ترجمة الفيلم السويدي الضخم Fanny And Alexander للمخرج إنغمار بيرغمان

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه ذكريات تقديمي لهذا العمل المرهق كما وضعته في منتدى الديفيدي العربي خريف العام 2007.

سأستهل موضوعي هذه المرة بشكل مختلف عما سبق.

أولا: الإهداء:
أود اهداء هذه الترجمة التي يستحق حجم المبذول بها أن أهديها لكل من ساهم بارتقاء ونهضة هذا العلم الرائد – علم الترجمة – وخاصة ترجمة روائع الافلام العالمية وعالم السينما. ولن نجد أبرز مثال على من أعطى من جهده وفكره وجل وقته سوى الاخوة رموز هذا المنتدى- الديفيدي للعرب- ومترجميه. ويسرني اهداء ترجمة هذا العمل الضخم لأبرز من صادفت من الاخوة في هذا المنتدى المعطاء.

الأخ مشرف المنتدى العام هيبو (أيهاب) – الناقد الفني والسينمائي بصحيفة الدستور المصرية Bob2Bob (إيهاب التركي) – الأخ العزيز وموجهي الأول بالمنتدى مشرف قسم الترجمة ا/ سعيد عبد الجليل –
الأخ مشرف الترجمة الغائب أشرف عبد الجليل – م/ شريف الحداد – ديلمون البحراني – دراجونز – طرفة القداح – شاكر حمدي – رايان – The Professor – د. محمد علي – عمرو عبد الخالق – – أسامة أسعد – سامح آرنولد – M.H.Z – لوبان – عمروA3R – حسين بكر – محمد Sonar_KW – بو أسيل – أسماء فوزي – عماد حجاب – عشتار – سيمنز – Good Knight – Tamed

وأهدي هذه الترجمة أيضا للزملاء الأفاضل في منتدى الفنون والمناقشات السينمائية.

أشرف فاروق – اسلام Almasdelromeo – بيليه العرب – MaximusQ8

وآخرا وليس أخيرا شريكي المفترض بترجمة هذا الفيلم-المسرحية (عين السهر) الأخ أحمد صالح أحمد الذي كان يفترض أن يتولى ترجمة الاسطوانتين الثالثة والرابعة، لكني متيقن أنه قد تعرض لظروف قاهرة منعته من هذا الأمر بل ومنعته حتى من الدخول للمنتدى منذ مدة طويلة. أعانه الله على ظروفه الصعبة تلك. وأعتذر بشدة إن فلت مني أي اسم بارز بعالم الترجمة. وأعتقد جازما أن هذا العمل يجب أن يتم اهدؤه لكل الاسماء التي اجتهدت بكل ما أوتيت من قوة بدنية وفكرية وذهنية لكي تمهد الجسور للمشاهدين العرب طرق الامتاع والاستفادة، وهذا غيض من فيض.


ثانيا: النقد والتحليل:

فيلم فاني وأليكساندر ليس من السهولة أو من البساطة التحدث عنه بشكل غير متعمق أو أو سطحي أو حتى يتم مناقشته بأقلام غير مجربة أو تنقصها الخبرة الكافية بمجال النقد والتحليل. وأقولها بكل صدق أن التهيب والخشية من سطحية التناول أو عدم الفهم الكامل للأبعاد لعمل الراحل إينجمار بيرجمان الأضخم على الإطلاق هو ما جعلني أفكر بطرق خيرة أبواب النقاد، الذين نعرفهم على لأقل، لمدنا بما لديهم من أفكار وتأملات حول هذا الفيلم الذي أنتج لنا به بيرجمان خلاصة رؤاه ورحيق منظوره السينمائي والمسرحي على حد سواء. فكان أن تقدم الاستاذ سعيد عبد الجليل مشكورا بالاستئذان من صاحب موضوع قيم ومميز ويستحق الثناء ألا وهو الاستاذ الفاضل أحمد الحقيل (الرسام) مشرف موضوعات سينمائية بمنتديات سينماك وذلك بالجزء الثاني من موضوعه الممتاز: وقفـــــات ( 2 ) : Ingmar Bergman ونقتبس من موضوعه الرائع الجزئية الخاصة بعمل بيرجمان الذي لن ينسى فاني وأليكساندر. وبدوري أشكر الأخ الفاضل أحمد الحقيل على هذه الروح الطيبة بالتعاون البناء ما بين المنتديين الشقيقين

