فرصة للتأمل العميق:ترجمة الفيلم الياباني الفائز بجائزة كان الكبرى 2008 The Mourning Forest

بسم الله الرحمن الرحيم

نقدم لكم أيها الاخوة الكرام عملا سينمائيا مهما في إطار سعينا نحو تقديم أعمال متنوعة وذات مستوى فني جدير بالمشاهدة وهذا ما يتسم به فيلمنا الذي سنعرضه اليوم.

Mogari no mori

The Mourning Forest

غابة الأحزان – (موجاري)


لقد حاز هذا العمل على جائزة مهرجان كان السينمائي الكبرى Grand Prix وهي الجائزة الثانية بالمهرجان بعد جائزة السعفة الذهبية. وفي الحقيقة كان كل اعتقادي أن هذا الفيلم الياباني كان قد نال الجائزة بهذا الموسم أي بمهرجان 2008 لكن تبين عدم صحة هذا الاعتقاد، حيث كان فيلم “غابة الأحزان” متنافسا بالموسم الماضي على السعفة الذهبية وخسر اللقب بعد منافسة شديدة مع العديد من الأفلام من جميع أنحاء العالم. وقد قدمت من قبل الفيلم الذي فاز بجائزة السعفة الذهبية ألا وهو الفيلم الروماني “أربعة شهور وثلاثة أسابيع ويومان” الذي تصادف أن قمت بترجمته كذلك (ويمكن للجميع قراءة موضوعه حسب الرابط المرفق بالاسم). أما مهرجان هذا الموسم فقد فاز بسعفته الذهبية الفيلم الفرنسي المثير للجدل Entre les murs وفاز الفيلم الإيطالي Gomorra الذي تعرض كاتبه روبرتو سافيانو للتهديد بالقتل بعد تناوله لعصابات نابولي بشكل جدي، فما كان سوى النجاة بعمره بالفرار والهرب. وهذا مجرد عرض لحصيلة الموسمين الآخرين في مهرجان كان.
مخرجة الفيلم ناومي كاواسي تتسلم الجائزة الكبرى من مقدمة الجائزة كارول بوكيه

وعودا إلى عملنا الذي نناقشه اليوم، فإن فيلم “غابة الأحزان – (موجاري)” يدخل بإطار الفن السينمائي الغير تقليدي الذي يبدو أن هذه السمة هي الغالبة على أفلام موسم 2007 بمهرجان كان، ولا أعلم إن كان هذا الأمر من قبيل المصادفة أم أمر تم بسبق الإصرار والترصد. لكن يكفي وجود فيلم Death Proof الذي رشح كذلك للسعفة الذهبية فسرعان ما نكتشف أن هذه التهمة باطلة. إلا إننا لا بد أن نذكر أن هذا الفيلم هو بشكل أساس للمهتمين بهذه النوعية من الفن السينمائي ألا وهي المختصة بتطويع الأداة السينمائية لخدمة أفكار غير تقليدية حيث المعاني الفلسفية والوجودية العميقة. الفيلم من اخراج المخرجة اليابانية ناومي كاواسي وبطولة ممثل ياباني يقوم بالتمثيل لأول مرة بشكل مفاجئ شيجيكي يودا والممثلة ماتشيكو أونو وقد أخذت شخصيات أبطال الفيلم اسماء الممثلين أنفسهم، بشكل يدعو للدهشة نوعا ما. تتركز قصة، على قلة أهميتها، حول دار للمسنين تقوم موظفات خاصات بالرعاية بادارته وقضاء الوقت مع هؤلاء المسنين الذين نسيهم الزمن، وبعضهم فقد قدرته الذهنية لكبر السن والبعض الآخر لم يصل لهذه المرحلة بعد. ثم تنضم لطاقم الموظفات موظفة جديدة (ماتشيكو) وهي خارجة من محنة وفاة ابنها وتحميل زوجها المسؤولية عن ذلك. وسرعان ما نكتشف رابطا غير مباشر يربط ما بين السيد شيجيكي وماتشيكو رغم عنفه معها وكسره ليدها حين قامت بترتيب حاجياته. ثم تتطور العلاقة بينهما إلى أن يأتي عيد ميلاده فيقيمون له احتفالا مبسطا لنكتشف أن هذا الرجل يعاني من افتقاده لزوجته التي توفيت منذ 33 عاما. ثم تقرر (ماتشيكو) احتفالا بهذه المناسبة أخذ (شيجيكي) لرحلة بالسيارة بربوع ذلك المكان الساحر والخلاب، فيحصل لهما ما لم يكن بالحسبان.


