعلم أن العرب إذا نجحوا بنيل حريتهم وكرامتهم فعلا، فإن أول إجراء يتعين عليهم اتخاذه هو الغاء هذه “الجامعة العربية” التي عفا عليها التاريخ وأصبحت أضحوكة للعالم وبكائية لنا نحن العرب نندب بها حظنا العاثر مع كل مؤتمر قمة أجوف يعقد كل عام حسب العادة التي جنى بها علينا الأمين العام السابق السيد عمرو موسى.

هنالك معوقات كثيرة تحول دون تحقيق آمال أمتنا العربية قد يكون بعض ما ذكرناه جانبا منها، إلا إنه من المؤكد أنه يوجد معوقات أكثر وأكبر لا سيما ما يتعلق منها بطريقة تفكيرنا كعرب ما بين بعضنا البعض، وضرورة إعادة بناء جسور الثقة ما بين العرب أنفسهم بعد أن هدمتها أنظمة “حقبة الاستعمار الثاني” التي استطاعت أن تنفذ ما عجزت القوى المستعمرة بالوطن العربي سابقا. وقد يكون لنا مقال لاحق بهذا الشأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s