وهنا الجزء المقتبس عن فيلمنا، ومن يرغب بالاستمتاع بالموضوع كاملا فالرجاء الذهاب للرابط بعنوان الموضوع أعلاه:
هذا الفيلم تقريبا أكثر أفلام بيرجمان الشخصية ، حيث أن فكرة الفيلم الأساسية مستندة على ذكريات طفولته ، وهذا الاستناد أو الاقتباس – إن صح التعبير – ليس اقتباسا دقيقا لمراحل حياته في طفولته بنفس الأحداث والشخصيات وكأنه سيرة ذاتية ، وإنما هو اقتباس للخطوط العريضة لطفولته بمفاهيمها ومشاعرها ، مدعَّمة برمزيته المعهودة وإسقاطاته التي تتوافق مع اعترافاته في مذكراته وكتبه عن طفولته .

يبتدئ الفيلم بداية في غاية السلاسة والشفافية ، مظهرا – بقدرة بيرجمان الإخراجية وبفضل أداءات متميزة من الطاقم – جوا عائليا مرحا ، يبعث – بكل انسيابية – على الطمأنينة والارتياح ، في جو الكريسماس العائلي الحميم ، يبدع بيرجمان في هذا التمهيد أيما إبداع ، ويتفنن في رصف المشاهد والحوارات والعلاقات وخلق الأجواء التي من شأنها أن تظهر الوجه المشرق لهذه العائلة ، مما يجعلك – كمُشاهد – تدخل في جوها وتتناغم معها سريعا .
يبتدئ الفيلم في الانتقال من المرحلة السابقة إلى مرحلة أخرى ، هذا الانتقال مرسومٌ بدقةٍ مذهلةٍ وتماسكٍ عجيبٍ للغاية ، تشاهد تسلسلا متناغما في الأحداث سينتقل بك من مرحلة الجو العائلي الحميم إلى وفاة أوسكار إلى بداية علاقة إيميلي مع الأسقف ومن ثم زواجهما إلى أن يستمر الفيلم في عملية السرد هذه بتماسك شديد في رصفه للأحداث وتسلسلها ، خصوصا في النسخة التلفزيونية حيث المساحة – الوقتية – الشاسعة التي منحت بيرجمان حرية أكبر .

الفيلم من الأفلام الزاخرة بالشخصيات ، يقدمها بيرجمان بشكلٍ جماعي في أول الفيلم ثم يقدمها بشكل أحادي فيما بعد ، يبدو من العنوان أن القصة عن الطفلين فاني وأليكساندر ، ولكن الفيلم يمهد لذلك بمعالجته لكافة الشخصيات الأخرى لأنها تمثل انعكاسا أساسيا للقصة الأساسية “فاني وأليكساندر” .
في هذا الفيلم ، يخلق بيرجمان مجتمعا متكاملا ، مجتمعا متعدد الشخصيات والأشكال والانتماءات : الغني والفقير ، العاقل والسفيه ، الصغير والكبير ، المتدين والملحد ، المسيحي واليهودي ، الرجل والمرأة ، ويدمج الأشكال الاجتماعية فيما بينها : العائلة الأرستقراطية ، العائلة المتزمتة المنغلقة ، الالتزام المظهري الاجتماعي للعائلة الأرستقراطية في ظاهرها والوجه الخفي لها في باطنها ، عالم الأطفال الحالم المليء بقصص الأشباح ، عالم الكبار الواقعي المليء بالخيبة والموت .
إن بيرجمان يقدم صورة متكاملة لمجتمع متعدد الأشكال ، متمازج في حيز واحد ، نشاهد من خلاله الفروق التي تفصل بينها والمفارقات التي تصدر منها .