في حقيقة الأمر، فإن هذه الحبكة ليست هي محور العمل ولا الهدف منه اطلاقا، فالمخرجة (كاواسي)، التي ترشحت بهذا الفيلم للسعفة الذهبية ليكون ثالث مرة تنال به هذا المركز بمهرجان ونالت به كذلك جائزة سعفة الكاميرا الذهبية لمرتين، تركز على تناغم المنظر الطبيعي الخلاب مع الصورة الشاعرية الفلسفية. فإن غضينا النظر عن الاسقاطات المأخوذة من الفكر البوذي، فإن أفكار الارتباط الروحي حتى لما بعد الموت والتأمل الروحاني وقضية المصير الإنساني بكل معانيها العميقة والفكر الوجودي الغامض وكذلك تفاعل الانسان مع أشكال الطبيعة المختلفة سواء القاسية منها أو الجميلة والمغرقة بالسكينة والهدوء. كل هذه الاسئلة طرحتها المخرجة عبر هذا العمل ولم توجه الأمور نحو اجابة أو حلول تجعلها في خانة المباشرة أو التحكم بالأفكار -فيما عدا العبارات التوضيحية حول معنى العنوان بآخر الفيلم- بل جعلت المشاهد هو من يستثير هذه الأفكار العميقة بعقله دون توجيه. ولعل من مميزات المخرجة (كاواسي) هو ذلك التوظيف المتقن لحركة الكاميرا بتلك اللقطات الرائعة بالفيلم، ومنها مثلا تموج الرياح الخلاب والمتزامن بقمم الأشجار المتراصة، وكذلك إبعاد مدى الكاميرا مع البطلين بشكل متدرج لتصوير الشجيرات المنسقة بشكل خلاب يسر الناظرين لجنة من جنان الأرض. لا شك أن المخرجة برعت بهذا بحكم أن تخصصها الرئيس هو مخرجة وسائط متعددة تحولت للاخراج السينمائي وهو تخصص لا يبتعد كثيرا على أي حال عن الآخر. وكما ذكرنا من عدم تقليدية الفيلم الذي يأتي من سمة المهرجان، فإن هذا يندرج على معظم عناصر الفيلم، فالتصوير تركزت فلسفته على حركة الطبيعة وكان طابع الكاميرا هو الحركة وعدم الثبات (كاميرا محمولة) وهو أمر انتشر كانتشار النار بالهشيم سواء بأوروبا أو حتى بأمريكا رائدة السينما الترفيهية التقليدية بالعالم عبر شركاتها الضخمة. ولا أعلم حقيقة سبب هذا الانتشار لاسلوب الكاميرا المتحركة في الآونة الأخيرة. الحوار أيضا اتسم بالتلقائية وعدم الارتباط بنص ثابت أو حوارات بعينها. أما الموسيقى التصويرية، فبخلاف فيلم 4 شهور و3 أسابيع ويومان، فقد تميزت بالهدوء ونغمات البيانو البطيئة والمتثاقلة ولكن المخرجة حاولت الاستفادة أيضا من أصوات الطبيعة وتوظيفها دراميا فهناك صوت هبوب نسمات الرياح وكذلك صوت خرير المياه المتدرج وغيرها إلا أن ما كان مستهدفا منذ البداية هو التأمل الهادئ والسكينة العميقة.
نحضن الطبيعة أم هي من تحضننا

لا يمكننا القول أن فيلما كهذا قابلا لأن يكون عملا جماهيريا بل وقد يكون من الأعمال التي لا يستطيع المشاهد العادي أو المعتاد على القوالب المعتادة دراميا (كوميديا – حركة – رعب – إثارة – دراما – خيال علمي…إلخ) فهم هذه الأعمال بكل بساطة. بمعنى آخر، هل وظيفة السينما هي الترفيه والمتعة فقط؟ قد يجادل البعض منا، أنها كذلك، حيث يعتبر العامل الترفيهي والامتاعي إن جاز التعبير هو العامل الرئيس لصناعة الفن السابع. لكن هناك من يجادل أن من وظائف السينما كذلك أنه فن يثير قضايا انسانية عميقة واسئلة فكرية تناقشها الفنون الابداعية الأخرى كالشعر والرسم وغيرهما. وإن الاغراق بعامل الترفيه واختزاله كعنصر وحيد يهدف إليه الفن السينمائي هو أمر سيؤدي إلى اضمحلال دور هذا الفن في المجتمع والدولة بشكل عام، وأنه لا جدوى مما قدمه كبار المخرجين المفكرين ذوي الفلسفة الخاصة أمثال إينجمار بيرجمان وستانلي كوبريك وفيم فيندرز وأكيرا كيروساوا وفيتوريو دي سيكا وغيرهم الكثير بجميع أنحاء العالم الذين يركزون على المعنى الفكرى لوظيفة السينما أكثر من الجانب الترفيهي البصري. وهنا يبرز طرف ثالث يجمع ما بين الفكرتين حيث هناك من المخرجين من استطاع تكوين مزجا توفيقيا بين الفكر والترفيه ولعل من أبرزهم سيرجيو ليوني وكلينت إيستوود وجيوسيبي تورناتوري وغيرهم. فهل يمكننا القول أن هناك “أفلام مهرجانات” وأفلام للعامة؟ أو هل الصفوة هم فقط من توجه لهم رسائل هذه النوعية من الأعمال وعموم الناس لن يكون بمقدورهم استيعاب الأفكار النابعة من هذه الأفلام وسيحجمون حتى تكملة مشاهدة نصف الفيلم هذا إن حضره أحد منهم على الاطلاق؟! باعتقادي أن العامل الذي سيحدد هذا الجانب هو مدى انتشار الثقافة والفكر الواعي ما بين أفراد المجتمع بصورة عامة حتى تكون مشاهدة الأفلام العميقة الطرح مقبولة ومفهومة، فعلى سبيل المثال، فإن المشاهدين في أوروبا الشرقية يقبلون على هذه الأفلام بشكل كبير وهذا ناتج عن تراكم المحصول الفكري السينمائي على مدار الأعوام الماضية على المجتمع وأفراده. إلا أن الذوق الخاص والرغبة الفردية تظل دائما هي العامل الحاسم على مدى التفاعل مع هذه الأعمال من عدمه.

مواصفات نسخة الفيلم:

اسم النسخة: The.Mourning.Forest.2007.DVDRip.XviD-TLF
المدة: ساعة وسبع وثلاثون دقيقة
معدل الاطارات: 23.976
عدد الاسطوانات: واحد


الترجمة والتورنت بالمرفقات
وتقبلوا تحيات مترجم العملفيصل كريم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s