من أهم الشخصيات الأساسية في الفيلم هي شخصية الأسقف ، وهي شخصية معقدة ومركبة للغاية ، إنه يعبر عن مزيج من أشياء عدة ، في أحد حوارات الفيلم مع زوجته إيميلي يذكر أنه كان – في وقت مضى – يظن أن كل الناس تعجب به ، وأنه يرى في نفسه الحكمة والاهتمام الواسع والعدل ، وأنه لم يكن يتوقع الكره والبغض من أحد ما ، إلا كره ابنها أليكساندر له أصبح يقلقه ويقض مضجعه ، إن الكره الذي وجده من هذا المخلوق الضعيف والطفل العاجز اخرج من داخله رغبة ملحة في الإيذاء بأي طريقة كانت ، لأنه حطَّم تلك الصورة المثالية التي رسمها لنفسه ، لمجرد أنه لا يريد ان يكرهه احد ، إنه يخاف من هذا النوع من الكره ، وخوفه هذا جعله يخشى من هذا الطفل ويتحداه .

في هذا الفيلم يصل بيرجمان إلى أقصى مراحل النضوج السينمائي ، هذا النضوج من جهات متعددة ، الجهة الأولى تتمثل في النضوج الفكري الذي منحه القدرة على تلخيص أفكاره ورؤيته تجاه ما كان متفرقا في عديد من أفلامه ، كون الفيلم يتحدث عن ذكرياته كان سببا في جعل الفيلم أقرب من غيره في إخراج أفكاره ورصفها بشكل تلقائي وواضح ، الجهة الثانية تتمثل في كيفية استفادته من أدواته السينمائية خير استخدام والوصول بها نحو أقصى مراتب الكمالية المضمونية والشكلية ،
إننا في هذا الفيلم نشاهد شخص بيرجمان من خلال فيلمه بأحداثه وشخصياته ، بيرجمان الإنسان عبر إسقاطاته الفكرية تجاه عديد من الأمور ( الدين ، الحياة ، الموت ….. ) ، وبيرجمان السينمائي الذي اعتاد على تقديم أنواع متعددة من المعالجات ( الدراما ، الكوميديا ، السريالية والغموض ….. ) ، كلها مجتمعة ومتمازجة ومتناغمة بشكل لن تراه في أفلامه الأخرى ، إن هذا الفيلم يُعدُّ المرجع الأساسي لسينما بيرجمان ، فمشاهدته تعني الإحاطة بسينما بيرجمان في كل مراحلها التي مرت بها وأشكالها التي تشكَّلت عليها .

ربما يكون هذا الفيلم تحديدا مع فيلم بيرجمان الآخر ( الشخصية ) من أكثر أفلامه التي لا ينضب معينها أبدا ، في كل مرة تشاهده فيها تتكشَّف لك إسقاطات وإيحاءات كانت خافية عليك في مشاهدة سابقة ، وإن كان تاركوفيسكي أشار – كما أوردت سابقا – عن فيلم الشخصية ما يدل على ذلك ؛ فإن فيلم فاني وأليكساندر أيضا يظل فيلما مليئا بالاحتمالات التي قد تتكشف لك حينما تشاهده أكثر من مرة ، أحدهم استنتج أن أوسكار شاذ جنسيا وأنه ليس أب أليكساندر ، وأحدهم استنتج علاقة ميتافيزيقية بين عائلة الأسقف وبين إسماعيل وآرون ، وأحدهم فسَّر مشهد الاختطاف الغريب بتفاسير متعددة تقبل جميع الاحتمالات ، وأحدهم حاول تفسير إسماعيل الذي يبدو كامرأة ( مثل دوره ممثلة ) بانه شخصية رمزية ترمز لما فوق الحقيقة وانه ليس تابعا لقوانين الطبيعة ، وعكسها شخصية عمة الأسقف التي قام بتمثيلها رجل ، والمقصد ؛ أن هنالك مفاتيح واحتمالات كثيرة في هذا الفيلم ، غامضة وسريالية وسيكولوجية، فهو غني بشخصياته وإسقاطاته وإيحاءاته والتفاتاته ، ومع كل مشاهدة ستشعر أنك تستكشف شيئا جديدا .
بحق ؛ إنه عمل فني إبداعي ، وأقرب ليكون تحفة خالدة .

هذا الفيلم من أكثف أفلام بيرجمان حوارا ، حتى أن النسخة التلفزيونية بلغ عدد صفحات سيناريوها 1000 صفحة ! ، كلها مليئة بالحوارات العميقة أو الكوميدية بين الشخصيات الكثيفة ، ولعل من أجمل حوارات الفيلم هو مشهد الحوار بين الأم هيلينا وبين شبح ابنها أوسكار ، حينما تخبره أن الحياة ليست إلا مجرد أدوار نقوم بها ونتكيف معها ، دور الممثلة أولا ، ثم دور الزوجة ، ثم دور الأم ، ثم دور الأرملة ، ثم دور الجدة ، ثم دور الحزينة ، كلها ادوار تتلبسها وتتكيف معها ،
تقول ( مشاعري العميقة حطَّمت الواقع ، إن كنت تفهم ما اقصد ، من بعدها أصبح الواقع محطما ، وبغرابة كافية ؛ أشعر أنه أكثر واقعية هكذا … )
نذكر أن فيلم الشخصية كان يدور على ذات المبدأ ، وهو أن الممثلة إليزابيت فوجلر توقفت عن الكلام لأنها أحست أن حياتها عبارة عن مجموعة من الأدوار التي تمثِّلها ، وهنا تبرز شخصية هيلينا التي كانت ممثلة مسرحية في صغرها كانعكاس لشخصية فوجلر في فيلم الشخصية ، ولكن بواقعية أكبر في بنائها الدرامي .

التصوير هنا من أروع ما يمكن أن تشاهد ، نيكفيست وبيرجمان مرة أخرى بعد الإبداع الخلاق في صيحات وهمسات ، الكاميرا تتكلم بقوة تعبيرية مذهلة ، يتركها بيرجمان تأخذ حريتها الكاملة في المَشهد ، تجوب في أروقة البيوت وتراوح بين الشخصيات كما تشاء ، وتتمكن من التحدث بصمت معبر ، ومن يركز يلاحظ ان بيرجمان استخدم التصوير هنا بشكلٍ مختلف عن أغلبية أفلامه ، فقد تغاضى عن تكنيك الكلوس أب الذي كان يعتمد عليه كثيرا ، والسبب في ذلك أن الغرض من الفيلم ليس دراسة الشخصيات كما نجد في أفلام مثل صيحات وهمسات والشخصية وغيرهما وهو الأسلوب الذي يتماشى معه الكلوس اب ، بل كان الفيلم مركزا على دراسة المحيط الذي تعيش فيه الشخصيات ، الذكريات التي عاشها بيرجمان والأجواء التي أراد أن ينقلها ، وبالتالي فالكاميرا تجول بشكلٍ مفتوح ، لا تتقيد بالتركيز على الأوجه وتنحصر فيها ، بل تأخذ حريتها تماما ، وتتمكن من التعبير عن ذلك ببلاغة واضحة .
وجديرٌ بالذكر ، أنه أثناء تصوير هذا الفيلم حدثت مشكلة كبيرة بين بيرجمان ونيكفست ، حيث أن نيكفست أراد حضور جنازة زوجته السابقة ، إلا أن بيرجمان رفض ذلك معللا ان غيابه سيكون مؤثرا ، مما أورث صراعا محتدما بين الاثنين ، إلا أن ما نشاهده – على صعيد العمل – مختلف تماما ، حيث نرى الإبداع التصويري والإخلاص في إيجاد كماليته من كافة جوانبه ، وهنا تبرز احترافية العمل .

هذا الفيلم يعد درسا من دروس بيرجمان في كيفية اختيار الألوان ، هنالك تناغم عجيب في مزج الألوان في الديكورات الداخلية خصوصا بيت العائلة ، اللون الأحمر هو أكثر الألوان تركيزا في هذا الفيلم ( كما في فيلم صيحات وهمسات ولكن بشكل أقل ) ، يمازجه اللون الأخضر ، وهذان اللونان متضادان ، حيث أن اللون الأحمر – كما يوظفه بيرجمان في كثير من أفلامه – يشير إلى الجمود والبؤس ، واللون الأخضر يعبر عن الأمل والبهجة حيث أنه هو لون الطبيعة ، وهذا بالضبط ما كانت العائلة عليه ، إنها مزيج مركب ما بين البؤس والسعادة ، ظاهرها مشرق وسعيد ولكنها تحمل في طياتها تناقضا وغموضا وانغلاقا ، الظاهر يسيطر على الباطن ويتمكن من إخفائه ، إلا أنه لا يستطيع أن يمحوه تماما .
الديكورات أيضا وتصميم المَشاهد يدل على حرفية تامة قادت كلا من آنا أسب وسوزان لينجهيم للفوز بجائزة الأوسكار لأفضل تصميم فني لمواقع التصوير ، الديكورات مرصوفة بعناية شديدة ، فالبيت الكبير أثاثه وديكوراته وإكسسواراته وتصميمه يدل على أرستقراطية العائلة وعلوِّ كعبها الاجتماعي ، وبيت الأسقف يدل على مدى التقشف الذي تعيشه العائلة والجمود والبرود الشديد الذي توحي به .

التمثيل استثنائي ، ومتميز من الجميع .
الطفل Bertil Guve في دور أليكساندر قدَّم أداء جيدا ، نظراته وكيفية أدائه للشخصية منحها أبعادا أخرى ، الغريب هو عدم دخوله مجال التمثيل بعد هذا الفيلم .
الممثل Allan Edwall في دور أوسكار يقدم أداء لا أعلم ما سبب إعجابي الكبير به ، لديه ذلك الحس العميق بشخصيته ، كيفية أدائه وتقمصه لها بغموضها الغريب وحزنها الظاهر على ملامحه وكيفية نظراته تستفز مشاعري كثيرا ، لا زلت أتذكر ذلك المشهد بعد موته عندما كان جالسا على كرسي البيانو ثم التفت لأليكساندر وفاني وأخذ ينظر إليهما ، في تلك النظرات تمكن من قول ما لا تستطيع كثير من الكلمات قوله ، الحزن ، الحنين ، الجمود ، أداء رائع للغاية وجذاب .
الممثل Jan Malmsjo في دور الأسقف قدم أداء رائعا للغاية ، جان كان قد استغرب من اختيار بيرجمان له لهذا الدور ( الذي كان مقررا أن يذهب لماكس فون ) ، فقال بيرجمان أنه يرى فيه ذلك الشر الكامن في داخله ، الشر الكامن في كل واحد منا ، والذي يعد جزء أساسيا من إنسانيتنا ، وأعتقد أن جان أبدع كثيرا في إظهار هذا الجانب الخفي من شخصيته – كما يقول بيرجمان – ، عندما تشاهده تحس – بشكل مستفز – بقلق وتوتر ، تستشعر ذلك الغموض المخيف في نظراته وطريقة كلامه ، أعتقد أن أداء جان كان سببا رئيسيا في خروج شخصية الأسقف بمثل هذه القوة .
الممثل Jarl Kulle في دور جوستاف كان فاكهة الفيلم بكل حق ، لقد تمكن هذا الممثل من خلق كاريكتر في غاية الجاذبية والفكاهة الكوميدية لهذه الشخصية ، حينما يأتي تستمتع بأدائه وبحضوره وما إن يذهب حتى تنتظر رجوعه ، هذا النوع من الأداءات يخلق للشخصية كيانا خاصا في الفيلم ، كيانا يجعلها قريبة من المُشاهد ، لا ننسى أيضا أن كاريكتر الشخصية في أصلها يظل جذابا ، ولكن أن تخلق شكلا لهذه الشخصية الجذابة هو أمر يستحق الإشادة أيضا .
الممثلة Gunn Wållgren في دور هيلينا تقدم أداء جميلا لهذه الشخصية ن حضورها كثير في الفيلم وتمكنت من الارتقاء بها على أكمل وجه ، وقد كان بيرجمان وضع الممثلة إنجريد بيرجمان كخيار أساسي لأداء هذه الشخصية ، إلا ان الظروف – للأسف – حالت دون ذلك .
باقي الأداءات جميعها تتراوح ما بين الممتاز والجيد ، ولا يوجد فيها – من خلال وجهة نظري – أي أداء يشوبه القصور أو الرداءة ، الكل قام بدوره على أتم وجه .


ثالثا: عملية الترجمة:

لا شك أن عملا ضخما وطويلا كفيلم فاني وأليكساندر، حيث تستغرق مدته خمس ساعات وثمان دقائق، يحتاج إلى تفانٍ كبير وتكريس تام للوقت حتى تظهر ترجمته التي تعدت الثلاثة ألاف سطر بالشكل الاحترافي والأكاديمي اللائق. وقد كانت فكرتي الأولى أن يتم ترجمة هذا العمل بصورة ثنائية مشتركة وذلك إيمانا مني بقيمة العمل المشترك وانطلاقا من مبادرة كان قد طالب بها الأخ الفاضل مشرف المنتدى العام الاستاذ إيهاب (هيبو) قبل مدة طويلة فحاولت بكل جدية تطبيق هذه الفكرة بهذا الفيلم. فحدث أن برز الأخ الفاضل (عين السهر) كما أشرنا سابقا، متطوعا فرحبت به وأثنيت على مستواه المتطور بالترجمة وحماسه واندفاعه للمشاركة بهذا العمل. فرتبنا الأمر على أن نتولى تنفيذ اسطوانات النسخة الأربع بواقع اسطوانتين لكل منا وكان نصيبي منهما الاسطوانتين الأولى والثانية واتضح أنهما الأصعب على الاطلاق. عموما شرعت بتحميل الاسطوانات وترجمتها حالا مع تنبيهي المتكرر (عبر الماسنجر) لعين السهر بالمواصلة حيث كان يطمئنني أن كل شيئ سيمضي على قدم وساق، فوضعت الاعلان القديم بناءا على هذا الوضع. ثم انتهيت من ترجمة الاسطوانتين بسرعة جيدة بالمقارنة مع صعوبة بعض أجزاء الحوار وسأوضح السبب لاحقا. وكان هدفنا أن نقدم الترجمة الكاملة قبل شهر رمضان الماضي بعد أن سهل لنا الأمور الاستاذ سعيد عبد الجليل أطال الله بعمره، لكن حدثت الطامة من عدم تجاوب أخونا عين السهر وحاولنا أن نتصل به دون جدوى بعد أن أحرقنا الرسائل البريدية والخاصة من كثر مراسلته وأيضا دون جدوى وكنا نريد منه موقفا حتى لو بالاعتذار حتى نحدد وضعنا بهذه الترجمة المرتقبة لكن باءت جميع محاولاتنا بالفشل. لكني كما ذكرت آنفا، متيقن أن ظروفا ما قاهرة منعته من استكمال هذا المشروع، وإن لم يكن الأمر كذلك فهو مطالب بشرح ما فعل لنا جميعا.

بالنسبة لترجمة فيلم فاني وأليكساندر. فإن بها الكثير من الدروس والعبر التي نستفيد منها كمترجمين. وباعتقادي فإن أبرزها هو كيفية تعايش بل تقمص المترجم لجميع أدوار الشخصيات الموجودة بالفيلم وذلك حتى يمنح قارئ الترجمة محاولة نقل الجو الطبيعي والتلقائي الذي تعيشه هذه الشخصيات. واضافة لهذا يتحتم على المترجم أن يسير على نفس الوتيرة التي يجري بها الحوار والسيناريو. وإذا ما آمناا أننا جميعا بعيدون عن الكمال الذي هو لله عز وجل وحده، فأننا سنقع بكل تأكيد بمسألة التباين والاختلاف الثقافي والديني واشكالياتها التي لا تنتهي لأي مترجم، وهذا الأمر ظهر جليا في نص حوار هذا الفيلم حيث اللفظ اللاديني والتطاول على المقدسات اللإلهية هو أمر اعتيادي بالحياة العلمانية الأوروبية. وقد وردت بحوار الفيلم جملتان على لسان أليكساندر تحتوي على هذا المعنى أتعفف عن ذكرها بالمنتدى لكن كان لزاما علي أن أضع ملاحظتي كمترجم بأسفل الجملتين. الأولى ترجمتها كما هي ولكن بوضع ملاحظتي أسفلها. والجملة الثانية لم أترجمها بل وضعت ما يشير لمعناها لبذائتها ووقاحتها. أما ما يخص التجربة المفيدة بهذه الترجمة هو ترجمة النصوص الشعرية والأناشيد التي كانت تلقى سواء بالمسرح أو بمنزل عائلة إيكداهل الارستقراطية، حيث قمت بترجمة بعض الأبيات الشعرية كما وردت بالنص الانجليزي إلى كلمات عربية مقفاة ولا أقول شعرا لأنها قد يتكسر بها الوزن، وهذا مثال على هذا:

النص الانجليزي:

“Worthy joseph, do not fear
thy angel is thee ever near
i come in haste to bring thee word
from thy creator and thy god

mary and the child now wake
and quickly into safety take

herod with his murdering hand
threatens every man-child in this land

all this I have noted well
and shall do as you foretell

praised be god upon his throne
who thus protects my only son

thus, good people, ends our play
it all ends well this holy day

the son of god, saved from the sword
is our savior, christ the lord

we know that in his mercy mild
he guards every woman, man and child

though far from bethlehem we roam
the star in the east leads us home

merrily may every light
shed its radiance clear and bright

a time of joyous christmas cheer
we wish to all, both far and near

let no one into darkness fall
a merry christmas one and all”

وهنا الترجمة الشعرية لهذا النص:

“يا (يوسف) الغالي لا يقلقك الاهتمام
وملاك الرحمة على مقربة منك حام

أتيت عجلاً لأبلغك الرسالة
من لدن خالقك ورب العدالة

(مريم) والطفل الآن يستيقظان
وبـكـل سـرعة للأمـان يلجآن

و(هـيـرود) ذو الـيـد الـقـاتـلة
يهدد كل الآنام بهذه الأرض العامرة

كل ذلك كنت لـه من خير المذـكرين
وعليك أن تسير على صراط المهتدين

والحمد للرب الذي على عرشه استوى
حـامـيـا وحـيدي من كل مكروه طرى

وبهذا، أيها الطيبون، ننهي هذه المسرحية
بهـذا العـيد الـمـقـدس بـكـل نـفس رضية

رسول الرب الذي أنقذ من حد السيف
هو المنقذ البشير يوم يبطل الزيف

ونـعلم بـأن في جـوف قـلـبـه الـرحـوم
يستظل به كل امرأة ورجل وطفل من القوم

ورغم أننا عن (بيت لحم) نجول بابتعاد
فإننا بنجمة الشـرق نحو ديارنا ننقاد

وعسى كل نور ينطلق بانشراح
يبرق أشعته بكل صفاء واتضاح

عـيـدا مـليـئا بالبـهـجـة والـسـرور
نتمناه لكل الملأ من الغائبين والحضور

وندعوه ألا يسقط أحدا بالظلمات
عيدا مبـاركـا لكـم كل الحياة”

ولا أدعي أنها محاولة تامة لهذا العمل لكنها بلا شك أنماط تجارب تستحق الدراسة والتدقيق. وكان هناك أيضا الكثير من الترتيلات النثرية الإنجيلية والقصص التوراتي التي تحتم علي كمترجم أن أترجمه بشكل متناهي الدقة والحرص وبشكل علمي وبأمانة بالنقل وكذلك يوجد بالفيلم مقاطع مسرحية مختلفة من (هاملت) ومسرحيات أخرى، أتمنى أن تحوز على رضاكم. بقي علي أن أقول نقطة واحدة وهي أن الفيلم فكريا مرعب جدا ويخيف أكثر من أفلام الرعب، لأنه وبحسب منطق بيرجمان الذي شاهدناه سابقا بأفلامه الأخرى يناقش فكرة الموت وأشباحه بشكل ميتافيزيقي ومخترقا الوصف اللفظي لهذه الفكرة عبر الاستخدام للكاميرا ووظيفتها التصويرية الشاملة كما شرح أعلاه الاستاذ أحمد الحقيل.

رابط الترجمة
وتقبلوا مني أطيب تحية

فيصل كريم

3 responses to “ترجمة الفيلم السويدي الضخم Fanny And Alexander للمخرج إنغمار بيرغمان

  1. اسناذي الكريم…
    شاهدت الفيلم زماااااااااااان بترجمتك على موقع افلامك(فيما بعد عرفت بخلافك مع فريمان بخصوص استخدام الترجمات بلا ترخيص و قد اكون مخطئا في استنتاجي)
    العمل صعب المشاهدة فما بالك بترجمته و نقده و تقديمه!!!
    مشاهدة بيرجمان كما تاركوفسكي صعبة و تحتاج لذائقة معينة و حد أدنى من الثقافة لتذوقها و اعلى لاستيعابها، احسست في الفيلم بلمحة من الحزن شيئ لم يكن واضحا لي حتى قرأت مذكرات بيرجمان (المصباح السحري)… بيرجمان انت تتحدث عن نفسك و عن أباك و لا كفرك و لا ايمانك…
    سلمت يمناك ابا عبد الله و مدونة في اليد خير من منتدى في ياهو!

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s